عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Oct-2026

إعادة حقوق الإنسان إلى قلب العدالة العالمية

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريستيان أولاف كريستيانسن* - (أوبن غلوبال رايتس) 9/10/2026 
في حزيران (يونيو) 2026، قام الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي وزملاؤه في "مختبر اللامساواة العالمية" بنشر "تقرير العدالة العالمية". ويرسم التقرير خريطة طريق مؤسسية مفصّلة لتحقيق عالم أكثر مساواة وعدلًا واستدامةً بيئية بحلول العام 2100. ووفق هذه الخريطة، سيشهد ذلك العالم انخفاضًا كبيرًا في أوجه التفاوت في الدخل والثروة داخل البلدان وفيما بينها، وإعادة توجيه الاقتصاد العالمي نحو التعليم والرعاية الصحية والثقافة، فضلًا عن تقليص ساعات العمل والبصمة المادية للبشرية.
 
 
من اللافت أن التقرير لا يذكر حقوق الإنسان إلا مرة واحدة؛ وهو إغفال شبه تام يثير كثيرًا من الاستغراب بالنظر إلى كتابات بيكيتي المطوّلة عن الحقوق الاجتماعية، وإلى تركيز التقرير على العدالة العالمية وإتاحة وصول واسع النطاق إلى السلع والخدمات الاجتماعية الأساسية. وتَرد الإشارة الوحيدة إلى حقوق الإنسان في سياق مناقشة "صندوق العدالة العالمية"، الذي يقترح المؤلفون إنشاءه ليكون وسيلةً لتعزيز التكافؤ في الدخل بين البلدان. ويشددون على ضرورة أن يشترط الصندوق على الجهات المستفيدة أن تجعل "العدالة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، وكذلك... حماية حقوق الإنسان عمومًا"، محورًا لعملها.
لا يطرح التقرير حقوق الإنسان بوصفها جزءًا من الأساس الذي يستند إليه لتبرير إنشاء نظام عالمي لإعادة التوزيع. كما لا يستحضرها لتفسير أسباب اللجوء إلى التدابير السياسية في خدمة العدالة الإصلاحية. ويغفل أيضًا الصلة بين التفاوت الشديد وعدم الإعمال الكامل للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المعترف بها دوليًا في البلدان التي غالبًا ما يكون أداء حكوماتها أدنى بكثير مما تسمح به الموارد الوطنية المتاحة. وهذه كلها فرص جوهرية ضائعة.
حقوق الإنسان واللامساواة والنيوليبرالية
مع ذلك، ليست محدودية حضور حقوق الإنسان في "تقرير العدالة العالمية" سابقة فريدة من نوعها، ولا تثير الاستغراب الكامل. على مدى عقود، ركّز نشاط حقوق الإنسان وتنظيماته على الحقوق السياسية والمدنية أكثر مما ركز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية -وهي الحقوق الأكثر تأثيرًا بصورة مباشرة في التفاوت المادي. وجادل باحثون، مثل صموئيل موين وجيسيكا وايت، بأن خطاب حقوق الإنسان ظل عاجزًا إلى حد كبير عن مقاومة تصاعد أوجه اللامساواة داخل البلدان منذ سبعينيات القرن الماضي. ويصف موين حقوق الإنسان بأنها "رفيق عاجز" للنيوليبرالية التي ظهرت في سبعينيات القرن العشرين وللتفاوت المتزايد. وتذهب وايت أبعد من ذلك لتصف حقوق الإنسان بأنها "رفيقة درب" للاقتصاد النيوليبرالي. ووفقًا لوايت، عمد النيوليبراليون إلى توظيف خطاب حقوق الإنسان والاستحواذ عليه بصورة نشطة بغية إضفاء الشرعية على نظام السوق العالمي وحقوق الملكية الخاصة.
حقوق الإنسان ليست بلا صلة باللامساواة
لكن حقوق الإنسان تتناول فعليًا مسألة التفاوت المادي. وتقرّ المنظمات غير الحكومية، والخبراء المستقلون التابعون للأمم المتحدة، والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، على نطاق واسع، بأن اللامساواة هي مشكلة تتعلق بحقوق الإنسان. وهي أيضًا محور بارز لاهتمام الهيئات المنشأة بموجب معاهدات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، وآلية الاستعراض الدوري الشامل. وكما يشير إغناسيو سايز، فإن "المعايير الدولية لحقوق الإنسان تنطبق على استخدام الحكومات للسياسة المالية بالقدر نفسه الذي تنطبق به على استخدامها للقوة".
