عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Jul-2026

حول الإدارة المحلية والدور المتقدم للبلديات*د. ابراهيم بدران

 الغد

عادت الحرب الأميركية الإيرانية من جديد لتزعزع استقرار وأمن واقتصادات المنطقة بكاملها وتعرقل نموها، وفي نفس الوقت تعطي غطاء لا أخلاقياً ولا إنسانياً لحكومة الاحتلال للإمعان في حرب الإبادة البطيئة في غزة أو ما يمكن تسميته، كما ذكر أحد المؤرخين، «غزاكوست» الذي هو أشد بشاعة من الهولوكوست والسيطرة على الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية.
 
 
ومع هذا، فإن مسيرة الإصلاح لدينا يجب أن تستمر، ومنها إصلاح الإدارة المحلية. إذ وافق مجلس الوزراء مؤخراً على الأسباب الموجبة لتعديل قانون الإدارة العامة لسنة 2021 وحولت الحكومة مسودة مشروع القانون الجديد إلى مجلس الأمة لإقراره حسب الأصول. وقد تم إدراج مشروع القانون كواحد من القوانين التي ستُقر خلال الدورة الاستثنائية لمجلس النواب.
وحقيقة الأمر، أن تعديلات عديدة دخلت خلال السنوات الماضية على قانون الإدارة المحلية بهدف الضبط الإداري وتحسين الأداء وتعزيز الإمكانات التنموية في المحافظات والبلديات، إضافة إلى تحسين الخدمات. ومع أهمية كل ذلك، إلاّ أن الدور العملي للبلديات في التنمية الاقتصادية الاجتماعية وفي التطوير الحضري للمدن والبلدات المختلفة في المحافظات لا يزال متواضعاً بدرجة ملحوظة. من جانب آخر، فإن مجالس المحافظات لم تتمكن من الدفع باتجاه أكثر عمقاً وأعلى سرعة في مسألة اللامركزية. ومن هنا بقيت معظم المحافظات والبلديات الأردنية، رغم الجهود المبذولة، غير قادرة على إحداث نقلات نوعية في حياة المواطن سواء في الجانب الاقتصادي او الاجتماعي او الثقافي أو البيئي، وتغلب الوضع التقليدي المتمثل في الإدارة اليومية البسيطة، من تراخيص طرق والخدمات الاعتيادية الأخرى على أهميتها، على حصيلة الأداء في معظم المحافظات والمدن والبلدات. وإذا استثنينا محافظات العاصمة والزرقاء وإربد، فإن تواضع إنجازات البلديات ومجالس المحافظات أدى، بالإضافة إلى عوامل أخرى، لضعف جاذبيتها للأعمال والمشاريع، وبالتالي لأن تكون معدلات البطالة في المحافظات الأخرى مرتفعة عن المعدل العام. هذا إضافة إلى الهجرة من الريف إلى المدينة. ففي محافظة المفرق، وصلت البطالة إلى 28.6 % وفي معان 33.9 %. أما البطالة بين النساء على المستوى الوطني فهي مرتفعة وتصل إلى 32.7 %، وبين المتعلمين مرتفعة أيضاً وتصل إلى 60 % لمن اجتاز المرحلة الثانوية أو أعلى.
وهنا، لا بد من التأكيد على مجموعة من المسائل على النحو التالي: 
أولاً: إن تعديلات القوانين لا ينبغي أن يكون التركيز فيها على البنية الإدارية وآلية العمل من منظور بيروقراطي (مع الاحترام) فقط، دون التركيز على التواؤم والتناغم بين الموضوع الإداري من جهة، وبين تحقيق الأهداف الاقتصادية الاجتماعية للبلدة في إطار التحّولات المستقبلية العامة من جهة أخرى.
 إذ إن بعض التعديلات تكون مجرد تجميع أو تفكيك دون التركيز على تحسين آليات الأداء للوصول إلى الأهداف الأساسية الكبرى المتمثلة في التنمية الاقتصادية الاجتماعية للسكان بالتشارك مع الأطراف ذات العلاقة.
