الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
رمزي بارود* - (كاونتربنش) 6/7/2026
أُتيحت لي مؤخرًا فرصة توجيه رسالة إلى رئيسة أيرلندا، فخامة الرئيسة كاثرين كونولي. والرئيسة كونولي من أبرز المؤيدين لفلسطين، وهي من قلائل من رؤساء الدول الأوروبية الذين اتهموا إسرائيل صراحة بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وللرئيسة تاريخ طويل في اعتناق هذا الموقف؛ كانت، خلال فترة عضويتها السابقة في "الدايل إيرن" -المجلس الأدنى للبرلمان الأيرلندي- قد صرّحت في موقف اشتهر على نطاق واسع بأنه إذا لم تستطع أيرلندا تمييز إسرائيل وتعريفها بوصفها "دولة إرهابية"، فإن البلاد تكون "في مأزق خطير".
كما انضمت شقيقة الرئيسة، الدكتورة مارغريت كونولي، إلى "أسطول الصمود العالمي" -القافلة الإنسانية المؤلفة من سفن عدة تحمل إمدادات طبية وغذائية في محاولة لكسر الحصار المفروض على غزة.
وفي أيار (مايو) 2026، اعترضت القوات الإسرائيلية الأسطول في المياه الدولية، وقامت باحتجاز الدكتورة كونولي مع مئات النشطاء الآخرين المؤيدين لفلسطين.
بدلًا من صياغة رسالتي الخاصة، أو كتابة تعليق يعكس ما أعتقد أن غزة والشعب الفلسطيني يريدان قوله، اخترت أن ألجأ إلى المنهجية البحثية التي التزمت بها طوال حياتي، وهي إطار "تأريخ الشعوب" أو "التاريخ من الأسفل".
وكان هدفي أن أضع أصوات الفلسطينيين الذين يمثلون شعبهم حقًا في صدارة المشهد، وأن أتيح لهم التحدث بأنفسهم، من دون تنقيح أو وساطة، مباشرة إلى رئيسة دولة.
وفي ما يلي الرسائل الخام، غير المحررة، كما وردت من أبناء غزة أنفسهم.
***
رسالة من أم محمد
القسم الأول هو ثمرة حوار متواصل وحميم مع أم فلسطينية من شمال غزة. وهي معلمة لغة عربية تعيش اليوم في خيمة للنزوح، وقد تكبدت في هذه الحرب خسائر لا يمكن تصورها، ففقدت ثلاثة من أبنائها، وزوجها، وشقيقها، وعددًا كبيرًا من أبناء عمومتها وأفراد أسرتها الممتدة. وهي تتحدث من أعماق قلبها. وكتبت:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نسأل الله أن يمنّ عليكم بالأمن والعافية والصحة، أخانا ’أبو سامي‘.
بكل أمانة، أتمنى حقًا، حقًا، أن تستطيع إيصال صوتنا، وأن نرى أثرًا إيجابيًا لذلك. نسأل الله أن تثمر زيارتك إلى الرئيسة الأيرلندية، وأن نرى نتائجها بأعيننا يا رب.
أسأل الله أن يوفقك في زيارتك، وأن يفتح لك الأبواب، ويشرح صدرك، ويَحلُل عقدة من لسانك حتى يفقهوا قولك. ونسأل الله أن نرى ثمار هذه الزيارة بأعيننا، وأن نشعر بأن الذين في الخارج يشعرون حقًا بألمنا.
لقد رأيتَ أسطول الحرية الذي جاء، ورأيتَ ما فعل به الإسرائيليون. نحن فقط نريد منهم، على الأقل، أن يتركوا من يريد الوقوف إلى جانبنا وشأنه. إنهم يتآمرون علينا. ولكن، الذين يأتون راغبين في دعمنا، ولو دعمًا نفسيًا فقط، لماذا يمنعونهم؟ نريد على الأقل أن نشعر بأن هناك من يقف معنا، ولو بشيء بسيط، حتى لو كان بلا مردود مباشر.
لم يرفعوا الحصار، ولم يفتحوا المعابر، ولم يبدؤوا إعادة الإعمار، وفوق كل ذلك، لا يريدون حتى أن يدعمنا الناس معنويًا؟ الله أكبر... لماذا؟ لماذا كل هذا؟
في ما يتعلق بالقضية، أو بما هي مطالبنا واحتياجاتنا:
فأول ما نحتاج إليه هو رفع الحصار. نحن كما ترى، بلا كهرباء، ولا ماء، ولا طعام أو شراب متوفر. وإذا دخل شيء، فإنه لا يدخل إلا عندما يفتحون المعابر. وهم بالكاد يسمحون بدخول عدد قليل من الشاحنات، والأسعار باهظة جدًا، وكل ما لدينا غالٍ. نحن بحاجة إلى إعادة الإعمار، ونحتاج إلى فتح المعابر.
خذ أولادي مثلًا. من المفترض أن يتلقوا تعليمهم، وأن ينالوا حقهم في الدراسة. لديّ ابن طالب في مرحلة التوجيهي، ولكن لا دراسة، ولا مدارس حقيقية. الطلاب، بصراحة، لا يحصلون على حقهم في التعليم. وحتى لو وُجدت خيام تعليمية، فإنها خيام من الحر والعرق والنار. أعداد الطلاب هائلة داخل خيمة صغيرة. إنه اختناق.
