عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Oct-2026

ضدّ "إسرائيل الحصن"

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
سكوت ريمر* - (كاونتربنش) 15/10/2026
 
لماذا تمثّل يهودية الشتات المسار الأكثر أمانًا للمضي قدمًا بالنسبة لليهود في أنحاء العالم؟
يعيش اليهود في الشتات منذ العام 70 للميلاد، أي منذ نحو ألفي عام. ولم تقم دولة إسرائيل إلا في العام 1948 للميلاد، أي منذ ثمانية وسبعين عامًا فحسب. وحتى إذا أضفنا إلى ذلك الفترة التوراتية التي امتدت نحو 550 عامًا وحكَم اليهود خلالها ممالك في أرض إسرائيل، فإن تجربة العيش في الشتات تظل أكثر شيوعًا بكثير بالنسبة لأي يهودي على امتداد التاريخ من تجربة العيش في دولة سياسية يهودية ذات سيادة.
 
 
ومهما صعُب علينا تصديق ذلك في الوقت الراهن؛ في عصر تساوي فيه الحكومة الفيدرالية الأميركية وحكومات أوروبية عديدة بين مناهضة الصهيونية ومعاداة السامية، فإن الصهيونية ظلت موقفًا تتبناه أقلية من اليهود حتى أربعينيات القرن العشرين. وكما توضح الناشطة والكاتبة مولي كرابابل Molly Crabapple في كتابها الممتاز "هنا، حيث نعيش، هو وطننا" Here Where We Live Is Our Country، دافع أعضاء جماعات يهودية في أوروبا الشرقية -وفي مقدمتها "الرابطة العامة للعمّال اليهود"، عن مفهوم "دويكايت" doykeit، أي "الوجود هنا"، واختاروا النضال من أجل الحقوق الثقافية لليهود والاشتراكية في أوروبا جنبًا إلى جنب مع غير اليهود بدلًا من الهجرة إلى خارجها. وفي المقابل، عارض اليهود الأرثوذكس بشدة المحاولات العلمانية لإعادة توطين اليهود في الأرض المقدسة، وتمسّكوا بـ"القَسَمات الثلاثة" الواردة في "الرسالة 111أ" من الباب المعنون "كتوبوت" في التلمود، وهي: "ألا يصعد اليهود إلى أرض إسرائيل كالسور، (أي بأعداد جماعية، وإن كان يجوز للأفراد الهجرة إليها كما يشاؤون)؛ و"أن القدوس، تبارك اسمه، استحلف اليهود ألّا يثوروا على حكم أمم العالم"؛ و"أن القدوس، تبارك اسمه، استحلف أمم العالم ألّا يُخضعوا اليهود إخضاعًا مفرطًا". وينصّ التلمود على أن مجيء المسيح المنتظر هو الذي سيعيد اليهود إلى إسرائيل.
كان ما غيّر قناعات كثير من يهود الشتات بشأن الصهيونية ومدى استحسان إقامة دولة يهودية في إسرائيل هو المحرقة النازية (الهولوكوست) ومقتل ستة ملايين يهودي، أعقبه استمرار المذابح الجماعية المعادية لليهود والتفشي العنيف لمعاداة السامية في أوروبا الوسطى والشرقية، حتى بعد هزيمة النازيين. وقد نُقض "القَسَم الثالث" الوارد في التلمود الذي ينص على "ألا تُخضِع أمم العالم اليهود إخضاعًا مفرطًا". وفي ضوء الفظائع التي شهدتها المحرقة، كان التطلع إلى امتلاك وطن قومي لليهود يشكّل ملاذًا آمنًا أمرًا مفهومًا تمامًا. ولو كانت إسرائيل خالية من السكان؛ أرضًا بيضاء tabula rasa جاهزة للاستيطان، لسارت الأمور في مسار واضح ومباشر. لكنَّ فلسطين كانت مأهولة بالفعل، ولم يكن الفلسطينيون يريدون دولة يهودية إثنية قومية تُقام على أرضهم. ومن الواضح أن أحبار التلمود لم يستحضروا التاريخ المعقد والدامي لفلسطين/إسرائيل في القرنين العشرين والحادي والعشرين عندما ناقشوا تحريم العودة إلى إسرائيل "كالسور". ولكن، بالنظر إلى إراقة الدماء والتهجير الجماعي للفلسطينيين اللذين تسببت فيهما حرب العام 1948، وإلى انزلاق إسرائيل الراهن نحو الإبادة الجماعية، وحملات القصف في لبنان، والتحريض على الحرب الأميركية مع إيران، يبدو تشكيك الأحبار في الخلاص السياسي وكأنه كان استشرافًا لما سيأتي.
