الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
هيئة التحرير - (فايننشال تايمز) 31/8/2026
طرحت الحكومة الإسرائيلية هذا الشهر عطاءات لبناء نحو 1.200 وحدة سكنية لليهود في المنطقة (ي-1) E1 من الأراضي الفلسطينية. وهي خطوة سيكون من شأنها أن تزيد من تفتيت الضفة الغربية وتقسم أراضيها إلى شطرين -وقد تقضي على أي أمل ربما يكون قد تبقى في قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
يعيش القرويون الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت الحصار، ويُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم. ويؤدي العنف شبه اليومي الذي يمارسه المستوطنون إلى دفع مزيد من العائلات إلى مغادرة منازلها. وقد أصبح هذا هو الواقع المعتاد في الضفة المحتلة خلال السنوات الثلاث الماضية في ظل حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتحدث هذه الاعتداءات المستمرة مع إفلات شبه كامل لمرتكبيها من العقاب. وفي أغلب الأحيان، يقف الجيش الإسرائيلي -الذي يقع على عاتقه بوصفه قوة احتلال واجب ضمان النظام العام- متفرجاً أو لا يحضر من الأساس عندما تقع الاعتداءات.
مع ذلك، لم يبذل حلفاء إسرائيل الغربيون في معظم الأحيان أكثر من جهود واهنة لوقف هذا الاتجاه. ومن ذلك قيام بعض الدول الأوروبية -إلى جانب أستراليا وكندا ونيوزيلندا- بفرض عقوبات على اثنين من وزراء نتنياهو المتطرفين؛ إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش -وكلاهما من المستوطنين-وعلى بعض الجهات الاستيطانية. وكان ذلك قليلاً جداً، وجاء متأخراً كثيراً.
وكانت العواقب مدمرة. فقد شهد هذا العام أكثر من 1.400 اعتداء نفذه المستوطنون، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، مقابل 1.836 اعتداء وقعت طوال العام 2025 -وهو أعلى مستوى للاعتداءات منذ أن بدأت الأمم المتحدة تسجيل هذه البيانات قبل عقدين. ويتجه الوضع إلى مزيد من التدهور فقط مع سعي نتنياهو وشركائه في الائتلاف إلى حشد قواعدهم الانتخابية قبيل انتخابات تشرين الأول (أكتوبر). وبدلاً من كبح العنف، يتباهى هؤلاء بنجاحهم في التوسيع الهائل للمستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.
في هذا الشهر، طرحت الحكومة الإسرائيلية عطاءات لبناء نحو 1.200 وحدة سكنية لليهود في المنطقة (ي) E1 من الأراضي الفلسطينية، في خطوة سيكون من شأنها أن تزيد من تفتيت الضفة الغربية وتقسم أراضيها إلى شطرين، وقد تقضي على أي أمل ربما يكون قد تبقى في قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. وكانت حكومات إسرائيلية متعاقبة قد أرجأت هذا المشروع لأنه كان مثيراً للجدل إلى حد كبير. لكن نتنياهو وأنصاره يبدون وكأنهم يسابقون الزمن لتغيير الحقائق على الأرض قبل توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع.
طوال سنوات، عمل نتنياهو كل ما يمكن عمله لمنع قيام دولة فلسطينية ولتوسيع المستوطنات اليهودية. لكن هذا المسار تسارع بصورة حادة بعد الهجوم الذي شنته "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بينما كان اهتمام العالم منصبّاً على حرب غزة. ومنذ ذلك الحين، قُتل أكثر من 1.000 فلسطيني في الضفة الغربية خلال ثلاث سنوات، مع تصاعد الغارات العسكرية الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين. كما تم تهجير أكثر من 41.500 فلسطيني من ديارهم بالقوة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية.
لكنّ ما كان يتقدم على مدى سنوات بصورة تدريجية أصبح الآن ضماً فعلياً. فقد أمر وزير الدفاع، إسرائيل كاتس، هذا الشهر الجيش بالاستعداد لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية إلى الشرطة. ومن شأن هذه الخطوة أن توسّع نطاق الإدارة المدنية الإسرائيلية ليشمل الأراضي الفلسطينية.
في السنوات الأخيرة، استحوذت الكارثة في غزة، حيث قُتل أكثر من 70.000 فلسطيني، على قدر كبير من الاهتمام الدولي. لكن الكارثة التي تتكشف في الضفة الغربية لا يمكن تجاهلها. وقد يكون لدى إسرائيل الكثير من المخاوف الأمنية المشروعة، لكن ما تفعله في الأراضي الفلسطينية يرقى إلى عمليات استيلاء على الأرض في خدمة أيديولوجيا متطرفة.
ثمة في الحقيقة بعض الحكومات التي تزيد من ضغوطها بشأن هذه القضية، ومن بينها حكومة هولندا التي تعتزم حظر الواردات من المستوطنات، بينما تدرس المملكة المتحدة فرض حظر مماثل. وقد ردت حكومة نتنياهو بطرد ممثلي هولندا من مركز التنسيق الذي تقوده الولايات المتحدة لغزة ما بعد الحرب. وكان ذلك دليلاً إضافياً على حاجة أوروبا إلى الوقوف في وجه إسرائيل، خاصة في وقت لا يبدي فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتماماً يُذكر بأزمة الضفة الغربية.
ينبغي للدول الغربية أن تتخذ موقفاً موحداً بشأن حظر صادرات المستوطنات التي تعتبرها غير قانونية. كما ينبغي أن تواجه الجهات الإسرائيلية المنخرطة في بناء المستوطنات أو تمويلها عقوبات أيضاً. وعلى دول الاتحاد الأوروبي أن تتوحد لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل. ويحتاج الأوروبيون أيضاً إلى إقناع ترامب بأن نتنياهو يعمل ضد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال زعزعة استقرار المنطقة. أما بالنسبة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين دُمّرت سبل عيشهم، فقد فات الأوان مسبقاً، وبفارق كبير.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s de facto annexation of the West Bank