الغد-محمد الكيالي
في زمن التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد السؤال مقتصرا على كيفية إنتاج المحتوى الإعلامي أو توزيعه، بل أصبح يركز حول الأدوات التي تتيح للمؤسسات الإعلامية مواكبة هذا التغيير الجذري.
وأول من أمس، أكد وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني أن التحولات الرقمية المتسارعة تتطلب تحديث الأدوات الإعلامية والاتصالية، وأن الحفاظ على المصداقية ضرورة تستلزم التوازن بين السرعة والدقة.
وتحدث المومني عن الجاهزية الاتصالية من خلال الرصد والتحليل والاستجابة المدروسة، بما يدعم اتخاذ القرار المستند للمعلومات الدقيقة المبنية على قراءة دقيقة للواقع.
وعلى الرغم من أن الإعلام الحديث يحتاج إلى منظومات متطورة قادرة على تحرير الفيديو القصير والعمودي المخصص للمنصات الاجتماعية، وتوظيف الصحافة البيانية والإنفوغرافيك التفاعلي لتبسيط المعلومة وجعلها أكثر جذبا، فإن أهمية تطوير منصات إدارة التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبرز في هذا الصدد إلى جانب أنظمة دقيقة لقياس التأثير والانتشار الرقمي.
كما تفرض البيئة الرقمية الحاجة إلى أدوات متقدمة لكشف الهجمات السيبرانية وحماية المنصات الإعلامية من الاختراقات، فضلا عن إنشاء مختبرات الإعلام الرقمي لتجريب التقنيات الجديدة وتطوير محتوى يتناسب مع طبيعة العصر.
تحديث دون تغيير التدفق
ومن هنا، أكد الخبير في قوانين الإعلام يحيى شقير، أن جوهر الإعلام والاتصال قائم منذ القدم، غير أن ما يشهده العالم اليوم هو تغير جذري في أساليب إنتاج المعلومات وتوزيعها وتلقيها، حيث باتت تصل بسرعة أكبر إلى جمهور أوسع.
واعتبر شقير أن السيطرة على تدفق المعلومات كانت عبر التاريخ هدفا دائما للسلطة وأصحاب النفوذ، سعيا لتوجيه الحوار العام وإخضاعه.
وأشار إلى أن وسائل الإعلام في الأردن تأخرت في مواكبة التحول الرقمي، إذ إنه على الرغم من تحديث أجهزة البث والطباعة والكاميرات، ظل تدفق المعلومات من الجهات الرسمية على حاله حتى بعد تعديل قانون الحصول على المعلومات رقم 3 لسنة 2024، خصوصا المادة 4 التي تنص على الكشف الاستباقي للمعلومات.
وشدد على أن أي طموحات لتطوير الإعلام لن تتحقق ما دامت الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة مقيدة، مؤكدا أن الصحافة يفترض أن تكون أداة رقابة شعبية على الحكومات لكن الواقع هو العكس.
وأضاف أن التخلي عن عقلية الوصاية والتحكم العمودي بالمعلومات أصبح ضرورة، ذلك أن العملية الاتصالية اليوم أفقية بين المواطنين ولا تستطيع أي جهة اعتراضها إلا بشكل محدود.
وشدد شقير على أن إصلاح المشهد الإعلامي يتطلب "عملية جراحية كبرى" لا مجرد وعود أو إجراءات شكلية، مشيرا إلى أن التغيير الحقيقي لن يتحقق إلا عبر خطوات جادة تعزز حرية الإعلام وتواكب التحولات الرقمية المتسارعة.
المصداقية والتنافسية
بدوره، قال أستاذ القانون الجنائي والجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام الدكتور أشرف الراعي، إن التحولات الرقمية المتسارعة باتت تفرض تحولا جذريا أعاد تشكيل مفهوم الإعلام ذاته وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور وآليات صناعة الرأي العام والتأثير المجتمعي.
وأكد الراعي أن البيئة الرقمية الحالية تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في بنيتها الاتصالية بالكامل، بما يحقق رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله، مشيرا إلى أن الجمهور لم يعد متلقيا للمحتوى، بل أصبح شريكا في إنتاجه وتداوله والتأثير في اتجاهاته، الأمر الذي يتطلب أدوات أكثر سرعة ومرونة وذكاء في التعامل مع المتغيرات الرقمية المتلاحقة وهو ما أصبحنا نطلق عليه مفهوم "المواطن الصحفي".
