عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Aug-2026

الدبلوماسية المثمرة.. أداة التعبير عن القوة*د.ابراهيم بدران

 الغد

انتهى اجتماع وزراء خارجية دول عربية وإسلامية بدعوة من الأردن للنظر في الانتهاكات والتهديدات الإسرائيلية للأماكن المقدسة، وخروقات الهدنة ونقض الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل، واستمرارها في القتل في غزة بمعدل 5 فلسطينيين يومياً وخروقات لاتفاق المرحلة الأولى من خطة ترامب للسلام بمعدل 13 خرقا يومياً. هذا إضافة إلى التصعيد غير المسبوق في القتل والاعتقال والتعذيب والتدمير وهدم البيوت والمساجد والكنائس وإطلاق التماسيح على المعتقلين وإجبار السكان على الرحيل في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة. وخرج بيان وزراء الخارجية كما هو متوقع يرفض ويستنكر ويندد ويدعو المجتمع الدولي للتصرف ويحث مجلس الأمن لوقف ما تقوم به إسرائيل في فلسطين (وفي لبنان). وأكد البيان أهمية الوصاية الهاشمية والدور المتميز الذي يقوم به الأردن في حماية الأماكن المقدسة.
 
 
نعم البيان بالمنظور الدبلوماسي واللغوي قوي تماما، ومشبع بالعبارات المهمة. ولكن لم ترافقه مجموعة قرارات عملية لإعطاء الفرصة لهذا الحراك الدبلوماسي ليثمر تغييراً حقيقياً. هذا ونحن نشاهد في كل لحظة أن وراء البيانات الإسرائيلية الكاذبة والبيانات المضللة جرافات ودبابات وطائرات وصناعات وتكنولوجيا ومراكز أبحاث تفرض وجود إسرائيل رغما عن الجميع. فهل تستطيع الدبلوماسية أن تغير وتجبر الخصم على وقف اعتداءاته الوحشية إذا لم تكن الدبلوماسية مدعومة بالعمل والمعدات بل والقوة؟
لقد غدا أمرا مألوفا بعد كل حدث سياسي أو عسكري أن تنطلق الدبلوماسية العربية على طريق طويل من اللقاءات والتصريحات. ومع هذا فإن المنطقة العربية تتراجع يوما بعد يوم وتتعمق فيها التدخلات الأجنبية ابتداء من الصحراء الغربية على المحيط الأطلسي وانتهاء بالخليج العربي.
لعل الإشكالية الكبرى التي تعاني منها المنطقة العربية عموماً ومنطقة شرق المتوسط بشكل خاص تتمثل في عدة عناصر تجعل العمل الدبلوماسي مجرد نداءات في الفراغ أو إعلام دون مردود حقيقي ومنها:
أولاً: حالة الضعف وفارق القوة بين الدولة العربية وأعدائها. ويشمل ذلك الجانب العسكري والعلمي والتكنولوجي والمعلوماتي والاستخباراتي إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والثقافية والمجتمعية. 
ثانياً: غياب الإدراك العميق للتهديد الذي تواجهه الدولة العربية نتيجة لفارق القوة مع أعدائها وخاصة مع العدو الإسرائيلي الطامع في التوسع. وبالتالي الافتراض أملا بأن ِالعلاقات العامة والمشاركات والمعاهدات سوف تدرأ الأخطار. 
ثالثاً: قصر النفس وعدم الاستعداد لتحمل مشاق المواجهة إلى درجة الرعب من احتمالات الصدام سواء تجاه الأعداء أو حتى متطلبات التغيير الجذري والنهوض الحقيقي المعتمد على الذات. 
رابعاً: غياب « صدمة الرقم» لدى المسؤول العربي وفي اللقاءات العربية ليدرك حجم المشكلة ويستشعر احتمالات النتائج ويتعرف على موقع الدولة والمنطقة بالنسبة للآخرين. 
خامساً: استسهال الاعتماد على الأجنبي في السياسة والدفاع والتمويل والتكنولوجيا والعلوم والمشاريع الكبرى. 
سادساً: ضآلة المشاركة المجتمعية وعدم انتظاميتها في المسائل الكبرى وخاصة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية. 
سابعاً: غياب الإدراك بضرورة وأولوية التكتل العربي الصادق لمواجهة الخصوم نتيجة لضعف الثقة وللضغوط الخارجية.
