عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jun-2026

إنها لعبة*إسماعيل الشريف

 الدستور

قد يكون وغدًا ولكنه وغدُنا نحن - روزفلت.
 
لا تُحرّك السياسةَ الأخلاق ولا القيم ولا المبادئ، بل تحرّكها المصالح. والأخبار الحقيقية، فهي غالبًا تلك التي لا تنشرها وسائل الإعلام العالمية؛ إذ إنّ لكل خبر نسختين: حقيقة خفية لا تظهر للناس عادة، ورواية يريد الساسة منك أن تصدّقها. فالصحافة العالمية، ، ليست سوى جزءٍ من المجمع العسكري الصناعي.
 
سأحدثكم عن قصةٍ غريبة وقعت إبّان الحرب الأمريكية–الصهيونية الإيرانية.
 
في الساعات الأولى من الحرب، انتشرت تقارير عديدة عن محاولة اغتيال الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، عقب قصفٍ شنّته الطائرات الأمريكية والصهيونية على منزله الواقع شرق طهران. وتحدّثت بعض التقارير عن مقتله في ذلك القصف، فيما ذكرت تقارير أخرى أنّه نجا من محاولة الاغتيال ونُقل إلى مكانٍ آمن.
 
وأثناء تداول هذا الخبر، خرج العديد من الباحثين الذين هم أيضًا جزء من المجمع العسكري الصناعي الذي يقتات على الحروب ليقدّموا تفسيرًا لهذه المحاولة على أنّها انتقام من أحمدي نجاد، المعروف بعدائه الشديد للولايات المتحدة والكيان خلال فترة رئاسته لإيران بين عامَي 2005 و2013. كما أشاروا إلى تشكيكه المستمر في الهولوكوست، بعد عقده مؤتمرات عديدة خُصِّصت لإنكارها، فضلًا عن دعواته المتكررة إلى محو الكيان، وتمسّكه بالبرنامج النووي الإيراني؛ وهو ما أسهم، بحسب تلك الروايات، في زيادة العقوبات الدولية وتعميق العزلة الاقتصادية المفروضة على إيران.
 
هذه هي القصة التي يريد الإعلام منك أن تصدّقها. أمّا الحقيقة، ووفقًا لتقارير عديدة، فكانت، بحسب تلك الروايات، على النقيض تمامًا مما نُشر. ففي اليوم الأول للحرب، اغتال الطيران الأمريكي والصهيوني المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وبالتزامن مع ذلك قصف محيط منزل أحمدي نجاد، لا بهدف اغتياله، بل على العكس تمامًا لتحريره من الإقامة الجبرية المفروضة عليه، تمهيدًا لتقديمه بوصفه قائدًا انتقاليًا لإيران.
 
وبحسب تلك التقارير، قامت الخطة على اغتيال المرشد، يتبع ذلك تنفيذ ضربات جوية واسعة، ثم توغّل كردي داخل الأراضي الإيرانية، يؤدي الى انتفاضات شعبية تُفضي في النهاية إلى تشكيل حكومة بديلة يتولاها أحمدي نجاد. لكنّ المخطط فشل فشلًا ذريعًا؛ إذ أُصيب أحمدي نجاد واعتُقل، ولم يدخل الأكراد إلى إيران، كما لم ينفجر الشارع الإيراني كما كان متوقَّعًا.
 
وفي الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام تروّج لنجل الشاه السابق بوصفه الرجل الذي يجري إعداده لتولّي حكم إيران، وبينما كان هو نفسه يقدّم نفسه على أنّه الرئيس القادم، ويبعث بإشارات الولاء والطاعة إلى الكيان الصهيوني، لم يكن يدرك أنّ الشخصية التي كانت تُحضَّر فعليًا للحكم هي أحمدي نجاد.
 
فقد رأى فيه مخطّطو الحرب الخيارَ الأنسب لقيادة إيران؛ إذ كان يتمتع بقاعدة شعبية واسعة، وفي الوقت ذاته كان مهمَّشًا من قِبل المؤسسة الدينية التي منعته من الترشح في ثلاث انتخابات متتالية عقب خلافه العلني مع المرشد السابق، قبل أن يُوضَع لاحقًا تحت الإقامة الجبرية.
 
كما كان قد بعث بإشارات انفتاح تجاه الغرب؛ إذ أشاد بالرئيس ترامب في مقابلة عام 2019، وزار كلًا من المجر وغواتيمالا، وتحدّثت تقارير عن حصول الاستخبارات الإيرانية على معلومات تفيد باجتماعه بممثلين عن الولايات المتحدة. كذلك التزم الصمت عندما قصفت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني المواقع النووية الإيرانية خلال ما عُرف بـ»حرب الاثني عشر يومًا».
 
وخلافًا للصورة التي قدّمها الإعلام عنه، رأى فيه الأمريكيون والصهاينة شخصيةً براغماتية منفتحة على الغرب، على النقيض من تاريخه الشعبوي المعروف، وقادرةً على حماية إيران من الانهيار الكامل. فهما، وفق هذا التصور، لم يكونا معنيَّين بإسقاط إيران وتفكيكها بقدر ما كانا يسعيان إلى هزيمتها عسكريًا وإخضاعها، بما يضمن السيطرة على نفطها ومقدّراتها.
 
قد تبدو هذه القصة غريبة للوهلة الأولى، لكنّ ربط الأحداث ببعضها يجعلها شديدة المنطقية. وقد ناقش علماء السياسة مرارًا طبيعة العداء الذي يُظهره بعض الحكّام في الدول غير الديمقراطية، خصوصًا داخل البيئات الجيوسياسية المعقّدة؛ إذ إنّ الخطاب العلني لا يعكس دائمًا الموقف الحقيقي للقائد.
 
ففي كثير من الأحيان، قد يكون هذا العداء جزءًا من بناء الشرعية الداخلية، أو وسيلةً لتحسين شروط التفاوض، أو أداةً لتصدير الأزمات الداخلية نحو الخارج، أو لاعتبارات أخرى عديدة لا تتّسع هذه المقالة لمناقشتها.
 
أمّا في حالة أحمدي نجاد، فقد انقسم المحللون بشأنه؛ إذ يرى بعضهم أنّه كان زعيمًا شعبويًا استخدم العداء للغرب لتعزيز مكانته الداخلية، بينما يراه آخرون حاكمًا أيديولوجيًا تبنّى تلك المواقف عن قناعة حقيقية.
 
وبغضّ النظر عن حقيقة نوايا أحمدي نجاد، فإنّ هذه القصة تبقى دلالةً واضحة على أنّ الدول والساسة لا تحرّكهم سوى المصالح، بينما تُستخدَم الأيديولوجيات أداةً للحشد والتعبئة وتوجيه الجماهير.
 
وأتذكّر هنا عبارة صديقي، رجل الاستخبارات المتقاعد والمتمرّس، حين كنّا نناقش القضايا السياسية؛ إذ كان يختصر المشهد كلّه بقوله: «إنّها مجرد لعبة» It’s a game.