وأضاف أن تحديث الأدوات الإعلامية والاتصالية بات ضرورة إستراتيجية ترتبط بالحفاظ على المصداقية والقدرة التنافسية والاستدامة المؤسسية، مبينا أن المؤسسات الإعلامية التي ما تزال تعتمد على نماذج تقليدية في إدارة المحتوى أو التفاعل مع الجمهور، ستواجه تحديات كبيرة في الوصول والتأثير خلال السنوات المقبلة.
ولفت الراعي إلى أن من أبرز الأدوات التي تحتاج إلى تطوير عاجل أنظمة إدارة المحتوى الرقمي الذكية، وأدوات تحليل البيانات الضخمة، ومنصات إدارة وسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات البث الرقمي والإنتاج المرئي، بالإضافة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على التحرير والترجمة وتحليل الاتجاهات الرقمية والتفاعل مع الجمهور بصورة لحظية على أن يكون ذلك في إطار قانوني وأخلاقي محدد.
وبين أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم جزءا أساسيا من صناعة الإعلام العالمي عبر تحليل سلوك الجمهور وتوقع الاتجاهات ورصد الأخبار الكاذبة ومكافحة حملات التضليل الرقمي، لافتا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعا أكبر في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل غرف الأخبار.
وشدد الراعي على أن هذا التحول يفرض في المقابل تحديات قانونية وأخلاقية كبيرة، تتعلق بحماية الخصوصية كذلك، وحقوق الملكية الفكرية، وشفافية المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي، ومسؤولية المنصات الرقمية عن المعلومات المضللة وخطاب الكراهية.
وأكد أن التشريعات الحديثة يجب أن تواكب هذا التطور المتسارع بصورة تضمن التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الرقمية.
واعتبر الراعي أن نجاح المؤسسات الإعلامية في العصر الرقمي يعتمد على تطوير خطاب إعلامي أكثر تفاعلية وإنسانية وارتباطا باهتمامات الجمهور، مع الاستثمار الحقيقي في تدريب الكفاءات الإعلامية على مهارات التحليل الرقمي وصناعة المحتوى متعدد المنصات وإدارة الأزمات الإعلامية الرقمية، والتعامل المهني مع أدوات الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات العمل الإعلامي والالتزام القانوني.
وتحدث عن أن مستقبل الإعلام والاتصال سيكون قائما على التكامل بين التكنولوجيا والوعي المهني، وأن المؤسسات القادرة على استيعاب التحول الرقمي بصورة إستراتيجية وأخلاقية ستكون الأكثر قدرة على التأثير وصناعة الثقة، وتعزيز دور الإعلام في دعم استقرار المجتمعات وتطوير الوعي العام.
أدوات لصناعة التأثير
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، شددت الأستاذ المساعد في قسم الصحافة والإعلام الرقمي بجامعة البترا الدكتورة رشا اليعقوب على ضرورة أن تواكب المؤسسات الإعلامية هذا التطور عبر الاستثمار في أدوات حديثة قادرة على تعزيز حضورها وتأثيرها في الفضاء الرقمي.
وقالت اليعقوب إن الإعلام لم يعد يقتصر على النصوص التقليدية بل أصبح يعتمد على منظومات متكاملة تشمل تحرير الفيديو القصير المخصص لمنصات مثل "إنستغرام ريلز" إلى جانب الصحافة البيانية والإنفوغرافيك التفاعلي الذي يسهم في تبسيط المعلومات المعقدة وجعلها أكثر جاذبية للجمهور.
كما أكدت أهمية تطوير منصات إدارة التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يتيح للمؤسسات قياس مدى وصول رسائلها الإعلامية والتأثير في النقاشات العامة بصورة دقيقة.
وأضافت أن أنظمة قياس الانتشار الرقمي باتت أداة لا غنى عنها لفهم ديناميكيات الجمهور وتحديد اتجاهات الاهتمام.
وأشارت اليعقوب إلى أن التحديات الأمنية تفرض بدورها الحاجة إلى أدوات متقدمة لكشف الهجمات السيبرانية وحماية المنصات الإعلامية من الاختراقات، مشيرة إلى أن إنشاء مختبرات الإعلام الرقمي أصبح ضرورة لتجريب التقنيات الجديدة، وتطوير محتوى يتناسب مع طبيعة العصر الرقمي.
وبحسب اليعقوب، فإن المؤسسات الإعلامية التي تستثمر في هذه الأدوات وتدمجها ضمن إستراتيجياتها ستكون الأقدر على المنافسة وصناعة الثقة مع الجمهور، مؤكدة أن الإعلام الحديث يقوم على الابتكار والقدرة على التفاعل اللحظي مع المتغيرات الرقمية.