عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Sep-2026

من ستارمر إلى بيرنهام.. بريطانيا تعيد رسم سياستها الخارجية

 الغد

 جون رينتول* - (الإندبندنت) 2026/9/13
تعرض كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني السابق، لانتقادات بسبب كثرة وجوده خارج البلاد، لكنه ترك لخليفته ملامح دور بريطاني جديد في العالم، يقوم على حشد دول غربية بعيداً من القيادة الأميركية، خصوصاً في ملفي أوكرانيا وإسرائيل.
 
 
ويواصل آندي بيرنهام هذا النهج، دافعاً السياسة الخارجية البريطانية نحو قدر أكبر من الاستقلال عن واشنطن، ولا سيما حيال إسرائيل وفلسطين، مستنداً إلى تنسيق متزايد مع فرنسا وكندا ودول غربية أخرى. ويختبر حظر تجارة المستوطنات قدرة لندن على تحويل هذا الاستقلال إلى نفوذ فعلي، وسط تحذيرات من أن الرد الإسرائيلي قد يخدم بنيامين نتنياهو أكثر مما يدفع حكومته إلى تغيير نهجها.
***
خلال جلسة مساءلة رئيس الوزراء في مجلس العموم الأربعاء الماضي، سخرت زعيمة حزب المحافظين البريطاني، كيمي بادينوك، من رئيس الوزراء الجديد، آندي بيرنهام، واصفة إياه بأنه "امتداد لكير". وكانت تقصد بذلك انتقاده على أساس أن رئيس الوزراء الجديد لا يقل عن سلفه عناداً في رفض التعهد بتخصيص ثلاثة في المائة من الدخل القومي للإنفاق الدفاعي بحلول العام 2030.
لكن هذا الوصف يصح من زاوية أخرى أخرى؛ فقد واصل بيرنهام سياسة كير ستارمر حيال إسرائيل وفلسطين، بل إنه مضى بها شوطاً أبعد، وهو فخور بذلك.
بعد أن تجنب الإجابة عن سؤال الإنفاق الدفاعي، راح رئيس الوزراء يتحدث عن فضائل "قيادته الأخلاقية" في الشرق الأوسط، مؤكداً أن بريطانيا "ستقف دائماً في وجه الظلم" و"ستنحاز دائماً إلى الطرف الأضعف".
لكن المسألة لا تقتصر على استعراض الفضيلة. وكان الجزء الأهم في بيان وزير الخارجية، إد ميليباند، بشأن حظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية هو سرد قائمة الدول التي تشارك بريطانيا موقفها.
عدّد ميليباند خمس دول حظرت هذه السلع -أو بدأت إجراءات لحظرها- ثم ست دول أخرى تعتزم القيام بذلك. لكنه أعلن قبل ذلك أن فرنسا وكندا ستتحركان فوراً "إلى جانب" بريطانيا لحظر الواردات، مضيفاً: "هذا ما تستطيع بريطانيا تحقيقه حين تقود إلى جانب الآخرين".
هذا هو الأسلوب الذي اتبعه ستارمر في القيادة: أن يكون في قلب المجموعة، ينسق بين أعضائها ويجمعهم حول موقف مشترك. وهو نهج ينسجم مع نقاط قوة وزارة الخارجية التي تعتز بقدرتها على الإقناع وبناء التوافق، في امتداد لتقاليد الدبلوماسية البريطانية التي تبلورت بعد انتهاء عصر الإمبراطورية.
يقول بن جودا، الذي عمل مستشاراً خاصاً لديفيد لامي، أول وزير للخارجية في عهد ستارمر: "تولت المملكة المتحدة، إلى جانب فرنسا، زمام المبادرة في بناء ائتلافات غربية فاعلة لا تقودها الولايات المتحدة".
في الواقع، بدأ هذا النهج في عهد بوريس جونسون الذي وقف إلى جانب الشعب الأوكراني عندما تخلى دونالد ترامب عن التفاهمات القديمة التي قام عليها "حلف شمال الأطلسي". لكن ستارمر عززه، فعمل على حشد الدول المنضوية في "تحالف الراغبين". ثم وسَّع هذا النهج ليشمل إسرائيل وفلسطين، واضعاً بريطانيا في قلب مجموعة من الدول التي خرجت عن الموقف الأميركي واتخذت سلسلة من الإجراءات الرمزية إلى حد بعيد للتعبير عن رفضها سياسات الحكومة الإسرائيلية.
في عهد ستارمر، فرضت الحكومة البريطانية عقوبات على وزراء إسرائيليين متطرفين واعترفت بفلسطين دولة. ويرى جودا أن حظر الواردات الذي أعلنه ميليباند يمثل "تعميقاً للتحول في السياسة الخارجية البريطانية بعيداً من القيادة الأميركية". وبذلك يكون ستارمر، الذي تعرض لانتقادات بسبب قضائه وقتاً طويلاً خارج البلاد، وضع أسس سياسة خارجية جديدة ومتماسكة، وربما تحظى بشعبية أيضاً، ليتولى بيرنهام مواصلتها فيما يركز هو بدرجة أكبر على القضايا الداخلية.
ولا يقتصر اتخاذ موقف أكثر انتقاداً للحكومة الإسرائيلية على محاولة استرضاء القاعدة الناشطة في حزب العمال. ويبدد تنسيق حكومة بيرنهام تحركها مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني فكرة أن زعيم "حزب الخضر"، زاك بولانسكي، الذي يخوض الانتخابات الفرعية في دائرة هولبورن وسانت بانكراس على برنامج مؤيد للفلسطينيين، هو من يملي السياسة الخارجية البريطانية.
يتجاوز التأييد للقضية الفلسطينية تلك الدائرة بكثير. وليس مستغرباً أن تسعى حكومة في بلد ديمقراطي إلى اتخاذ مواقف تحظى بتأييد شعبي، ولا سيما عندما تكون تصرفات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية مدعاة إلى هذا القدر من الإدانة.
لكن جانباً كبيراً من هذه السياسة يظل نوعاً من استعراض الفضيلة. كما أن اتخاذ دول أخرى الموقف نفسه استجابة للضغوط الشعبية ذاتها لا يعني أن إدانتها الجماعية ستدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تغيير نهجها.
يوم الثلاثاء الماضي حذر وزير الخارجية الجديد في حكومة الظل، توم توغندهات، من أن العقوبات على المستوطنات، على محدوديتها، قوبلت برد فعل حاد من الحكومة الإسرائيلية التي تؤجج المشاعر المعادية لبريطانيا بما لا يخدم سوى بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة الشهر المقبل.
لكن بيرنهام قد يكون أقدر على تقدير ما يمكن أن ينجح انتخابياً داخل بريطانيا.
 
*جون رنتول John Rentoul: صحفي ومعلّق سياسي بريطاني، وهو كبير المعلّقين السياسيين في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية منذ سنوات. سبق له أن عمل في مؤسسات إعلامية بارزة مثل "ذا نيو سيتسمان" و"هيئة الإذاعة البريطانية" (بي. بي. سي). وهو أستاذ زائر في "كينغز كوليدج لندن" ومؤلف سيرة لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. وله عدد من الكتب في السياسة البريطانية.