"هاربة من ديزني".. رواية أردنية تنفتح على أسئلة الإنسان والآخر
الغد-عزيزة علي
صدرت للروائية الأردنية زينب السعود رواية بعنوان "هاربة من ديزني.. سيرة الخزف والمهراس"، عن "الآن ناشرون وموزعون"، وهو عمل روائي يستند إلى أسئلة الهوية والانتماء وتعدد الجذور، ويتتبع تحولات الإنسان النفسية والاجتماعية في علاقته بالمكان والآخر والذاكرة.
وتنفتح الرواية على ثنائية المحلي والعالمي، مستثمرة مفردات من الجغرافيا والتراث الأردني، وفي مقدمتها "المهراس"، لتقديم سرد يتجاوز حدود المكان نحو قضايا إنسانية أوسع، من بينها الاغتراب والاختلاف والبحث عن الذات، والصراع بين الموروث والتحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.
ومن خلال رحلة سردية تتداخل فيها الأمكنة والثقافات والعلاقات الأسرية، تضيء السعود على تجارب شخصيات تعيش بين أكثر من جذر وأكثر من عالم، وترصد أثر ذلك في تكوينها النفسي وعلاقتها بمحيطها، إلى جانب العلاقة الشائكة بين الآباء والأبناء وما تفرضه اختلافات الأجيال من أسئلة وتوترات.
وتستهل الرواية بكلمة للروائية سميحة خريس، جاء فيها: "في المرآة وجه ليس لي تماماً. وجه مشبع بملامح الذين عبروا وتركوني واقفاً على حافة الحكاية. كأنني حارس غيابه".
وفي موضع آخر، تقول الروائية: "كان من السهل أن يلقي بي أحدهم عن الأرجوحة، أو يدفع جسدي الجالس على الحافة باتجاه الوادي، ولكن من يستطيع إنزال روحي عن القيمة؟ وأي مقص يقطع خيطاً أخضر شفافاً ظل ينسجني؟".
وفي فصل بعنوان "الخزف"، تقول: "ثلاث صور تتأرجح في خيالي، مذيلة بعلامة استفهام كبيرة. أعدل المصباح وأوجهه نحو الورق تماماً، غير آبهة بكل ما عبث بي سابقاً من إجابات. أمنع الضوء الأصغر من مداعبة عيني اليسرى بضبط وضعية المصباح مرة أخرى، ملتزمة بنصيحة طبيبي عن المناسب لعيني، رغم كرهي للإضاءة الصفراء وتأثيرها الكئيب على مزاجي. لا أملك بعد اليوم إلا خيار الإذعان له بعد ذلك العهد.
أغمض عيني السليمة ومعها العين اليسرى، أتأمل الوريقات في لحظات انتظارها المتلهف لسكب حروف قصتي. يقرأ عقلي السؤال مرات: أي صورة أنا؟ وأي غصن من أغصان تلك الشجرة القادمة من التاريخ؟ كيف أصفني في خلوة مع الورق؟ وإذا أتقنت البدايات دون تجميل، هل سأتحلى ببراعة ربط حكايتي بمنطقية تجعلها كما حدثت بالفعل؟
أدافع رهبة في قلبي من الحضن الأبيض المفتوح بإغرائه لكلماتي أن تندفع إليه، حكاية تستبيح ما في صدري، دون وعد بترشيح ما علق بروحي من شوائب. وأنا منذ غرست في ميسون بذرة العربية كي تشدني دائماً بخيط متين شفاف، أملاً في عودتي ذات يوم. ما زلت أخضع لرغبات منها اللغة، فكما تفحصت تبعثري مراراً في المرايا، سأكتب حكايتي متباهية بلغتي وجمال خطي، ململمة بقايا أوصالها من الذاكرة، وبعضها مما جاد به خيالي بعد تلاشي الصور".
تناقش السعود في روايتها "هاربة من ديزني"، قضايا تتصل بالتحولات الثقافية والاجتماعية المحلية، وانفتاحها على رحابة المكان والزمان، وتأثيراتها في إنسان العصر الحديث. وقد عُرفت الكاتبة بأسلوبها السردي المميز، وجملتها الرشيقة، وتمكّنها من أدواتها الإبداعية، إذ أثبت قلمها حضوره في المشهد الأدبي العربي منذ عملها الأول "الحرب التي أحرقت تولستوي".
