عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Jun-2026

أرض الصومال.. قنبلة موقوتة*جمال الكشكي

 الغد

أرض الصومال الانفصالية تتحول، يوما بعد يوم، إلى واحدة من أخطر العقد الجيوسياسية في القرن الأفريقي، ففي هذه البقعة المطلة على خليج عدن، وعلى مقربة من مضيق باب المندب والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، تتقاطع مصالح القوى الكبرى، وتتزاحم الطموحات الإقليمية، وتتشابك حسابات الأمن والتجارة والطاقة، حتى باتت القضية تتجاوز حدود الصومال لتلامس أمن البحر الأحمر والعالم العربي وأفريقيا بأسرها.
 
 
تزداد خطورة المشهد مع تنامي الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية قد تغير موازين القوى في المنطقة، وتفتح الباب أمام حضور خارجي متزايد في أحد أكثر المواقع حساسية على خريطة العالم، فالقضية أصبحت جزءا من معركة النفوذ الكبرى، تلك الدائرة حول البحر الأحمر، وخطوط التجارة الدولية، والممرات البحرية الإستراتيجية، وتجاوزت حدود إقليم يسعى إلى الانفصال لتصبح شأنا دوليا بامتياز.
تمتد أرض الصومال على الساحل، بمحاذاة خليج عدن، في موقع يجعلها قريبة من مضيق باب المندب، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ومن خلال هذا المسار تعبر نسبة مؤثرة من التجارة العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية، الأمر الذي يجعل أي تغيير في موازين القوى المحيطة به قضية تتجاوز حدود الإقليم إلى نطاق دولي واسع.
ولنفهم جذور الأزمة لا بد من العودة إلى عام 1960، حين استعاد الصومال حريته من الاستعمار البريطاني في الشمال والاستعمار الإيطالي في الجنوب، ففي السادس والعشرين من (يونيو) نال الشمال الصومالي استقلاله عن بريطانيا، ثم استقل الجنوب، الخاضع للإدارة الإيطالية بوصاية أممية، في الأول من (يوليو) من العام نفسه، غير أن اختلاف التجربتين الاستعماريتين ترك آثارا عميقة امتدت لعقود طويلة، وكان الجنوب يشمل ما يعرف اليوم بمعظم أراضي الصومال، بما في ذلك مقديشو والسواحل الجنوبية المطلة على المحيط الهندي، ورغم وحدة العرق والدين والثقافة واللغة، ظل ذلك الإرث حاضرا في المشهد الصومالي، ثم اتسعت الفجوة بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991 ودخول البلاد في دوامة الحرب الأهلية والصراعات الداخلية، ليبدأ إقليم أرض الصومال رحلة الانفصال، ويتحول تدريجيا إلى قنبلة موقوتة على بوابة البحر الأحمر.
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المنطقة هدفا لتدخلات خارجية متعددة، وتزايدت محاولات توظيف الانقسامات الداخلية في خدمة مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي. وتبرز هنا أهمية المنافسة الدولية على المنطقة الحيوية والحساسة.
تتجلى الخطورة الحقيقية في تحول إقليم أرض الصومال إلى نقطة جاذبة لجميع هذه القوى، فميناء بربرة، بما يتمتع به من موقع إستراتيجي، ومياه عميقة، ومطار، يستقبل الطائرات العسكرية الثقيلة، أصبح محط اهتمام متزايد، وتحول إلى أحد أهم عناصر الصراع على النفوذ في المنطقة، كما تنظر الدول صاحبة الشأن على البحر الأحمر وخليج عدن إلى هذه التطورات بعين الخطر، باعتبارها مرتبطة مباشرة بأمنها القومي، وسلامة حركة الملاحة الدولية.
وفي هذا السياق لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي، إلا باعتباره استفزازا سافرا لمبادئ القانون الدولي، وخرقا صريحا لميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع المساس بوحدة الأراضي، وسيادة الدول، فإسرائيل الساعية إلى السيطرة غير الشرعية، على ضفتي البحر الأحمر، شمالا عبر إيلات وجنوبا عبر بربرة، تريد إحكام قبضتها على أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، في تحد مباشر للأمن القومي العربي والأفريقي معا.
وهذا الاعتراف رسالة واضحة، مفادها أن إسرائيل مستعدة لتفكيك خرائط المنطقة، متى خدم ذلك مصالحها، والخطر الأشد أن هذه السابقة ستشجع حركات انفصالية أخرى، في القارة الأفريقية والعالم العربي، على المضي في الانفصال، من دارفور إلى أقاليم الساحل، تحت مظلة الاعتراف الإسرائيلي واستقواء به.
هكذا تتحول إسرائيل من طرف خارجي إلى عامل تفتيت، يزرع بذور الاضطراب في القرن الأفريقي ويغذيها.
في هذا المشهد المعقد تبرز إثيوبيا بوصفها طرفا خطيرا آخر، فالدولة التي فقدت منفذها البحري باستقلال إريتريا عام 1993، تواصل بحثها عن نافذة مستقرة على البحر الأحمر، وهو ما يجعل تطورات أرض الصومال جزءا من معادلة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والإستراتيجية.
والرد العربي والأفريقي المطلوب الآن سيقاس بالفعل على الأرض، فمنع إسرائيل من التمركز في بربرة، وتطويق الممرات البحرية العربية والأفريقية، بات ضرورة وجودية عاجلة، لا تحتمل المراوغة، ولا التأجيل، فقد تحولت أرض الصومال إلى عقدة جيوسياسية خطيرة، ومرشحة لأن تكون أحد أهم ملفات الصراع في القرن الأفريقي خلال السنوات المقبلة، وأي خطأ في إدارتها قد يدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من الاضطراب، تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية، على نحو يصعب معه الاحتواء، ومن هنا تبدو معالجة هذه القنبلة الموقوتة ضرورة إستراتيجية عاجلة، لحماية أمن البحر الأحمر، وصون استقرار القرن الأفريقي، والحفاظ على مصالح العالم العربي والأفريقي، قبل أن تبلغ الأزمة نقطة يصعب معها احتواء التداعيات.