الغد-عزيزة علي
ألقى الفنان والباحث الأردني في الفنون التشكيلية والبصرية الدكتور إياد كنعان، محاضرة بعنوان: "الصناعة البصرية للإرهاب والإسلاموفوبيا في المشهد التشكيلي البصري المعاصر بعد العام 2001: مقاربة سيميولوجية نقدية ثقافية مقارنة"، وذلك في رابطة الكتّاب الأردنيين بدعوة من مركز "تعلّم واعلم" للأبحاث والدراسات، وأدارها أستاذ الفلسفة الدكتور أحمد ماضي.
وتطرقت المحاضرة، إلى قراءة التحولات التي شهدها الخطاب البصري بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما رافقها من إعادة تشكيل لصورة الشرق العربي والإسلامي في الفنون والإعلام، إضافة إلى مناقشة أثر العولمة الثقافية في إنتاج هذه التمثلات، وانعكاساتها على فهم الهوية والاختلاف في الفن المعاصر.
وقال الدكتور إياد كنعان: "إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر العام 2001، شكّلت بحسب رؤيته، نقطة تحول في تصاعد الخطابات الإعلامية الشعبوية والنمطية المعادية للإسلام، التي ربطت بين الإرهاب والشعوب المسلمة، وقدّمت هذا الارتباط بوصفه سمة متأصلة في الثقافة الإسلامية". وأضاف أن تلك الأحداث ساهمت في تعزيز المشاعر المعادية للإسلام على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، ومهدت لترسيخ ما يُعرف بـ"رهاب الإسلام" أو "الإسلاموفوبيا"، في المجتمعات الغربية.
ورأى المحاضر أن أحداثًا مفصلية في التاريخ المعاصر، ساهمت في ترسيخ مفهومي "الإرهاب" و"رهاب الإسلام"، ضمن سياقات ثقافية وسياسية أوسع، تجاوزت الحدث ذاته إلى بنى فكرية مرتبطة بالخطاب السياسي الغربي الحديث. ويذهب إلى أن توظيف مفهوم الإرهاب لم يكن معزولًا عن صراعات النفوذ الجيوسياسي، بل ارتبط، بحسب هذا التصور، بتطور الفكر الإمبريالي الغربي منذ تشكل الدولة القومية الإمبراطورية في أواخر القرن الثامن عشر، وما رافقه من أنماط سيادة وهيمنة عالمية.
وأضاف كنعان، أن "النظرية السيميولوجية النقدية الثقافية المقارنة"، التي أسس لها رولان بارت، إلى جانب بعض مرتكزات "نظرية التلقي" ولا سيما، أطروحات هانز روبرت ياوس، ساهمت في تحرير الصورة من "الهيمنة التأويلية" التي تفرضها الإيديولوجيا السياسية الغربية، وأتاحت مقاربة نقدية لفهم الحضور المتزايد لبعض الفنانين التشكيليين والبصريين العرب والمسلمين، في المحافل الفنية الغربية.
وأوضح أن أعمال عدد من هؤلاء الفنانين انسجمت مع هذه الأطروحات، وساهمت في تشكيل ما يُعرف بـ"الاستشراق البصري الجديد"، وهو مفهوم سبق أن دعا إلى تأصيله، إلى جانب سيميولوجيا "الإرهاب" و"الإسلاموفوبيا"، في دراسة بعنوان: سيميولوجيا "الإرهاب" في المشهد التشكيلي والبصري المعاصر: مقاربة خطابية ونقدية ثقافية مقارنة، المنشورة في مجلة ذوات "العدد 57، 2019".
وبين أن هذا الحقل النقدي ارتبط بالتحولات التي طرأت على الرؤية الغربية تجاه الشرق العربي والإسلامي بعد أحداث العام 2001، وما رافقها من تحولات سياسية وإيديولوجية. وساهمت الفنون التشكيلية والبصرية في تكريس هذه الرؤية وإعادة إنتاجها رمزيًا وثقافيًا، من خلال أعمال ربطت الإرهاب بالثقافة العربية الإسلامية، ورسخت تصورات ذات طابع إيديولوجي.
وأشار إلى أن هذه الأعمال، اعتمدت على آليات "التلاعب الدلالي" (Manipulation of Signification)، عبر فصل الرموز الثقافية عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية وإعادة توظيفها ضمن دلالات جديدة، تتسم بالهجنة والاختلاق، بما يخدم خطابات منحازة كرّست، في نظره، "معاداة الإسلام" بوصفها أحد المرتكزات الإيديولوجية، في جانب من الخطاب الغربي المعاصر بعد العام 2001.