كان هناك مرضى ينتظرون الخروج، ويتمنون الحصول على العلاج. وهناك أشخاص يريدون أن يتعلموا؛ فلم تعد هنا أي جامعات. وهناك من ينتظر زوجته وأطفاله الذين سافروا إلى الخارج للعلاج، لكنهم لم يعودوا قادرين على الرجوع. لقد تشتت الكثير من العائلات؛ الزوج هنا، بينما الزوجة والأطفال في الخارج، والعكس صحيح.
كل هذا الحديث عن هدنة كذب. الإسرائيليون لا يطبقون هدنة؛ إنهم يصطادوننا كما تُصاد الطيور. لا أحد يعيش في أمان الآن. يقولون إنها هدنة، لكنها ليست كذلك. في أي لحظة قد يبدأ القصف، وفي أي لحظة قد يحل الدمار. نحن لا نعيش في أمان أبدًا.
لذلك، وبصراحة، نحن نريد حياة... نريد حياة كريمة. حياة كريمة يتوافر فيها الطعام والماء، وحتى القدرة على التنفس. يشعر الإنسان هنا باختناق شديد، شديد جدًا. نحن بحاجة إلى أشياء كثيرة... كثيرة جدًا. نحتاج إلى دعم نفسي، ودعم مالي، ودعم معنوي.
لقد أنهكتنا القوارض، والبعوض، والبراغيث... وانتشرت الأمراض الجلدية على نطاق واسع. الحساسية، والحكة... كل هذا بسبب ما نعيشه، وكل ذلك نتيجة الحصار. وبصراحة، إن هذا عذاب لا يقل عن القصف، والنسف، والغارات. إنه لا يقل قسوة عن الدمار وما يلحقونه بنا من أذى.
إنهم يحاربوننا بكل شيء، بكل شيء على الإطلاق. لا يريدون لنا أن نستمتع بحياتنا، حتى ونحن نائمون في فراشنا. في فراشنا يمتصنا البعوض، وتحيط بنا الحشرات والبراغيث، ويكاد الحر يقتلنا. لا مراوح، ولا كهرباء.
وفي مواجهة كل ذلك، حسبنا الله ونعم الوكيل. هذا كل ما لديّ. وهناك نقطة مهمة، أخي ’أبو سامي‘، أريد أن أؤكد عليها. أهم شيء هو أنه، رغم التضحيات، ورغم الحصار، ورغم الدمار، ورغم الإذلال الذي نعيشه، فإن هناك مبدأً أساسيًا لن نتخلى عنه أبدًا: حق العودة.
حقنا في العودة إلى بيوتنا، وأرضنا، وأرض وطننا، وأرض أجدادنا. هذا حق لن نتنازل عنه أبدًا. كلُّ هذه التضحيات قُدمت من أجل هذا الحق. نسأل الله أن يهدينا، ويبارك لنا، ويكتب لنا العودة إلى بيوتنا وأرضنا، يا رب".
***
عشرة من أبناء غزة يتحدثون
يتضمن القسم التالي رسائل من أقارب وأصدقاء وجيران يعيشون ظروف النزوح داخل المخيمات. وقد جمعتها ابنة أخي، وفاء، بعد أن طُرح على أصحابها سؤال واحد مباشر: ما هي أولويتك القصوى في سطر واحد؟ وتُمثل هذه الشهادات المقتضبة واقعهم المباشر ومطالبهم الأساسية.
• "نريد الطعام. نريد مياهًا نظيفة. نريد أن ننام في مكان نظيف وآمن".
• "أريد أن أستعيد بيتي، وأن أستعيد الإحساس بالأمان الذي كنا نعيشه. أريد طعامًا نظيفًا، وأن أنام من دون أن أخاف على أطفالي من الجرذان والحشرات والأمراض".
• "أريد أن تستعيد عائلتي وجودها... العائلة التي أخذتها إسرائيل مني".
• "أريد أن أدفن أطفالي الذين ما يزالون تحت الأنقاض".
• "أريد جثمان زوجي الذي تحتجزه إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر). أريد أن أدفنه، وأن أجد بعض السكينة أخيرًا".
• "أريد أن أعرف مصير ابني المفقود. هل هو حي أم ميت؟ حتى الصليب الأحمر لا يساعدنا في الحصول على أي معلومات عن أبنائنا".
• "أريد إطلاق سراح والدي من السجن. ليس لنا أحد سواه".
• "نريد إعادة بناء بيوتنا، تلك البيوت التي استغرق بناؤها عمرًا كاملًا من العمل الشاق".
• "أريد أن أحقق أحلامي، وأن أواصل تعليمي. لقد سُرقَت سنوات طويلة من حياتنا من دون دراسة أو تعليم".
• "نريد أن نعيش بحرية وأمان. إلى متى سنظل نعيش في الحروب؟".
*د. رمزي بارود Ramzy Baroud: صحفي ومؤلف ورئيس تحرير صحيفة "ذا بالستاين كرونيكل" الإلكترونية. وهو مؤلف ستة كتب، وسيصدر كتابه الجديد "قبل الطوفان" Before the Flood عن دار (سفِن ستوريز برس). وتشمل كتبه الأخرى: "رؤيتنا للتحرر" Our Vision for Liberation’؛ "أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية" My Father was a Freedom Fighter؛ و"الأرض الأخيرة" The Last Earth. وهو زميل بحث أول غير مقيم في "مركز الإسلام والشؤون العالمية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Right to Breathe: Unfiltered Messages from Gaza to President Catherine Connolly