ترتبط حقوق الإنسان ارتباطًا وثيقًا بالنضالات من أجل الصحة والعدالة الاجتماعية. ويتصور باحثون قيام "اقتصاد قائم على حقوق الإنسان" يضع هذه الحقوق فوق أرباح الشركات، ويعيد التفكير في الاقتصاد انطلاقًا من شواغل حقوق الإنسان، وينتقد تراكم الثروات المفرط في أيدي القلة، ويدعو إلى العدالة المالية، ويواجه السياسات الاقتصادية التي انتهجها "صندوق النقد الدولي" بعد جائحة (كوفيد-19)، ويعود إلى الالتزامات الأشد رسوخًا بحقوق الإنسان التي سادت في عقود سابقة. وفي الآونة الأخيرة، اقترح فلاسفة يتبنون مذهب "الحَدّية" Limitarianism وضع خط فاصل للمراكمة المفرطة للثروة للحيلولة دون إلحاق الضرر بـ"الديمقراطية، والإعلام، وسيادة القانون، والاقتصاد، والتماسك الاجتماعي، والمساواة والبيئة"، فضلًا عن المؤسسات التي تضمن حماية حقوق الإنسان.
إعادة وصل العدالة العالمية بحقوق الإنسان
في كتابي المعنون "في الدفاع عن حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية" In Defense of Economic and Social Human Rights، أصف انخراط المدافعين عن حقوق الإنسان بعمق في قضايا التفاوت المادي والعدالة الاجتماعية. وحتى لو صحّ القول بأن حقوق الإنسان واللامساواة قد "تصاعدتا" بالتزامن منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن اللوم لا يقع على حقوق الإنسان. فقد أخفقت النقابات العمالية، والأيديولوجيات الاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية -وقوى أخرى أيضًا- في وقف تصاعد التفاوتات. وفوق ذلك، كانت ستينيات القرن العشرين من منظور المعايير القانونية، بما في ذلك إقرار العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حقبةً أكثر تحوّلًا في مجال حقوق الإنسان من الفترة الممتدة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.
يدرك كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان أن تحقيق قدر من العدالة في إعادة التوزيع ضروري لإعمال حقوق الإنسان وحمايتها إعمالًا كاملًا. ونادرًا ما يحددون "سقوفًا" معينة للثروة، على غرار ما يطرحه مذهب الحَدّية المعاصر. لكن هذا لا يعني أنهم لا يلتفتون إلى الثروة، أو أنهم لا يهتمون إلا بضمان الوصول إلى ما يلزم للبقاء على قيد الحياة. إنهم يدركون بوعي نقدي التناقضات الصارخة بين ثروات القِلة وحقوق الإنسان غير المتحققة للأغلبية، ويقرّون بأن أي برنامج واقعي لإعمال حقوق الإنسان لا يمكن تنفيذه إلا من خلال إعادة التوزيع.
في دفاعهم عن أهمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، طوّر المدافعون عن حقوق الإنسان طيفًا واسعًا من الحجج. وتتمحور هذه الحجج حول كرامة الإنسان، والديمقراطية، والحق في نصيب من التقدم العام للمجتمع، وتصحيح الظلم الاعتباطي -مثل أن يولد المرء في فقر مدقع- من خلال الإعمال الفعلي لحقوق الإنسان -فضلًا عن دور حقوق الإنسان في إرساء السلام.
حقوق الإنسان كركيزة معيارية والتزام قانوني
يمكن لحقوق الإنسان أن تعزز جهود المناصرة بطريقتين. أولًا، ترسِّخ الحجج التي تشرح أهمية الحقوق معايير تحظى بقبول واسع، وتعزز الشرعية المتصوَّرة للمطالب الداعية إلى تحقيق العدالة العالمية. ثانيًا، تشكل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الإنسان التزامات قانونية تقع على عاتق الدول. وتسهم هذه الحقيقة في إرساء أرضية عملية للتحرك، وينبغي عدم تجاهلها.
يمكن استكمال السياسات الواردة في تقرير "العدالة العالمية" بالتذكير بأن الدول ملزمة قانونًا بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعزيزها، وبأن آليات الرصد والمساءلة اللازمة لذلك قائمة مسبقًا. وليس ثمة ما يدعو إلى تكرار أخطاء الماضي بإهدار الفرص المتاحة لربط العدالة العالمية بحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية.
*كريستيان أولاف كريستيانسن Christian Olaf Christiansen: مؤرخ دنماركي وأستاذ في تاريخ الأفكار بجامعة آرهوس في الدنمارك، تتناول أبحاثه تاريخ الفكر الاقتصادي والاجتماعي، واللامساواة العالمية، وحقوق الإنسان، والفقر، ودور الشركات في المجتمع. يدرس في أعماله تطور الأفكار والسياسات الرامية إلى الحد من التفاوت الاقتصادي بين الدول والأفراد، وعلاقة هذه الأفكار بالمؤسسات الدولية والأمم المتحدة والتحولات في الاقتصاد السياسي العالمي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Bringing human rights back into global justice