في حين شهدت نزعة التفوق اليهودي اليمينية المتطرفة في إسرائيل مزيدًا من التطرف والتصاعد خلال العقود القليلة الماضية، مع تنفيذ إبادة جماعية في غزة أودت بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني، وتركت ملايين الأشخاص بلا مأوى وفي حالة من العوز، فإن كل ذلك كان يتبلور منذ زمن طويل. بعد ثلاث سنوات فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجّه عدد من الشخصيات اليهودية البارزة من بينهم حنّة آرنت وألبرت أينشتاين، رسالة إلى هيئة تحرير صحيفة "نيويورك تايمز" نُشرت في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1948، قالوا فيها إنه "من بين أكثر الظواهر السياسية إثارة للقلق في عصرنا نشوءُ حزب ’الحرية‘ (تْنُوعات هَحيروت) في دولة إسرائيل المنشأة حديثًا -وهو حزب سياسي يشبه إلى حد بعيد الأحزاب النازية والفاشية من حيث التنظيم والأساليب والفلسفة السياسية والجاذبية الاجتماعية". وأشاروا إلى أن قادة الحزب "روّجوا داخل المجتمع اليهودي لمزيج من القومية المتطرفة والتصوف الديني والتفوق العرقي". كما ندّدوا بالمجزرة التي ارتكبتها ميليشيا مناحيم بيغن في دير ياسين يوم 9 نيسان (أبريل) 1948، حيث قُتل مئات المدنيين الفلسطينيين، وأشاروا إلى أن حزب بيغن مارس "الإرهاب ضد اليهود والعرب والبريطانيين على حد سواء".
وفي ذلك الحين، مضى بيغن في شن حملة طويلة لتغيير مركز الثقل في الخطاب السياسي الإسرائيلي، فخاض الانتخابات لمنصب رئيس الوزراء ثماني مرات قبل أن يُنتخب أخيرًا في محاولته التاسعة في العام 1977، ويؤسس "حزب الليكود". وكان بيغن يرى أن الضفة الغربية وقطاع غزة يشكّلان، رغم اكتظاظهما بالسكان الفلسطينيين الذين يسعون إلى تقرير مصيرهم وإقامة دولة خاصة بهم، جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل. وكما يفعل المستوطنون الإسرائيليون غير الشرعيين في الضفة الغربية اليوم، كان بيغن يُطلق دائمًا على الضفة الغربية تسمية "يهودا والسامرة". وخلال فترة حكمه، خضع الاقتصاد الإسرائيلي لعملية خصخصة واسعة النطاق، وتضاعَف عدد المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ثلاث مرات، واستُبعدت فكرة إقامة دولة فلسطينية رسميًا، كما غزت إسرائيل لبنان، ما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين.
ليس من الصعب الربط بين بيغن واللحظة الراهنة. في الواقع، ينتمي بنيامين نتنياهو إلى الحزب السياسي الذي أسسه بيغن، ويشترك معه في كثير من المواقف الاقتصادية والاستعداد لاستخدام العنف ضد الفلسطينيين. كما خفّض نتنياهو الإنفاق الاجتماعي لمصلحة الإنفاق العسكري الضخم، ورفض الجهود الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية، ودعم المستوطنات في الضفة الغربية، التي توسعت بصورة كبيرة في ظل حكومته بفضل استثمارات مالية كبيرة. كما قدمت حكومته دعمًا غير مباشر لـ"حماس" في السنوات التي سبقت السابع من تشرين الأول (أكتوبر) -بل إنها شجعت تدفق الأموال القطرية إلى هذه المنظمة التي يصنفها البعض إرهابية، في إطار استراتيجية هدفت إلى منع "السلطة الفلسطينية" من إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على أداء وظائفها.
