عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Sep-2026

دراسة نقدية تكشف جماليات التلاشي وسيميائية الصورة في شعر محمود درويش

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، كتاب للدكتورة مهى المبيضين بعنوان "أو أبعد: جماليات التلاشي في ديوان (كزهر اللوز أو أبعد) للشاعر محمود درويش: دراسة سيميائية تحليلية". يقدم قراءة نقدية تطبيقية لتجربة درويش الشعرية، مركّزاً على آليات تشكّل المعنى من خلال العنوان واللون والصورة والرمز والأسطورة والتشكيل البصري.
 
 
وتكشف الدراسة عن تحولات الصورة الشعرية لدى درويش، وانتقالها من مجرد وسيلة للتعبير إلى بنية أساسية لإنتاج الدلالة، بما يبرز تداخل الأبعاد الجمالية، والإنسانية، والتاريخية في تجربته الشعرية.
قالت الدكتورة مهى المبيضين: "إنها تناولت في هذه الدراسة السيميائية في شعر محمود درويش من خلال تطبيقها على ديوانه "كزهر اللوز أو أبعد"، بهدف الكشف عن كيفية تشكّل المعنى عبر مجموعة من العلامات والرموز والعناصر اللغوية والبصرية".
وتناولت المبيضين سيميائية العنوان والعتبات، مبينة أن العناوين والعتبات النصية تحتل مكانة أساسية في شعر درويش، إذ لم يعد العنوان مجرد تسمية للقصيدة، وإنما أصبح عنصراً دلالياً يوجّه عملية التلقي ويفتح أمام القارئ مسارات التأويل. وتوضح الدراسة أن الشعر العربي القديم كان غالباً يخلو من العناوين، وأن ظاهرة "العنونة"، أصبحت أكثر حضوراً مع الشعر الحديث.
وترى المؤلفة، أن في ديوان "كزهر اللوز أو أبعد"، يمثل العنوان عتبة تأويلية مهمة؛ لأنه يسبق النص ويكوّن الانطباع الأول لدى القارئ، كما يرتبط بالمتن الشعري بعلاقة تفاعلية. لذلك فإن فهم العنوان يساعد على فهم التجربة الشعرية، ويكشف عن العلاقة بين الشكل والدلالة.
أما سيميائية اللون وفق المبيضين، فاللون عند درويش يتجاوز وظيفته الحسية والوصفية، ليصبح علامة سيميائية تحمل دلالات نفسية ورمزية. فاللون يرتبط بالذكريات والانفعالات والحالة النفسية، ولا تكون دلالته ثابتة، بل تتغير بحسب السياق. فقد يدل اللون على الحياة والخصب، وقد ينتقل إلى التعبير عن الفقد أو التوتر.
وترى المؤلفة، أن درويش يعتمد على "التمازج الحسي"، فيتداخل اللون مع الصوت واللمس والحركة، مما يجعل التجربة الشعرية مركبة وغنية بالإيحاء. وهكذا يصبح اللون وسيلة لإنتاج المعنى والكشف عن تحولات الذات وتعميق البعد الرمزي للنص.
وسيميائية الصورة الشعرية عند درويش ليست مجرد وصف للواقع، بل هي بنية دلالية مركبة تعيد تشكيل الواقع من خلال المجاز والانزياح والإيحاء. وقد قسمت الدراسة الصور في الديوان إلى أربعة أنماط: "الصور الثيمية: ترتبط بالموضوعات المتكررة في تجربة درويش، مثل الغياب والهشاشة والحب والذاكرة والزمن. وتعمل على توحيد التجربة الشعرية وربط مفرداتها في حقل دلالي واحد.
