الغد-عزيزة علي
تعود الروائية الفلسطينية سهاد عبد الهادي في روايتها "تمرد الرقم الصامت"، الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون". لتفتح نافذة سردية على عالم المرأة الفلسطينية بما يحمله من تعقيدات اجتماعية ونفسية.
وتأتي هذه الرواية، بوصفها امتداداً لاهتمام الكاتبة العميق بقضايا المرأة، وخصوصا صراعها بين القيود المفروضة عليها ورغبتها في تحقيق الذات والحرية.
تنسج عبد الهادي في الرواية عالماً إنسانياً تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الهم الجمعي، من خلال شخصية البطلة "أحلام" التي تمثل نموذجاً لامرأة شابة نشأت في بيئة محافظة، فواجهت منذ طفولتها منظومة من القيود الأسرية والاجتماعية.
ومع تطور الأحداث، تُقدم الشخصية على أسئلة الهوية والاستقلال، وتخوض رحلة داخلية وخارجية تتراوح بين الدراسة والعمل والعلاقات الإنسانية، في محاولة مستمرة لإعادة تعريف ذاتها خارج الأطر التقليدية.
الرواية لا تقتصر على البعد المحلي فحسب، بل تمتد لتشمل فضاءات أوسع عبر السفر والتجربة خارج فلسطين، ما يضيف إلى السرد أبعاداً ثقافية وإنسانية متعددة. كما تقدم معالجة حساسة لتأثير الماضي العائلي، وخاصة دور الأم والتجارب الموروثة، في تشكيل وعي البطلة وصراعاتها الداخلية.
وتُعد رواية "تمرد الرقم الصامت"، إضافة مهمة إلى الأدب الفلسطيني المعاصر، إذ تقدم نموذجاً لرحلة المرأة نحو الحرية والاستقلال، وسط صراعات عاطفية واجتماعية معقدة.
تبرز رواية "تمرد الرقم الصامت" في مجملها كعمل روائي يزاوج بين السرد الواقعي والتأمل النفسي، ليطرح أسئلة جوهرية حول الحرية والاختيار والمعنى الحقيقي للتمكين، مقدما صورة مركبة لرحلة امرأة تبحث عن ذاتها في عالم تتداخل فيه القيود الاجتماعية مع التطلعات الشخصية.
في هذه الرواية، تطرح عبد الهادي رؤية إنسانية ثرية لمعاناة المرأة الفلسطينية في مواجهة القيود الأسرية والاجتماعية، وتجربة البحث عن الحرية الشخصية والتمكين الذاتي.
تسرد الرواية حياة البطلة "أحلام"، وهي شابة فلسطينية نشأت في أسرة محافظة، حيث واجهت منذ طفولتها قيوداً صارمة على حياتها اليومية وخياراتها الشخصية، ولا سيما تحت رقابة والدتها التي عاشت مآسي وتجارب قاسية مرتبطة بالزواج المبكر.
وتبين الرواية كيف أدركت أحلام في سن مبكرة أن حياتها مرشحة لأن تُحاصر بمعايير الأسرة والمجتمع. ومع مرور الوقت، بدأت رحلة تحرر تدريجية، فوسّعت آفاقها خارج حدود البيت، وعبّرت عن ذاتها من خلال الكتابة، وقرأت واقعها الاجتماعي بعين نقدية، رغم الضغوط التي مارسها الوالدان لتوجيه مسارها المهني نحو التدريس، والحدّ من طموحها في مجال الصحافة.
التحقت أحلام بكلية المجتمع، حيث حصلت على مساحة أوسع من الحرية لملاحظة الظواهر الاجتماعية والتفاعل مع العالم الخارجي، إلا أن هذه المرحلة لم تكن سهلة عليها؛ إذ واجهت تحديات كبيرة في الموازنة بين استقلالها الجامعي ومتطلبات الأسرة، بما في ذلك تقديم تقارير دورية لوالدتها عن تفاصيل أنشطتها اليومية.