وتباهى بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، بأن مخططات الاستيطان التي ستقسم الضفة الغربية إلى شطرين "ستدفن فكرة الدولة الفلسطينية"، كما دعا إلى إقامة مستوطنات في مساحات شاسعة من قطاع غزة المحتل أيضًا، داعيًا إلى "فتح القطاع وإخضاعه للغزو". ونشر إيتمار بن غفير، وزير الأمن الإسرائيلي المنتمي إلى اليمين المتطرف، خطة في الثالث من أيلول (سبتمبر) تدعو إلى الترحيل القسري وإبعاد مليوني فلسطيني من قطاع غزة جميعًا. وكما أوضحت صحيفة "الغارديان" البريطانية، يعمل بن غفير على إنشاء موقع لإعدام الأسرى الفلسطينيين مزوّد بمقصورات للمتفرجين، كما يجري العمل على إقامة خندق مائي تعيش فيه التماسيح حول سجن شديد الحراسة. ويبدو أنه يستمتع بقسوته؛ وقد نشر مؤخرًا مقطع فيديو مولّدًا بالذكاء الاصطناعي يُظهر أسرى فلسطينيين هزالى الأجساد يبكون. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن إسرائيل "منظّمة ومستعدة" لترحيل الفلسطينيين من غزة "بكل وسيلة ممكنة"، إذا أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لذلك. وفي الضفة الغربية، تمارس عصابات من المستوطنين المنفلتين الذين منحتهم السلطات شعورًا بالقوة والإفلات من العقاب، المضايقات والاعتداءات، بل تقتل الفلسطينيين أحيانًا، من دون أن تواجه مساءلة تُذكر؛ وقد بلغ الأمر حدًّا جعل حتى جنرالات سابقين في الجيش الإسرائيلي يرون في "الإرهاب اليهودي" تهديدًا وجوديًا لدولة إسرائيل.
كتب الناشط من أجل السلام والباحث ديفيد شولمان David Shulman بإسهاب وبلاغة عن هذه المخاطر في دراساته ومقالاته. وخلص تقرير شديد الإدانة أصدرته "منظمة العفو الدولية" مؤخرًا بشأن الأوضاع في الضفة الغربية إلى أن "المستوطنين الإسرائيليين المدفوعين بدوافع أيديولوجية أرهبوا التجمعات السكانية الفلسطينية من خلال شن غارات متكررة على منازلها وقراها، والاعتداء بالضرب على سكانها، وتوجيه تهديدات بالقتل تطالبهم بالرحيل، ومضايقتهم باستمرار، وتدمير ممتلكاتهم والبنية التحتية لقراهم، وقطع إمدادات المياه والكهرباء عنها، وسرقة مواشيهم ومقتنياتهم. وقد أدت هذه الممارسات، بصورة متعمدة، إلى تفاقم بيئة قسرية قائمة مُسبقًا تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا وتجريدهم من ممتلكاتهم، وهو ما يتجلى في سياسات الدولة المتمثلة في فرض قيود على الوصول والتنقل، وهدم المنازل، وتوسيع المستوطنات. ووجد الفلسطينيون الذين حاولوا العودة قراهم مطوّقة بالأسوار أو مدمّرة، أو تعرضوا مجددًا لهجمات المستوطنين ومضايقاتهم وترهيبهم، ما اضطرهم إلى الفرار مرة أخرى".
وفي تحدٍّ صارخ لتعاليم يهودية توارثتها الأجيال على مدى آلاف السنين، والتي تساوي بين كل حياة بشرية وكون بأكمله، وتعلّمنا أن جميع البشر مخلوقون على صورة الله b’tzelem Elohim، وفقًا لما يرد في "الرسالة 37أ" من الباب المعنون "سنهدرين" في التلمود، صرّح مستوطن في الضفة الغربية لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بكل اعتزاز بأنه يعتقد أن حياة يهودي واحد تعادل حياة عشرة ملايين فلسطيني. وفي الوقت نفسه، تعرّض صحفيون فلسطينيون حاولوا نقل ما يجري في غزة والضفة الغربية، بحسب تقارير، للتعذيب داخل السجون، بما في ذلك الضرب والاغتصاب، وفقًا لتقارير "لجنة حماية الصحفيين". وقد بلغت الأمور حدًّا جعل حتى الحكومة البريطانية، التي درجت تاريخيًا على إبداء قدر كبير من المجاملة والتحفظ في انتقاد إسرائيل، تدين أخيرًا ما وصفته بـ"التطهير العرقي" الجاري في الضفة الغربية.
