الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
باتريك وينتور* - (الغارديان) 26/8/2026
بفعل الإفراط في استخدامه وبناء بدائل إقليمية عنه، قد يتحول مضيق هرمز، الذي منح إيران واحدة من أهم أوراق القوة في الحرب، إلى مصدر ضعف بدل أن يكون مصدر قوة. فبينما تواجه طهران ضغوطاً اقتصادية متزايدة وتبحث عن مخرج تفاوضي، تسارع دول الخليج إلى تقليص اعتمادها على المضيق، وتستعد واشنطن لتشديد خناقها المالي. وبذلك يصبح التحدي الإيراني مزدوجاً: الحفاظ على هرمز كورقة نفوذ من دون استنزاف قيمتها، وإنقاذ الاقتصاد قبل أن تتحول هذه الورقة نفسها إلى أصل إستراتيجي آخذ في التآكل.
مضيق هرمز، الذي وصفه مكتب المرشد الأعلى الإيراني مؤخراً بأنه "ركيزة النظام الأمني الجديد لإيران"، والذي قيل عنه إنه يماثل -من حيث قدرته على إحداث تحول إستراتيجي- امتلاك سلاح نووي؛ هل يتحول في الواقع إلى أصل إستراتيجي ذي قيمة سريعة التضاؤل بحيث تجد إيران نفسها أكثر انكشافاً أمام موجة العقوبات الاقتصادية الأميركية الجديدة المزمعة؟
يبدو أن هذا هو محور النقاش الأساسي الذي يدور حالياً داخل إيران، والذي تُستخلص منه استنتاجات متباينة بشأن الإستراتيجية التفاوضية التي تنتهجها طهران. وثمة في الداخل الإيراني من يُحذر من أن قيمة المضيق كأداة لخنق الاقتصاد العالمي ستتآكل، بما قد يترك البلد في نهاية المطاف من دون احتياطيات كافية من النقد الأجنبي. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن على المفاوضين الإيرانيين السعي إلى إبرام اتفاق في أقرب وقت ممكن.
في هذا الإطار، يخلص تحليل للباحث حميد بكتينات Hamid Bektinat، مؤسس "منتدى الناشطين الاقتصاديين"، إلى أن اتجاه جيران إيران في الخليج نحو إنشاء خطوط أنابيب وطرق تصدير بديلة يمكن أن يؤدي إلى خفض القيمة الإستراتيجية للمضيق إلى النصف خلال ثلاث سنوات.
يولي الذين يخشون هدر الأصول الإستراتيجية أهمية خاصة للزيارتين المنفصلتين اللتين قام بهما إلى طهران الأسبوع الماضي كل من وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير. ويؤدي هذان الرجلان دوراً محورياً في إعادة التفاوض على شروط إعادة فتح المضيق، وإحياء "مذكرة التفاهم" التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران في حزيران (يونيو)، ثم أُسقطت لاحقاً.
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، قد أطلقا مؤخراً تصريحات صريحة بطريقة غير معتادة بشأن ضرورة إنهاء الحرب والتبعات الاقتصادية التي تترتب على استمرارها. وقال قاليباف إنه بصرف النظر عن حجم القوة العسكرية التي تمتلكها إيران، فإن البلاد لا تستطيع الصمود "إذا كان الناس جائعين" ولم يكن هناك نمو اقتصادي. وأضاف أن الأمن لا يمكن الحفاظ عليه من دون اقتصاد يعمل بكفاءة. وقال أيضاً -مستنداً إلى خلفيته العسكرية: "نحن نعرف قيمة السلام أكثر من الذين يتحدثون عن السلام".
وبدوره، كان بزشكيان أكثر صراحة حين قال: "يجب أن تنتهي الحرب في مرحلة ما". وذهب في حجته إلى أن على إيران إنهاء الصراع الآن، ما دامت طهران تعتقد أنها تفاوض من موقع قوة، بدلاً من الانتظار إلى أن يضعف موقفها التفاوضي.
كما ظهر محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همّتي، مؤخراً على شاشة التلفاز ليحذر من الضغوط الاقتصادية، وقال: "نحن نواجه في الوقت نفسه أربعة أو خمسة تحديات كبرى، من بينها العقوبات القصوى؛ والحصار؛ وقطع صادرات النفط؛ واختلال الموازنة، وكل واحد من هذه التحديات يضع ضغوطاً على الاقتصاد". وأضاف: "قال لي مسؤول من أحد البلدان المجاورة: ’لو أن خُمس ما حدث في بلدكم حدث في بلدنا لما استطعنا إدارة شؤون البلاد‘".