الصور الفطرية أو الأولية: تعتمد على رموز كونية مشتركة ترتبط بالطبيعة والطفولة والموت والانبعاث، مثل اللوز والربيع والضوء، فتتحول من عناصر طبيعية إلى رموز ذات أبعاد إنسانية وحلمية. الصور العنقودية: تقوم على تكرار مجموعة من العلامات داخل التجربة الشعرية، حيث ترتبط ببعضها في شبكة دلالية. فاللوز مثلاً، يرتبط بالطفولة والزمن والجمال والانكسار، ولا يُفهم منفرداً.
الصور الإشارية: تعتمد على التناصات الثقافية والشعرية والمعرفية، فتستحضر أصواتاً ونصوصاً سابقة بصورة مباشرة أو ضمنية، وتخلق حواراً بين الماضي والحاضر وبين الذاكرة الفردية والجماعية. وبذلك تصبح الصورة عند درويش فضاءً مفتوحاً تتفاعل داخله الرموز والعلامات، وتتعدد فيه الدلالات النفسية والثقافية والجمالية.
سيميائية الرمز والشخصيات التاريخية: يستخدم درويش الرموز التاريخية والدينية والأسطورية للتعبير عن معانٍ يصعب التعبير عنها بطريقة مباشرة. فهو يستحضر الشخصيات والأحداث القديمة ويعيد توظيفها، بما يخدم تجربته المعاصرة، وخاصة قضايا "الهوية والمنفى والصراع والظلم".
وترتبط سيميائية الأسطورة بالرمز في جذورهما القديمة، إذ كان الإنسان يستخدمهما للتعبير عن تجربته ومشاعره. وفي شعر درويش تستمر هذه العلاقة من خلال تداخل الواقع بالخيال واللغة بالرمز.
وتبين المبيضين، أن درويش يستفيد من الأساطير القديمة، مثل أدونيس وعشتار وتموز، بما تحمله من معاني الموت والانبعاث والخصب، ويعيد إسقاطها على الواقع الفلسطيني. كما ترتبط الأسطورة بفكرة الخلاص؛ فالإنسان المنفي عن فردوسه يسعى إلى استعادته عبر الألم والتضحية، وهو ما يعكس تجربة الفلسطيني في المنفى والفقد والأمل في العودة.
كما يوظف درويش نموذج "البطل"، الذي يجمع بين الجانب الإنساني وشبه الإلهي، ليجسد الإنسان المقاوم القادر على تجاوز هشاشته. ولا ينقل الشاعر الأسطورة كما هي، بل يعيد كتابتها داخل القصيدة، فتتحول إلى جزء من بنائها الدلالي. وبفضل طابعها الإنساني المشترك، تمنح الأسطورة شعر درويش بعداً كونياً مع احتفاظه بخصوصيته الفلسطينية.
وأما عن سيميائية التشكيل البصري، فهو لا يقتصر على إنتاج المعنى في شعر درويش على الكلمات، وإنما يشمل التشكيل البصري للقصيدة، مثل علامات الترقيم، وتوزيع الأسطر، والفراغات والتقطيع الشعري. فالبياض قد يدل على الصمت أو الانقطاع أو التأمل، بينما يعبر انكسار السطر عن التوتر والتقطع.
وتحدثت الدراسة عن توظيف عناصر الفن السبعة لفهم البناء البصري والجمالي في شعر درويش: "الخط: يقابله الإيقاع ومسار الجملة؛ فالأسطر المتقطعة توحي بالقلق، والطويلة المنسابة توحي بالهدوء والتأمل. الشكل: ويتمثل في الصور الذهنية مثل اللوز والغيم والطريق والجسد، ويعد "زهر اللوز"، مثالاً على الشكل الذي يرمز إلى النقاء والهشاشة.
الهيئة: وتمثل البنية الكاملة للقصيدة وتطورها من الوصف الحسي إلى التأملات الذاتية والوطنية والفلسفية. اللون: ويحمل دلالات رمزية ونفسية؛ فالأبيض يرتبط بالنقاء، والأخضر بالحياة والأرض والوطن. القيمة: وتقوم على التباين بين الفاتح والداكن، مثل الأمل واليأس والحياة والموت.