***
تُعرّف إسرائيل نفسها بأنها "الدولة القومية للشعب اليهودي"، وتزعم أنها "تمثّل دولة إسرائيل ومواطنيها والشعب اليهودي على الساحة العالمية". وفي أعقاب مجزرة "شارلي إبدو" في العام 2015، أعلن بنيامين نتنياهو: "ذهبتُ إلى باريس، ليس بصفتي رئيس وزراء إسرائيل فحسب، وإنما أيضًا بصفتي ممثلًا للشعب اليهودي بأسره". وهذا يثير تساؤلًا حول المعنى الحقيقي للتمثيل. هناك حاليًا نحو 7.15 مليون يهودي إسرائيلي مقابل نحو 8.57 مليون يهودي يعيشون في الشتات. فهل يمكن قول أن دولة لا تضم سوى نحو 45 في المائة من الجماعة التي تدّعي تمثيلها تمثّل تلك الجماعة فعلًا؟
من الناحية السياسية، إذا كانت إسرائيل ترغب حقًا في تمثيل يهود العالم، فينبغي أن يُمنح كل يهودي على وجه الأرض حق التصويت في الانتخابات الإسرائيلية، وأن يحصل على الجنسية تلقائيًا من دون الاضطرار إلى الهجرة إلى إسرائيل (علياه). وأعتقد أنه يمكن القول بأمان أن مثل هذا الاحتمال لن يبعث السرور في نفس نتنياهو وأصدقائه من اليمين الإسرائيلي المتطرف. وإذا كان ثمة ما يمكن قوله في هذا الصدد، فهو أن الشتات -حتى في عصر وجود إسرائيل- قد يكون أكثر تمثيلًا لليهود، بما أن نحو 55 في المائة من يهود العالم يعيشون خارج إسرائيل. وما فعلته إسرائيل بالفلسطينيين -وما تزال تفعله بهم- لا يمثّلني بأي حال من الأحوال، كما أنه لا يمثّل 61 في المائة من اليهود الأميركيين الذين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، ولا 39 في المائة الذين يرون أنها ترتكب إبادة جماعية.
من الحجج التي كثيرًا ما يسمعها المرء من اليهود الأكثر تأييدًا لإسرائيل في الشتات أن إسرائيل تشكّل ملاذًا آمنًا، ومأوى، ووطنًا أخيرًا يلجأ إليه اليهود في أنحاء العالم. ولو وقعت محرقة أخرى في أي وقت لاستقبلت إسرائيل اليهود المضطهدين وحمتهم من معاداة السامية العنيفة. ومعاداة السامية مشكلة حقيقية آخذة في التفاقم؛ في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا تشهد النازية الجديدة صعودًا، بينما أصبح اليمين المتطرف يُظهر عداءه للسامية بجرأة متزايدة ومن دون مواربة. وأنا أتفهم الأسباب التي تجعل فكرة وجود مكان آمن يستطيع المرء فيه أن يعتز بهويته اليهودية من دون خوف من معاداة السامية شديدة الجاذبية، وخاصة لدى اليهود من الأجيال الأكبر سنًا الذين لا يربطون إسرائيل تلقائيًا -سواء أكان ذلك محقًا أم لا- بالقمع العنيف الذي يتعرض له الفلسطينيون.
لكنني أظن أن كثيرًا من يهود الشتات لن يشعروا عندما تحين لحظة الاختبار الحقيقية بأن إسرائيل اليوم وطنهم. فالواقع يختلف عن الصورة المثالية القديمة التي تجاوزها الزمن، والتي ترسخت لدى الأجيال الأكبر سنًا عن مجتمع تسوده المساواة وتنتشر فيه الكيبوتسات. إن إسرائيل اليوم هي مجتمع ذو طابع عسكري، تُفرض فيه الخدمة العسكرية الإلزامية، ولا يشكّل اليساريون فيه حاليًا سوى نسبة ضئيلة من السكان، بينما تقوم الحياة العادية على منظومة واسعة النطاق من الفصل العنصري في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويحكم إسرائيل اليوم زعيم سلطوي مستبد يصفه أنصاره بأنه ملك، ويحمل اسم عائلته معنى "عطاء الله"، بينما أقام حزبه السياسي علاقات مع أحزاب من اليمين المتطرف والنازية الجديدة مثل "حزب فوكس" الإسباني، ومع شخصيات معادية للسامية مثل فيكتور أوربان، وفلاديمير بوتين، ومارين لوبان، وخيرت فيلدرز.
لن يشعر يهود الشتات بالأمان بشكل خاص في بلد خلقت فيه الشرطة مناخًا من الخوف واسع الانتشار من خلال مداهمة نوادي الناشطين الشباب، والقمع العنيف للاحتجاجات المناهضة للحرب، والتهديد بترحيل المحتجين المناهضين للحرب إلى مناطق النزاع، وإنشاء قسم خاص لمراقبة الصحفيين، ناهيك عن الاعتداء على الصحفيين واحتجازهم.