لا شك أن ما يدفع المسؤولين إلى إطلاق هذه التصريحات هو الضغوط التي يتعرض لها الناس العاديون في إيران -إلى جانب إدراك متزايد لحقيقة أن المضيق لا يمكن أن يتحول في حد ذاته إلى عقيدة أمنية دائمة.
حميد آصفي، الصحفي المقيم في طهران والمتخصص في الاقتصاد الجيوسياسي، هو واحد من كثيرين يحذرون من أنه إذا استمر استخدام مضيق هرمز باعتباره الورقة الأخيرة التي تلجأ إليها إيران عند كل مرة تندلع فيها أزمة، فإن هذه الورقة ستفقد قيمتها بالتدريح. وقال: "إن التهديد الذي يتكرر باستمرار يتحول من "ردع" إلى عادة سياسية؛ والعادة السياسية، إذا لم تقترن بإنجازات ملموسة، تقود عاجلاً أم آجلاً إلى تضخم في التهديدات".
وكتب آصفي أن السؤال الرئيسي لم يعد يتعلق بما إذا كانت إيران تستطيع إغلاق المضيق، وإنما أصبح التالي: إذا أغلقت إيران مضيق هرمز في وجه العالم، فهل تفتح بذلك لنفسها باباً إلى القوة، أم أنها تحبس جزءاً من قوتها وراء ذلك الباب؟
"هذه هي مفارقة هرمز. في السياسة الدولية، يمكن أن تتحول ورقة ضغط يجري التلويح بها باستمرار إلى عدو لنفسها، لأنها تدفع الآخرين إلى التخطيط لتقليص مواطن ضعفهم […] ولذلك يجب أن يتغير السؤال الرئيسي في السياسة الإيرانية تجاه هرمز من: ’كيف نجعل العبور صعباً‘ إلى: ’كيف نجعل العبور آمناً ومستقراً إلى حد يجعل الجميع في حاجة إلى إيران لكي تحافظ على هذا النظام‘".
لكن هذا لا يعني أن هذه ورقة ضغط عديمة القيمة. إنها بعيدة عن أن تكون كذلك.
بحسب البيانات التي جمعتها شركة "كلبر" المتخصصة في تتبع حركة السفن، لم يعبر المضيق سوى 112 ناقلة نفط وغاز بين الأول والتاسع عشر من آب (أغسطس). وقد سلكت نحو 79 في المائة من هذه الناقلات طرقاً غير مؤكدة؛ بينما استخدمت 19 في المائة الطريق الشمالي الذي تفضله إيران؛ وسلكت 2 في المائة الطريق العُماني. وفي واقع الأمر، يغلب أن عدداً كبيراً من السفن التي سلكت الطرق غير المعروفة قامت بإيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها عن العمل، واستفادت من الحماية الأميركية المتاحة عبر الطريق العُماني.
ويبدو أيضاً أن شركات النفط السعودية والإماراتية والقطرية والكويتية استأجرت -بمساعدة من الحكومة الأميركية- مجموعة صغيرة من ناقلات النفط لنقل شحناتها عبر الطريق الجنوبي إلى خليج عُمان، حيث تقوم بإفراغ النفط بعد ذلك في ناقلات تنتظرها تملكها الجهات المشترية. ويُنقل هذا الإجراء جزءاً كبيراً من المخاطر من شركات الشحن ومشتري النفط إلى الدول المنتجة للنفط الأكثر استعداداً لتحمل هذه المخاطر، وإلى الحكومة الأميركية. وقد أعدت إيران قائمة سوداء تضم نحو 48 سفينة تعتزم محاولة منعها من العبور أو فرض غرامات عليها.
لكن من المرجح أن الحكومة الأميركية تبالغ في تقدير أثر هذه المسارات البديلة. وقد ادعى كريس رايت، وزير الطاقة الأميركي، في 18 آب (أغسطس) أن البحرية الأميركية ساعدت في نقل أكثر من 15 مليون برميل من النفط ومنتجات أخرى. كما ادعى أن متوسط الكمية اليومية من النفط التي يجري نقلها عبر المضيق يتجاوز الآن 8 ملايين برميل. لكنّ هذا الرقم -حتى وفق هذا التقدير- يقل عن نصف المتوسط الذي كان سائداً قبل الحرب، ناهيك عن أن تقديرات الكمية تبدو مضخَّمة في المقام الأول. وتقدّر معظم الجهات التي تتعقب حركة السفن أن الرقم اليومي الحقيقي هو أقرب إلى 6 ملايين برميل يومياً.
