عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jun-2026

«شمسيات الاحتمالات» لدانا كنعان.. حوارية الذاكرة وأسئلة الزمن المؤجلة

 الدستور-الأديب صالح حمدوني

 
تحت رعاية الفنانة التشكيلية الأكاديمية د. إنصاف الربضي، وبالتعاون مع مديرية ثقافة محافظة إربد، يستضيف بيت عرار الثقافي يوم السبت المقبل، المعرض الشخصي الجديد للفنانة الأردنية دانا كنعان بعنوان «شمسيّات الاحتمالات»، ويأتي هذا المعرض ليمثل محطة بصرية ومفاهيمية فارقة في مسيرة الفنانة التراكمية، تفتح من خلالها نافذة تأملية تعيد بناء العلاقة بين الرمز والمعنى عبر سؤال مركزي وازن: «ماذا لو؟».
 
تحولات الرمز: من الجسد والقناع إلى المظلة:
 
يُشكّل المعرض امتدادًا واعيًا وتطويرًا للمشروع الفني الذي تقوده كنعان منذ تخرجها بدرجة الماجستير في الفنون التشكيلية من جامعة اليرموك؛ فبعد معرضها الأول «بستان حواء» الذي رصدت فيه رمزية جسد المرأة والخصوبة، ومعرضها الثاني «القناع الداخلي» الذي فككت فيه التناقضات الإنسانية، تلتفت في محطتها الجديدة نحو «الزمن» نفسه.
 
تتخذ الفنانة من «الشمسية» (المظلة) عنصرًا بصريًا موحدًا يرتقي من استخدامه اليومي العابر إلى رمز مفاهيمي مكثف. تجسّد المظلة هنا التماس الحرج بين الحماية المؤقتة والعجز أمام الواقع، لتتحول إلى ملاذات صغيرة تحتضن الخيبات، الندم، والفرص الفائتة.
 
مستويات الرؤية: الغفران، الفرص، والوطن:
 
تقسم التشكيلية دانا كنعان أطروحتها البصرية إلى مستويات متداخلة تشرك فيها المتلقي: شمسية الذات الحميمة والتي تتجلى في أعمال المعرض لغة جسدية صريحة؛ حيث يحضر شخصان باللون الأسود الكثيف أمام خلفية نارية مشتعلة بالأصفر والأحمر، مجسدة الاحتراق الداخلي. وتستخدم الفنانة هنا تقنية الكولاج من خلال دمج قصاصات صحفية تستدعي الذاكرة المكتوبة والتوثيق، لتدع الوجوه مغلفة بالقناع الأسود الذي يقترب من النحت، مانحةً اللوحة طابعًا كونيًا يتجاوز السيرة الشخصية. وفي مستوى شمسية الفرصة والقرار الشخصي تبتكر الفنانة مفردة بصرية عبر توظيف قطع البازل النافرة المتناثرة حول مظلة زمردية. يبني التضاد اللوني بين الأزرق والأصفر توترًا بين الشك والتفاؤل، وتتحول قطع الأحجية إلى استعارة مادية ملموسة للفرص المعلقة في الفراغ التي عجزنا عن التقاطها. أما على مستوى شمسية الانتماء الجماعي فيتسع الأفق نحو القضية الفلسطينية؛ لتعيد استحضار رمزية الأرض من خلال قبة المظلة الحمراء التي تحاكي شق ثمرة البطيخ المشرعة كالجرح. تنزف القبة خطوطًا حمراء دقيقة عبر مساحة من الأخضر الحاد، ويتوسطها مخطط خارطة فلسطين تتشبث به أوراق خضراء، بينما يحلّق في الأعلى طائر أبيض يمثل أيقونة الأمل الملّعق بين الفقد والرجاء.
 
تطور الأداة والجرأة المفاهيمية:
 
يكشف معرض «شمسيّات الاحتمالات» عن نضج لافت في أدوات كنعان التقنية؛ إذ تخلت عن التوليفات التقليدية لصالح مادية أكثر جسارة، تراوحت بين الكولاج، العناصر النافرة، والتدفقات اللونية السائلة، كاستجابة عضوية لطبيعة كل لوحة وسؤالها. لتؤكد التشكيلية دانا كنعان عبر هذا المعرض فلسفتها بأن الفن حوار مفتوح وليس حكمًا نهائيًا؛ فالمعرض لا يغلق على أسئلته بقدر ما يتركها معلقة، متميزًا بجرأته في دمج السياسي والجماعي بالحميمي والفردي، ليكون بمثابة مرآة جماعية تضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع احتمالاته المؤجلة.