ينتمي إيتمار بن غفير، المسؤول الحالي عن الأمن، إلى حزب يُسمّى "عوتسما يهوديت"، أي "القوة اليهودية"، وهو حزب يدعو إلى إنشاء هيئة وطنية للهجرة تتولى العمل على طرد أعداء الدولة من اليهود وغير اليهود على السواء. وتجسيدًا لهذا النهج المتشدد في التعامل مع حرية التعبير، دعا ميكي زوهار، وزير الثقافة الإسرائيلي، مؤخرًا إلى سحب الجنسية من مخرجَي فيلم نازا NAZA -وهو فيلم وثائقي حائز على جائزة أوسكار يتناول القتل الجماعي للمدنيين في غزة، عقابًا لهما على ما وصفه بـ"الخيانة للدولة". ومؤخرًا، هاجم ملثمون مكاتب صحيفة "هآرتس" اليسارية ومحطة البث التلفزيوني "القناة 12". بل إن ناشطين من اليمين المتطرف وجّهوا تهديدات بالقتل إلى صحفيين يُنظر إليهم على أنهم يساريون أكثر مما ينبغي.
بطبيعة الحال، ليس جميع الإسرائيليين مؤيدين للحكومة الحالية. ونأمل أن تُحدِث إسرائيل تحولًا جذريًا في مسارها السياسي والاجتماعي، وأن يحلّ السلام والعدالة الاجتماعية في نهاية المطاف للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. لكنّ هذه اللحظة تبدو، للأسف، بعيدة للغاية. وفي الحقيقة، ليست فكرة "إسرائيل الحصن" سوى سراب. وهي تبعث الطمأنينة في نفوس بعضهم، لكنها وهم لا أساس له. وإذا ساءت الأوضاع في العالم يومًا إلى حدّ اضطرار اليهود إلى البحث عن ملاذ لأن الحياة في الشتات أصبحت مستحيلة، فمن المستبعد أن يصمد أي ملاذ يلجؤون إليه طويلًا. وفي الأثناء، لا تفعل وضعية الانكفاء الدفاعي التي تفرضها عقلية الحصن هذه سوى أن تُنجب الوحوش، وتُبقي إسرائيل وفلسطين أسيرتين لحلقة مفرغة من العنف والانتقام يغذّي فيها أكثر العناصر تطرفًا وفاشيةً على الجانبين بعضهم بعضًا سعيًا إلى تحقيق مكاسب سياسية، كما يتضح من التحالف السياسي الفاسد بين نتنياهو و"حماس".
على مدى قرون طويلة، وفي ظل افتقارهم إلى القوة السياسية والقدرة العسكرية، طوّر اليهود قدرة استثنائية على العيش في الشتات. وقد منحت هذه التجربة الثقافة والفلسفة اليهوديتين خصالًا نادرة من بينها النزعة الكوزموبوليتية، والقدرة على اختراق أوهام القدرة المطلقة التي كثيرًا ما تقع الأنظمة التي تعتمد على القوة والبطش في أسرها بدلًا من الاعتماد على الروح، وفقًا لما يرد في سفر زكريا (4:6). وقد دأب اليهود تقليديًا على تقدير العلم والتحصيل الروحي وليس القوة البدنية والبراعة في استخدام الأسلحة النارية. وشجّع العيش في الشتات التبادل الثقافي والانفتاح والنزعة الأممية والليبرالية والتضامن. أما الدول القومية، فإنها تشجّع عمومًا التعصب القومي والنزعة الإثنية القومية وكراهية الأجانب. وحتى إسرائيل التي نشأت من رحم أهوال المحرقة النازية، وسكنها الناجون منها وذريّاتهم، ليست بمنأى عن هذه النزعات.
لم يكن الشتات فردوسًا؛ وقد دفع اليهود ثمنًا فادحًا لضعفهم السياسي. لكن امتلاك دولة قومية خاصة بالمرء ليس علاجًا شاملًا لمعاداة السامية. ولا يسع المرء إلا أن يأمل ألّا ينتهي الأمر بأن يكون ثمن وجود إسرائيل هو التضحية بروح اليهودية نفسها.
 
*سكوت ريمر Scott Remer: كاتب وباحث في الفلسفة والسياسة، تتناول كتاباته قضايا اليهودية والشتات والهوية القومية والليبرالية، والعلاقة بين القوة السياسية والقيم الأخلاقية. نُشرت مقالاته في عدد من المنابر الفكرية والصحفية البارزة. حصل على درجة الماجستير في الفكر السياسي والتاريخ الفكري من جامعة كامبريدج، مع تخصص في الفلسفة السياسية لمدرسة فرانكفورت، وتخرّج بمرتبة الشرف العليا من جامعة ييل حيث درس الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وكتب أطروحته عن حركة "احتلوا وول ستريت" وتاريخ الحركات الاجتماعية الأميركية.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: Against “Fortress Israel”