الملمس: وينتج من طبيعة الألفاظ؛ فالكلمات المرتبطة بالحب والطبيعة تمنح إحساساً بالنعومة، بينما ألفاظ الحجر والرصاص والمنفى توحي بالخشونة. الفراغ أو المساحة: ويمثل الصمت وما لم يُقال، ويمنح القارئ مجالاً للمشاركة في إكمال المعنى، خاصة من خلال النهايات المفتوحة والجمل الناقصة".
وترى المبيضين أن ديوان "كزهر اللوز أو أبعد"، يقدم نموذجاً متكاملاً للاشتغال السيميائي في شعر محمود درويش؛ إذ تتفاعل العناوين والألوان والصور والرموز والأساطير والتشكيلات البصرية لتكوين شبكة دلالية واحدة. ولا يكتفي درويش بنقل الواقع، بل يعيد تشكيله من خلال الإيحاء والرمز والإيقاع والصورة، فتتحول القصيدة إلى عالم مفتوح تتعدد فيه المعاني والتأويلات.
وخلصت المبيضين، إلى أن خصوصية تجربة درويش تكمن في قدرته على الجمع بين الجمالي والإنساني والتاريخي والفلسفي، وتحويل العناصر الحسية والرمزية إلى علامات تتجاوز معناها المباشر، لتعبّر عن قضايا الهوية والمنفى والفقد والأمل والموت والانبعاث، وتمنح تجربته الشعرية بعداً إنسانياً يتجاوز حدود المكان والزمان.
وفي خاتمة هذه الدراسة تشير المبيضين، إلى أنها اعتمدت المنهج السيميائي لما له من قدرة على الكشف عن المعاني العميقة في النص الأدبي وربطها بالسياق الثقافي الذي نشأت فيه. وأولت اهتماماً خاصاً بعنوان ديوان "كزهر اللوز أو أبعد"، بوصفه عتبة نصية ذات دلالات لغوية ولونية توجه قراءة النص.
وكشفت الدراسة أن أعمال درويش الأخيرة، شهدت تطوراً في أشكال الكتابة يعكس نضج تجربته الشخصية والفنية، مع استمرار القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في إبداعه. كما أظهرت اهتمامه باللون، الذي تتغير دلالاته بحسب السياق والمراحل المختلفة لتجربته الشعرية.
وتوصلت الدراسة، إلى أن شعر درويش انتقل من قصيدة التعبير إلى قصيدة الرؤيا، مع تنوع النصوص الغائبة التي يستحضرها، مثل الشعر القديم والخطاب الديني والملاحم والأساطير. ولم يكن هذا الاستدعاء مجرد اقتباس، بل وسيلة لإنتاج دلالات جديدة وإثراء التجربة الشعرية.
كما تبين أن الصورة الشعرية لم تعد عنصراً زخرفياً، بل أصبحت بنية أساسية لإنتاج المعنى. فهي عند درويش لا تعكس الواقع بصورة مباشرة، وإنما تعيد تشكيله من خلال تفاعل الذات والوعي واللاوعي. ويؤدي الرمز والأسطورة دوراً محورياً في هذا البناء، إذ يستخدمهما الشاعر للتعبير بالإيحاء والتكثيف بدلاً من التقرير المباشر.
وبذلك انتقلت الصورة الشعرية من المحاكاة إلى التعبير، ثم إلى الخلق والبناء والرؤية السيميائية، فأصبحت حركة وفعلًا وإيحاءً لا مجرد وصف. وخلصت الدراسة، إلى أن الصورة في "كزهر اللوز أو أبعد"، تمثل نظاماً سيميائياً متكاملاً يتفاعل فيه الرمز والسياق والتجربة، لإنتاج معنى مفتوحا على التأويل، وهو ما يمنح شعر درويش خصوصيته الجمالية وعمقه الدلالي.