 ثانياً: صحيح أن البلديات مسؤولة عن خدمات البنية التحتية، مثل الطرق والمياه والكهرباء والبيئة، سواء مباشرة أو من خلال مؤسسات وشركات تعمل لصالح البلديات، ولكن التطور السريع في التكنولوجيات وفي وسائط المعيشة وفي الضغوط الاجتماعية أضاف إلى البلديات مسؤوليات تنموية جديدة أصبحت في أهمية كل ما تقوم به من الخدمات الأخرى.
 ثالثاً: إن تحفيز النمو الاقتصادي للبلدة، واجتذاب المستثمرين للعمل في المناطق البلدية، والمساعدة في توليد فرص عمل من خلال المشاريع الجديدة كجزء أساسي من تخطيط المدينة أو البلدة أو حتى القرية، أصبحت، بالتعاون مع المؤسسات ذات العلاقة، من المهام الرئيسية أيضاً للبلديات.
 رابعاً: ضرورة توفير المناطق الخضراء وإقامة الحدائق العامة في مختلف المدن والبلدات لتقترب حصة الفرد من الرقم الصحي الذي وضعته منظمة الصحة العالمية وهو 9 أمتار مربعة من المناطق الخضراء لكل فرد من السكان. وهذا يستدعي تخصيص المساحات اللازمة وفي وقت مبكر عند التخطيط وإقرار تقسيم الأراضي وفق التنظيم المناسب، إضافة إلى ضرورة الاهتمام بترويج الإمكانات والقدرة التجارية والمزايا السياحية والمواقع الأثرية للمدينة أو البلدة.
خامساً: إعطاء الاهتمام لتصاميم المباني من حيث تواؤمها مع متطلبات التغيرات المناخية، والاقتصاد في استهلاك الطاقة من خلال التصاميم اللاتفاعلية، وتشجيع المباني الخضراء والمباني الذكية. هذا إضافة إلى الطابع الجمالي المعماري لشوارع وأحياء المدينة والبلدة الصغيرة حيث لا يزال الاهتمام بجماليات المدن والبلدات والقرى ضعيفا لدينا.
سادساً: إن ترويج الفنون المحلية والثقافة الخاصة بالبلدة او المدينة، إضافة إلى الثقافة الوطنية والثقافة العامة، والاهتمام بكل ما له علاقة بالجماليات التي يتوق لها السكان أو الزوار تقع في صلب مسؤوليات البلدية والإدارة المحلية. وعلى البلدية أن تعمل على تطوير الفنون المحلية والصناعات الشعبية الخاصة فيها لتصبح عالية الجدوى للعاملين فيها، وجاذبة للزوار والسياح من جهة ثانية، ومصدر متعة وترفيه ودخل للسكان في البلدة من جهة ثالثة.
 سابعاً: وتقع على البلديات مسؤولية تحفيز ودعم وتشجيع الرياديين المحليين من البلدة، سواء كانوا رياديين في الجانب الاقتصادي أو الثقافي او الفني او الرقمي أو العلمي أو التراثي وغيرها. ذلك أن مستقبل السياحة بشكل عام  يتجه نحو المدن والبلديات والقرى بعينها لما تضمه من تراث فني وثقافي وعلمي أو صناعي، إضافة إلى ما لديها من طبيعة جميلة. ثامناً: لأن البلدية هي التي تعرف التفاصيل المعيشية كافة للسكان أكثر من الإدارة الحكومية في العاصمة أو في المحافظة، فإن وضع «دليل سياحي» و «دليل أعمال» و «دليل بيئي» خاص بالبلدة أو المدينة بالتعاون مع الخبراء والمؤسسات الرسمية والأكاديمية والشركات الكبرى هو من مهام البلدية وليس الحكومة المركزية.
وأخيراً، فإن تعديل قوانين الإدارة المحلية باتجاه تجويد خدمة البلديات ومساهمتها في دفع النمو الاقتصادي الاجتماعي، وإعطاء وجه جمالي ثقافي بيئي متميز للبلدة هو الذي يتطلب الاهتمام الأكبر انطلاقاً من النظر إلى مدينة أو بلدة أو قرية المستقبل.هذا مع تأكيد أن بلدنا العزيز جميل وجاذب وغني، ولكن التقدم الاقتصادي للمواطنين وجماليات المدن والقرى من شأنها أن تزيده جمالاً وجاذبية.