الغد-عزيزة علي
صدرت مجموعة "روائع شعرية مختارة"، جمع وتصنيف وشرح وتحليل الدكتور أيوب عيسى أبو دية، مع التدقيق والتحرير للشاعر تيسير الشماسين.
يقدم الكتاب مختارات من أجمل الأبيات الشعرية العمودية التي تناولت موضوعات الحياة المختلفة، من الحب والجمال والشجاعة إلى الحزن والخيانة والظلم، معبرة عن التجربة الإنسانية عبر العصور والأمكنة، ومظهرة قدرة الشعر على تصوير المشاعر والأفكار بأسلوب موسيقي جمالي.
الكتاب يستعرض تطور الشعر العربي منذ الجاهلية وصدر الإسلام، مرورًا بالشعر القديم، حتى الشعر العمودي المعاصر في القرن العشرين وما بعده، موضحًا تأثير التحولات الاجتماعية والسياسية على مضمون الشعر والفن، من عصر النهضة في أوروبا إلى الحداثة وما بعدها، ومقارنتها بتجارب الشعراء العرب الذين حافظوا على التراث مع التفاعل مع قضايا عصرهم.
أشار الدكتور أيوب أبو دية في مقدمة كتابه، إلى أن المختارات تضم نخبة من الأبيات الشعرية العمودية التي تعكس التجربة الإنسانية في موضوعاتها المتنوعة، من الحب والشجاعة إلى الحزن والخيانة، معتمدة على كلمات متقنة الصياغة والجمال الموسيقي.
ويعتبر الشعر "ديوان العرب"، كونه وسيلة أساسية لحفظ تاريخهم وثقافتهم وقيمهم، وسرد أخبار القبائل والمعارك والأحداث، وسهل تداول الحكم والفلسفات شفهيا، ليصبح جزءًا أصيلًا من الهوية العربية ومرجعًا مهمًا عبر العصور.
ورأى أبو دية، أن الشعر باعتباره ديوانا للعرب، يمتلك قدرة على تحريك العواطف وتحفيز الفكر، ويأخذ القارئ في رحلة عميقة لفهم الذات والعالم. وأضاف أن اختيار الأشعار كان مهمة شاقة امتدت منذ العام 1972، عندما تعرّف على نصوص منهج الصف الثانوي وأحبها، وما يزال يحتفظ بها بعد أكثر من نصف قرن.
منذ ذلك الوقت، بدأ المؤلف يجمع الأبيات التي تهزه من الأعماق، حتى أتاح له تقاعده الفرصة لإصدارها في كتاب. وقد اختيرت الأشعار بعناية لتغطّي موضوعات أساسية في حياة الإنسان الناطق بالعربية، رغم أن بعض كبار الشعراء كانوا من أصول غير عربية، مثل بشار بن برد وأبو نواس وابن الرومي وأبي العتاهية. وتضم المختارات أجمل أبياتهم التي تعبّر عن أفراح الإنسان وآلامه وفخره، وتجسد أسمى القيم الإنسانية عبر العصور.
يقدّم الكتاب كلمات بسيطة تحمل أفكارا عميقة تغذي الروح وتثري الذهن، وساهم عشرات الأشخاص في اختيار الأبيات التي لامست وجدانهم، مع مراجعتها وتدقيقها بواسطة الشاعر تيسير الشماسين. واعتمد المؤلف في جمع الأشعار على مصادر عدة مثل معجم البابطين، موسوعة أشعار الحكمة، كتاب "الكامل"، لابن المبرّد، وكتاب ابن قتيبة "الشعر والشعراء"، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي للتحقق من الأشعار الأكثر تداولًا وموزونيتها والمعايير الشعرية المختلفة.
وبعد جمع الأشعار، درست السمات المشتركة بينها وأسباب شيوع بعضها على حساب غيرها، بهدف فهم نفسية المجتمع العربي واهتماماته وطموحاته عبر العصور. وتتناول الخاتمة التحليلية أسئلة فلسفية حول تفوّق أشعار الماضي على المعاصرة، وتغير الموضوعات والقيم مثل الشجاعة والكرم والجهاد، وتركز على حضور بعض الشعراء، كثرة أشعار الحب والخمريات، وتأثير الإسلام والاستعمار الحديث على مضامين الشعر العربي.
وفي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهد العالم العربي تحولات سياسية واجتماعية عميقة، منذ عهد محمد علي في مصر، مرورًا بالاستعمار والحركات الإصلاحية والنهضة الثقافية. وقد انعكست هذه التحولات على الشعر والفنون، فانتقل الشعراء من الأساليب التقليدية إلى التعبير عن قضايا معاصرة بروح أكثر حداثة، وبرزت موضوعات جديدة مثل الوطنية والحرية والإصلاح الاجتماعي والقومية والاشتراكية، متأثرةً بالمناهج والأساليب الأدبية الغربية والعالمية.