تضع رواية القارئ أمام "ثنائية الخزف والمهراس"، وهو العنوان الفرعي للرواية الذي يحيل إلى إحدى مفردات التراث غير المادي التي جرى اعتمادها عالمياً في الأردن، والمتمثلة في شجرة زيتون المهراس، المعروفة بسلالتها العريقة الضاربة جذورها في عمق التاريخ.
في كلمة على الغلاف الأخير للرواية: نقرأ "لمحت إعلاناً عن شاغر بدوام جزئي لمن يتقن عدداً من اللغات في لوحة الإعلانات، في عمودين يقسمان العالم إلى أصحاب اللغات الشعبية الصينية والكورية ولغات الشرق الأقصى، وفي الخانة اليمنى تربعت لغتا السيادة والدبلوماسية الفرنسية والألمانية.
سرحتُ للحظة، وجال سؤال في ذهني: تُرى في أي الخانتين يضعني العالم؟ وهل تختصر الثنائيات الحادة إنسانيتنا إلى درجة ألّا أجد لنفسي مكاناً في التصنيفين؟ كم هي فكرة ظالمة ألّا تكون أعمدة التصنيفات قابلةً للاحتواء التلقائي للإنسان، فقط لأنه إنسان. لكنه مجرد إعلان عن وظيفة بمواصفات خاصة، وليس صكّاً أبحث فيه عن حقوقي وإثبات كينونتي. هكذا أقنعت نفسي".
تتخذ الرواية من إشكالية "تعدد الجذور"، منطلقاً لرحلة سردية مشوقة، تسلّط الضوء على فئة من البشر الذين وُجدوا ليحملوا ملامح وثقافات متداخلة، تنتمي إلى أكثر من عالم. وتضيء السعود على المعاناة النفسية والاجتماعية التي يمر بها الإنسان حين يجد نفسه غريباً حتى في بيئته الأولى، وكيف تتشكل جراح الطفولة مبكراً بفعل الاختلاف ونظرات المجتمع المغايرة.
وتدور العجلة الدرامية تحت وطأة صراع الفرد مع محيطه الضيق، ومحاولاته المتواصلة للتصالح مع ذاته وقبولها، وسط مفارقات اجتماعية قاسية تعكس اصطدام التقاليد بالمفاهيم العصرية المعقدة.
وفي هذا العمل الروائي لسعود، لا تقتصر الرحلة السردية على الأمكنة الأولى، بل تمتد لتلامس بريق العالم الآخر وصخبه، من خلال ثيمة العلاقة الشائكة بين الأب والابنة. وترصد الرواية ببراعة نفسية طبيعة التمرد والمشكلات الناجمة عن الرغبة الدائمة في جذب الانتباه واختبار حدود الصبر العائلي، لتتحول العلاقة بين جيلين إلى مساحة من التجاذب والتنافر المستمر، حيث يبحث الأبناء عن ذواتهم وسط عوالم مادية واسعة ومربكة.
تمثل رواية "هاربة من ديزني.. سيرة الخزف والمهراس"، إضافة نوعية إلى منجز الكاتبات الأردنيات، إذ ينشغل النص بأسئلة الهوية والانتماء والهروب والعودة والاختلاف، في ظل الانفتاح على الآخر، من نافذة تطل إحدى واجهاتها على الجغرافيا الأردنية بمفرداتها المتنوعة. وهو ما يجعل العمل أردنياً في ملامحه وخصوصيته، ومنفتحاً في رؤيته على الآخر، بنظرة أدبية تستكشف الراهن وترصد أثر تحوّلاته في الإنسان أينما كان.
والرواية ليست مجرد حكاية فردية أو رواية موجهة إلى القارئ الأردني وحده، بل تبدو مرآةً جماعيةً لكل من يعيشون ممزقين بين أوطان وثقافات متعددة، وتقدم، بأسلوبها الأدبي الرفيع، دعوة إلى التأمل في معنى الانتماء الحقيقي للإنسان، وفي قدرته على أن يجد ذاته وسط تعدد الأمكنة والجذور والثقافات.
ويبقى السؤال: كيف وظّفت الكاتبة هذه الرمزية الوطنية والإنسانية في عملها الروائي الجديد، مع حرصها على أن ينفتح النص على القارئ العربي، وألّا يظل أسير جغرافيته الأردنية وحدها؟ وهو ما تؤكده السعود دائماً من خلال حرصها على أن تكون أعمالها الأدبية سفيرةً للرواية الأردنية إلى القراء في الوطن العربي والعالم.