ولكن لا بد من التأكيد أنه على مدى العصور لم تكن الدبلوماسية بمفردها، مهما كانت درجة نشاطها ومهنيتها، لتعطي أي نتائج ذلت قيمة ما لم تكن هناك قوة حقيقية وراءها، وإرادة صلبة تسندها، واستعداد حازم للمواجهة إذا دعا الأمر. «فالدبلوماسية تعطي ثمارها بين الأكفاء وبين القوى المتساوية أو المتقاربة أو حين يشعر الخصم أن كلفة التدخل مرتفعة جداً، وحين تتغلب الإرادة والاستعداد للتضحية على فارق القوة». ودروس التاريخ كثيرة منها فيتنام والعراق وأفغانستان وجنوب أفريقيا.
وهنا نعود لنؤكد الحقيقة الدامغة أن الدول العربية المعرضة للخطر لن تستطيع أن تتجاوز ذلك الخطر إلاّ من خلال برنامج وطني لنهوض كل دولة، وبرنامج عربي تكتلي طويل الأمد لزيادة منعة الدولة ومنعة المنطقة لصد التدخلات الأجنبية. وهنا نشير إلى النقاط التالية:
أولاً: ضرورة إنشاء تحالف اقتصادي دفاعي عربي (على غرار الاتحاد الأوروبي) يركز في البداية على الدفاع والطاقة والنقل والمياه والبيئة لينتقل بالتوازي إلى العلوم والتكنولوجيا. 
ثانياً: التوسع في المشاريع العربية المشتركة وأهمها الصناعات المتقدمة وخطوط السكة الحديدية وخطوط أنابيب النفط والغاز والمياه. 
ثالثاً: التوجه نحو تصنيع الاقتصاد الوطني بدعم مجتمعي ومشاركة وطنية فردية وجماعية لينعكس تصنيع الاقتصاد على قدرة الصمود المجتمعي والعسكري في آن معا. 
رابعاً: أولوية بناء القدرة العسكرية الوطنية والعربية المتكتلة المزودة بالتكنولوجيات الحديثة والمستخدمة للإلكترونيات والرقميات والذكاء الاصطناعي. خامساً: رفع الإنفاق على البحث والتطوير والإبداع إلى مستوى لا يقل عن 3 % من الناتج المحلي الإجمالي لأن عائدات ذلك تعود على الاقتصاد وتساند الصناعة وتدعم القدرة العسكرية للدولة وللدول العربية المتكتلة. 
سادساً: النهوض بالتعليم لتحديثه في جميع أشكاله ومراحله لتخريج طلبة تؤمن بالوطن وبالعمل وبالانخراط في الإنتاج والمشاريع الريادية والاستعداد لمواجهة المخاطر. وبالتالي ضرورة زيادة الإنفاق على التعليم والتركيز على التعليم التكنولوجي المرتبط بالإنتاج. سابعاً: توجيه البحوث العلمية والتطويرات التكنولوجية والإبداعات لحل المشكلات في القطاعات العسكرية والمعلوماتية والاقتصادية والاجتماعية. 
ثامناً: الاهتمام بالصناعات المائية على أنواعها وإنشاء مراكز البحوث المياه وإنشاء مراكز تكنولوجية لمواجهة التصحر وتوسيع مساحات التخضير في كل بلد عربي. 
تاسعاً: مشاركة المواطنين في البرامج الوطنية والعربية بكل تفاصيلها وفي تمويل المشاريع الإنتاجية من خلال شركات مساهمة لكل مشروع والاهتمام بالقرى والأرياف ودعم التعاونيات وتوجيه البلديات للمشاركة في المشاريع الإنتاجية في مناطقها المختلفة.
وأخيراً فإن الانتقال من الضعف إلى القوة ومن الهشاشة إلى المنعة لا يتحقق من الخارج، ولا بين يوم وليلة، ولا بالتمنيات والبيانات، بل فقط بالعمل الشاق طويل الأمد من الداخل وعلى كل صعيد. كما أن الكلمات والمناشدات مهما كانت صدقيتها لا توقف الدبابة ولا تعطل الجرافة ولا تسقط الطائرة الاحتلالية ولا تمنع بن غفير أو سموتريتش من قضم الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية والتآمر على هدم الأقصى. إن الدبلوماسية (مع كل الاحترام)لا تأخذ دورها المنتج إلا حين تكون مدعومة بالقوة للدولة ولكتلتها، لتجعل كلفة عدوان الخصم باهظة حتى مع وجود فارق القوة.