الدستور
منذ توقيع مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، يدور في الخليج نقاش أعمق بكثير من تفاصيل الاتفاق نفسه. السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت الحرب قد انتهت أو من خرج منها رابحاً أو خاسراً، بل حول ما إذا كانت هذه الحرب قد غيّرت إحدى أكثر المسلّمات رسوخاً في السياسة الخليجية منذ أربعة عقود: فكرة المظلة الأمنية الأميركية.
ربما لهذا السبب تكتسب الدراسة التي أعدّتها الباحثة الشابة المتخصصة بالتحليل الرقمي، رند فتيان (والمنشورة في العدد الخامس من The Jordanian Politics and Society Journal (JPS)) أهمية خاصة؛ فهي لا تقدم رأياً سياسياً جديداً، بقدر ما تحاول الإنصات إلى ما قاله الخليجيون أنفسهم في ذروة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وكيف أعادوا قراءة علاقتهم الأمنية مع الولايات المتحدة.
ميزة هذه الدراسة أنها استخدمت منهجية Digital Listening، أو الاستماع الرقمي، التي تراقب النقاشات الطبيعية التي يجريها الناس على المنصات الإلكترونية. وخلال الفترة الممتدة من 27 شباط وحتى 30 نيسان 2026، رصدت الدراسة 55,600 نقاش رقمي مستقل نشره 29,800 مستخدم خليجي، وأنتج أكثر من 531,600 تفاعل، مع وصول رقمي محتمل تجاوز 4.5 مليار ظهور، وهذه قاعدة بيانات يصعب تجاهلها عند محاولة فهم اتجاهات الرأي العام الخليجي في لحظة أزمة استراتيجية.
الأرقام نفسها تقول الكثير؛ فقد حمل 76.6 % من النقاشات موقفاً سلبياً أو متشككاً تجاه الحماية الأمنية الأميركية، بينما بلغت نسبة المحتوى الإخباري أو المحايد 22.5 %، ولم تتجاوز الأصوات المؤيدة للمظلة الأميركية 1 %، لكن ما يستحق التوقف عنده أن النقاش لم ينشغل كثيراً بأداء الولايات المتحدة العسكري بقدر ما انشغل بالمنظومة الأمنية نفسها، من خلال سؤال مفتاحي وهو: هل ما يزال النموذج الأمني الذي اعتمد عليه الخليج طوال العقود الماضية قادراً على إنتاج الأمن؟
لهذا السبب برز سؤال آخر داخل النقاشات الرقمية: هل أصبحت القواعد العسكرية الأميركية عنصر ردع، أم أنها تحولت، في ظروف معينة، إلى مصدر استهداف؟ الدراسة تشير إلى أن عبارة «القواعد الأميركية» كانت الأكثر حضوراً في الخطاب الرقمي، بينما غابت تقريباً مفردات مثل «الحليف» و»الضمانات الأمنية» و»الشراكة»، إذ تكشف اللغة عن التحولات التي تسبق السياسة، وتدل على أن النقاش انتقل من التسليم بوجود المظلة إلى مساءلتها.
ومن النتائج اللافتة أيضاً أن السعودية استحوذت وحدها على 72.1 % من إجمالي النقاشات الخليجية التي رصدتها الدراسة، تلتها الإمارات بنسبة 10.8 %، وتكشف الدراسة كذلك أن 87.4 % من هذه النقاشات جرت عبر منصة X، فيما كُتبت 87.8 % منها باللغة العربية، والأهم من ذلك كله أن الخطاب لم يتوقف عند نقد الوضع القائم، بل بدأ يطرح بدائل. فقد رصدت الدراسة حضوراً متزايداً لأفكار تتعلق بتنويع الشراكات الأمنية، وبناء منظومة دفاع خليجية أكثر استقلالاً، والانفتاح على قوى دولية أخرى مثل الصين والهند وتركيا، والاستفادة من النموذج العماني في إدارة التوازنات الإقليمية.
ذلك لا يعني، بالضرورة، أن الخليج يتجه إلى مغادرة التحالف مع الولايات المتحدة، أو أن واشنطن فقدت موقعها بوصفها الشريك الأمني الأول، لكنه يعني - في المقابل - أنّ المراجعات الخليجية والتساؤلات المطروحة لا تقتصر اليوم على المجال السياسي النخبوي وصنّاع القرار بل تأخذ مساحة شعبية واسعة، ويمكن تفسير ذلك بسبب ما سببته الحرب من آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية بعد الضربات الإيرانية لدول الخليج العربي.
صحيح أنّ العلاقات العسكرية والمؤسساتية التي تراكمت خلال عقود لا يمكن استبدالها بين ليلة وضحاها، كما أن أي قوة دولية أخرى لا تملك حتى الآن القدرة على الحلول محل الولايات المتحدة في المنظور القريب. لكن الفرق كبير بين الاعتماد على شريك واحد باعتباره خياراً وحيداً، وبين التعامل معه باعتباره أحد الخيارات الممكنة داخل شبكة أوسع من العلاقات.
ربما يكون هذا هو التحول الحقيقي الذي أفرزته الحرب الأميركية على إيران: أنها لم تهز موازين القوى العسكرية فقط، بل دفعت الخليج، لأول مرة منذ زمن طويل، إلى إعادة التفكير في معنى الأمن نفسه.