وأشار الى أن الشاعر محمود سامي البارودي، قاد حركة إحياء الشعر العمودي مع توظيف موضوعات عصرية كالقومية والحرية، بينما مثّل أحمد شوقي نموذجًا لتفاعل الشعر العربي مع التحولات السياسية والثقافية، جامعًا بين التراث وقضايا عصره.
وامتد تأثير النهضة والحداثة إلى الفنون التشكيلية والعمارة، حيث ظهرت محاولات للتجديد والابتكار، مع ميل العمارة المعاصرة إلى نماذج عالمية بعيدة نسبيًا عن الخصوصية المحلية، خاصة في المباني العامة والتجارية.
ارتبط التحول في الإنتاج الأدبي بالنهضة والتغير الحضاري؛ فقد رافقت النهضة الإيطالية بروز أدب دانتي وأعمال ليوناردو دافنشي، بينما شهدت إنجلترا في القرنين السادس عشر والسابع عشر نهضة أدبية كبرى مع شكسبير وميلتون وسبنسر، بالتزامن مع تحولات اجتماعية وسياسية عميقة كالإصلاح الديني ونمو المدن والطبقة البرجوازية واتساع الاكتشافات الجغرافية.
وانعكست هذه التحولات على الشعر والفن بظهور تعبيرات أعمق عن الفردية والمشاعر والطبيعة الإنسانية، كما تجلّى في مسرح شكسبير وملحمة "الفردوس المفقود"، لميلتون، على نحو يوازي الخروج الإبداعي عن المألوف الذي مثّلته "رسالة الغفران"، لأبي العلاء المعري.
شكّلت التغيرات السياسية والاجتماعية في الثقافتين العربية والإنجليزية عاملًا رئيسيًا في تطوير الفنون والشعر، إذ انتقل الإبداع من القوالب التقليدية إلى التجديد والتعبير عن قضايا الإنسان ومشاعره في عالم متغير. وتؤكد دراسة تاريخ الأدب والفن أن التكيّف مع التحولات المحلية والعالمية شرط أساس لاستمرار الإنسان.
ويترك الكتاب مساحة مفتوحة لتعدد القراءات والتأويلات، انطلاقًا من غياب الحقيقة النهائية للنص، بما يتيح لكل قارئ أن يكتشف دلالاته الخاصة ويتأمل معاني الحياة وغاياتها وفق تجربته الإنسانية الفريدة.
قل الكاتب "نأمل أن يجد القارئ في الكتاب متعة وتأملًا مماثلة لتلك التي شعرت بها أثناء جمع الأبيات المختارة وشرحها وتحليلها، مع الحرص على عدم جمع أكثر من أربعة أبيات معًا لكل موضوع".
وخلص التحليل النهائي للكتاب، بحسب أبو دية إلى أن الشعر هو ابن زمانه وربيب مكانه، إذ لا يعبر فقط عن الذات الفردية، بل يعكس تطور المجتمع والتحديات التي يواجهها في سياقات تاريخية وسياسية مختلفة، كما يبين التغيرات في القيم الاجتماعية والنفسية وعلاقات الفرد بالمجتمع والدولة والاعتقاد عبر العصور.
وأكمل، نظرًا لاختلاف الظروف الزمانية والمكانية، كانت توقعاتنا بأن موضوعات الشعر تتغير عبر العصور صحيحة، بدءا من الشعر الجاهلي مرورًا بالشعر الإسلامي القديم، وصولا إلى الشعر العمودي المعاصر في القرنين الأخيرين. ومع ذلك، يظل هذا التحليل مرتبطًا بإشكاليات العصر وثقافته، مستفيدًا من أدوات التحليل الحديثة وعلوم اللسانيات والتأويل، خصوصًا في ظل تأثير الحداثة وما تلاها من تيارات فكرية كـ"ما بعد الحداثة"، وما بعدها.
وأكد، استخدمنا مصطلحات محددة لتصنيف الشعر: الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام للدلالة على ما سبق الإسلام أو تشكل عند الانتقال إليه، والشعر القديم للشعر العمودي بعد صدر الإسلام حتى العصر الحديث، والشعر المعاصر للقرن العشرين وما بعده، مميزًا عن الشعر الحديث غير المقفى.
وخلص أبو دية إلى أن الكتاب هو عبارة عن رحلة عبر قصائد تجاوزت الزمان والمكان، فإنه يمثل جزءًا من تراثنا الأدبي الخالد، يربطنا بتاريخنا وهويتنا الثقافية، ويثير مشاعرنا، ما يجعلنا نفكر في استمرار إشكاليات حضارتنا ومدى تطورها في مواجهة التحديات الراهنة.