وأشار كنعان، إلى أن الثقافة العربية الإسلامية، بما تمتلكه من جذور تاريخية عميقة وحضور حضاري ممتد عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا، وما تركته من أثر في التاريخ الإنساني على مدى أكثر من أربعة عشر قرنًا، وُضعت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 موضع اتهام مسبق بالإرهاب، وكأن الإرهاب سمة أصيلة فيها، لا سلوكًا يقتصر على جماعات متطرفة لا يجمعها بهذه الثقافة سوى الانتماء الشكلي أو الاسمي. وقد ساهم هذا التصور، في رأيه، في إضفاء أبعاد عنصرية على الخطاب الغربي الرسمي، وأثار في المقابل، ردود فعل عنصرية في مناطق مختلفة من العالم.
وأضاف أن الهدف لم يكن تشويه صورة الثقافة الإسلامية فحسب، بل نزع الشرعية عن تمثلاتها التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وعن حضور الأقليات العربية والإسلامية في المجتمعات الغربية، بما يحد من تأثيرها المحتمل في المستقبل الحضاري والثقافي لتلك المجتمعات. ويرى أن الفن التشكيلي والفنون البصرية أدّيا دورًا مهمًا في ترسيخ هذا الخطاب، عبر إعادة إنتاجه رمزيًا وثقافيًا على المستوى العالمي، مستفيدين من القدرة الرمزية للصورة الفنية، على تشكيل الوعي الجمعي.
وأوضح أن التغطية الإعلامية الغربية، ساهمت في تحويل أحداث 11 سبتمبر من جريمة إرهابية ارتكبتها مجموعة محدودة، إلى نموذج لـ"الجريمة الأبدية"، من خلال استدعاء أنماط رمزية راسخة في المخيال الديني والسياسي الغربي. ووفقًا لهذه القراءة، أُعيد بناء صورة "المجرم الأبدي"، حيث ارتبطت بالعربي والمسلم، بعد أن ارتبطت تاريخيًا، في سياقات مختلفة، بصور نمطية أخرى داخل الخطابين المسيحي والصهيوني، وهو ما منح هذا التصور، أبعادًا ثقافية وإيديولوجية تجاوزت الحدث ذاته.
وأضاف المحاضر أن التغطية الإعلامية الغربية، ساهمت من وجهة نظره، في تكريس مفهوم جديد لصراع ثقافي عالمي طويل المدى، يقوم على تصوير العلاقة بين ما يُسمى بـ"العالم الحر"، وثقافة عربية إسلامية يُروَّج لها بوصفها ثقافة مرتبطة بالإرهاب. ورأى أن هذا التصور ينسجم مع أطروحات فرانسيس فوكوياما وصامويل هنتنغتون، التي قدّمت تفسيرًا للصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، بوصفها صدامًا حضاريًا بين ثقافات متقابلة.
واعتبر أن هذا الطرح لا يعكس حقيقة الصراع، بل يمثل، في تقديره، خطابًا بنزعة استعمارية وعنصرية، يسعى إلى تقويض الشرعية التاريخية والثقافية للحضارة العربية الإسلامية، وتهيئة البيئة الفكرية لتبرير سياسات الإقصاء والعنف، ضد المجتمعات الإسلامية.
وأضاف أن هذه السردية، وفق رؤيته، ساهمت في توفير غطاء رمزي وأيديولوجي لممارسات عنيفة شهدتها دول إسلامية عدة، منها أفغانستان والعراق وسورية وميانمار، وصولًا إلى غزة، من خلال إعادة إنتاج صورة نمطية تختزل ثقافة بأكملها في أفعال جماعات متطرفة، وتمنح هذا الاختزال شرعية في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي.
ويُذكر أن المحاضر فنان تشكيلي وبصري وباحث مستقل متعدد التخصصات، يتركز اهتمامه على الفنون التشكيلية والبصرية، في إطار الدراسات النقدية لما بعد البنيوية والخطابات المناهضة للاستعمار. ويتخصص في دراسة الخطاب في الفنون التشكيلية والبصرية والسيميولوجيا النقدية المقارنة.
حصل على الدكتوراه في الفن وعلوم الفن من الجامعة اللبنانية العام 2019، وماجستير الفنون البصرية (فنون الوسائط الجديدة) من جامعة البلمند العام 2014، وماجستير الفنون التشكيلية من الجامعة اللبنانية العام 2011، إضافة إلى دبلوم الدراسات العليا في الرسم والتصوير، من الجامعة اللبنانية العام 1998. ويجمع في مسيرته بين الممارسة الفنية والبحث الأكاديمي.