وخلال هذه الفترة، بدأت أحلام تدرك أثر مآسي الماضي في تشكيل الشخصية، ولاحظت كيف انعكست تجارب الأم وعمّاتها على سلوكيات أفراد الأسرة، ما رسّخ لديها شعوراً بالمسؤولية، ورغبة متزايدة في التمرد على التمييز بين الجنسين والقيود الاجتماعية. وتتعمق الرواية في تطور شخصية أحلام من خلال كتاباتها ونشرها مقالات في مجلة طلابية، إضافة إلى توطيد علاقتها بمشرفها ربيع، الذي أصبح محوراً لمشاعرها العاطفية. غير أن الحياة لا تخلو من المفاجآت القاسية، إذ أجبرتها إصابة والدتها بسكتة دماغية على ترك الدراسة والتفرغ لرعايتها، في ظل غياب الدعم الكافي من إخوتها وازدواجية العلاقات الأسرية، ولا سيما مع شقيقتها وئام، التي كانت مدللة وتضع راحتها الشخصية في المقام الأول.
رغم هذه التحديات، واصلت أحلام بحثها عن مخرج لمستقبلها، فانخرطت في معهد للتجميل، حيث وجدت بيئة داعمة مليئة بالنساء صاحبات الخبرات المتنوعة، مثل هالة وسماح ووديعـة، اللواتي شكّلن مصدر إلهام لها في تحقيق استقلالها المهني والاعتماد على الذات.
وفي الوقت ذاته، واجهت أحلام صراعاً داخلياً مع مشاعرها تجاه ربيع وإحسان وماجد، وهو شاب غامض ظهر في حياتها خلال تنقلاتها بين رام الله وباريس وروما والبندقية، لتكشف الرواية بذلك، عن توترها النفسي بين حماية قلبها من خيبات الماضي والانفتاح على تجربة حب جديدة.
وتغوص الرواية في تجارب أحلام خارج فلسطين، حيث تمنحها الرحلات فرصة لمواجهة تحديات اجتماعية وعاطفية، والتعرف إلى ثقافات مختلفة، مع الحفاظ على ارتباطها العميق بهويتها الفلسطينية. كما تعكس التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البطلة، بين رعاية والدتها المريضة، والتعامل مع اختلافات إخوتها في تحمل المسؤوليات، والسعي إلى إعادة بناء هويتها الشخصية والمهنية، وصياغة مستقبلها من جديد.
تُظهر الرواية بوضوح كيف شكّلت الصداقة مع نساء مخلصات، مثل وديعة، عاملاً حاسماً في دعم أحلام لاستعادة ثقتها بنفسها، وتنمية مهاراتها، والتعامل مع قيود المجتمع الفلسطيني الذي يفرض حدوداً على النساء، في مجالات العمر والعمل والزواج.
وفي ختام الرواية، تدرك أحلام أن القوة الشخصية تنبع من مواجهة الواقع بشجاعة، واستعادة الهوية، وتحقيق التوازن بين الحب والعمل والحرية، وأن السعادة لا تنحصر في الزواج أو العلاقات العاطفية، بل تتجلى في وعي الذات، وتنمية المواهب، والقدرة على الاختيار.
وتجدر الإشارة، إلى أن الروائية سهاد عبد الهادي وُلدت في نابلس، وحصلت على شهادة "الليسانس" في الفلسفة وعلم النفس من جامعة دمشق. نشرت مقالاتها في جريدة "الجهاد"، التي أصبحت لاحقاً جريدة "القدس" بعد حرب 1967.
توقفت عن الكتابة لفترة، ثم عادت إلى المشهد الأدبي خلال الاجتياح الإسرائيلي لنابلس العام 2002، حيث كتبت رواية "ذاكرة زيتونة"، وتلتها أعمال مثل "مرايا أنثى" و"دليل أديبات من فلسطين"، لتأتي رواية "تمرد الرقم الصامت" استمرارا لمسيرتها الأدبية الطويلة واهتمامها بقضايا المرأة الفلسطينية وتجربة الحياة اليومية في ظل القيود الاجتماعية والسياسية.