كما قلل أرسينيو دومينغيز، الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، من شأن ادعاء دونالد ترامب المبالغ فيه إلى حد العبث بأن البحرية الأميركية كادت أن تفتح المضيق بالكامل. وقال دومينغير لـ"بلومبرغ": "بالنظر إلى العدد الضئيل جداً من السفن التي تعبر مضيق هرمز، من الواضح أن هذا المضيق ليس مفتوحاً عملياً". وردّ الرئيس الأميركي بقول إن جميع الألغام الموجودة في المضيق قد أزيلت، ولم يبقَ سوى الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والزوارق والسفن الحربية التي تشكل التهديد الرئيسي.
لكنّ حقيقة أن المضيق كان قبل الحرب يمر عبره ما يعادل 20 في المائة من النفط والمنتجات المرتبطة به تعمل الآن كمحفز لإعادة هيكلة البنية التحتية العالمية للطاقة. وفي هذا الإطار، تسارع دول الخليج إلى إنشاء شبكة من خطوط الأنابيب البديلة، بهدف حماية أكثر من نصف صادراتها التي كانت تمر عبر المضيق قبل الحرب، وتجنيبها تأثيرات إغلاق هرمز بحلول نهاية هذا العقد.
درس الباحث بكتينات على امتداد المنطقة طاقة خطوط الأنابيب الجاري إعدادها في ست دول خلال السنوات الأربع المقبلة -إلى جانب أطوالها وتكاليف إنشائها. وخلص إلى أن اعتماد السعودية على مضيق هرمز سينخفض من 70 في المائة إلى 15 في المائة، في حين سيتراجع اعتماد الإمارات العربية المتحدة من 50 في المائة إلى 15 في المائة. وسينخفض اعتماد العراق على المضيق من 100 في المائة إلى 30 في المائة.
كما سينخفض اعتماد الكويت وقطر على المضيق من 100 في المائة إلى أقل من النصف. وقدّر الباحث أن يتراجع اعتماد البحرين من 100 في المائة إلى 15 في المائة. وستتحول سلطنة عُمان، التي لا تعتمد حالياً على المضيق، إلى مركز رئيسي لنقل النفط ساحلياً والذي يخدم المنطقة بأسرها.
بالإجمال، كما يقول بكتينات، سوف تنخفض القيمة الإستراتيجية لمضيق هرمز إلى النصف خلال ثلاث سنوات، وستكون قريبة من فقدان قيمتها بالكامل خلال ست سنوات إذا تم تنفيذ هذه المشاريع. وسيبقى الممر المائي الضيق الذي يشبه في شكله حذوة الفرس قائماً؛ لكن أهميته الإستراتيجية -التي تمثل مركز الثقل الإيراني- ستكون قد تبخرت.
في هذه الأثناء، ستحاول الولايات المتحدة تحويل تفاخُر ترامب المبكر بأن الاقتصاد الإيراني انهار بالكامل إلى حقيقة واقعة. وستحاول مرة أخرى قطع الشرايين الحيوية التي تعتمد عليها الحكومة الإيرانية في خمسة قطاعات رئيسية: الذهب؛ والعملات المشفرة؛ والتكنولوجيا؛ والشحن؛ والطيران.
ولا يوجد في الحقيقة ما يضمن نجاح هذه المساعي بأي حال من الأحوال -وهو ما يعرفه ترامب جيداً، كما يُفترض، من فشل محاولته هزيمة إيران خلال ولايته الأولى. لكن تقويض قدرة إيران على الصمود الاقتصادي بالتدريج إلى أن يصبح مضيق هرمز في نهاية المطاف بلا أهمية تُذكر، ربما يكون الخيار الوحيد المتبقي الآن أمام ترامب.
*باتريك وينتور Patrick Wintour: صحفي بريطاني ومحرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة "الغارديان"، ويتولى هذا المنصب منذ سنوات، بعد مسيرة صحفية طويلة في تغطية السياسة البريطانية والدولية والشؤون الخارجية. بدأ العمل في "الغارديان" منذ العام 1997. غطّى على مدى مسيرته المهنية ملفات السياسة الخارجية والحروب والنزاعات الدولية والعلاقات البريطانية مع القوى الكبرى، مع اهتمام خاص بالشرق الأوسط والدبلوماسية الدولية. وهو من أبرز صحفيي "الغارديان" في مجال السياسة الخارجية، وقد نشر مئات التقارير والتحليلات حول أزمات المنطقة، من بينها الحرب على إيران ومضيق هرمز، إلى جانب قضايا فلسطين وروسيا وأوكرانيا والسياسة الأميركية. وتصفه الصحيفة رسمياً بأنه محررها للشؤون الدبلوماسية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iran faces strait of Hormuz paradox as strategic value of chokehold erodes