الغد
هولي باكستر* - (الإندبندنت) 2026/9/24
بدا لقاء ترامب وآندي بيرنهام ودياً في ظاهره، وتخللته المجاملات والإشادات ومواقف متقاربة حيال عدد من القضايا، لكن ما بين الكلمات ولغة الجسد كشف عن لحظات من التوتر وعدم الارتياح، ولا سيما عندما انتقل الحديث إلى ملفات أكثر حساسية.
كان اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام على هامش "الجمعية العامة للأمم المتحدة" متأخراً بأكثر من ساعة. ولكن يبدو أن المحادثات التي أجريت خلف الكواليس سارت على ما يرام. وقال ترامب للصحفيين المحتشدين عن بيرنهام: "إنه رجل أعمال بالفطرة"، وهي بطبيعة الحال أقصى درجات الإطراء التي يمكن أن يمنحها الرئيس الأميركي.
على مقياس الكاريزما الممتد من زهران ممداني إلى تيد كروز، يأتي بيرنهام في المنتصف تماماً: فهو واثق من نفسه بهدوء، ويحظى بالتأكيد بشعبية في بلاده، لكنه يظل في نهاية المطاف بريطانياً. وهذا يعني أن جانباً كبيراً من تواصله يتم بالأسلوب البريطاني العتيق المتمثل في رفع الحاجبين، وحركات اليد الدقيقة، والنظرات المواربة المحرجة بعض الشيء. وكان هناك كثير من هذه الإشارات التي تستحق التوقف عندها، إذا كنت تعرف أين تدقق النظر ومتى.
واستهل بيرنهام حديثه إلى ترامب بالقول: "تكرمتُ اليوم بإتاحة الفرصة لنا للحديث عن القضايا المتعلقة بالتجارة". وكانت هذه عبارة خاوية المعنى تقريباً، صيغت بوضوح لاستمالة ترامب، وفي الوقت نفسه لإيصال رسالة إلى الآخرين مفادها بأن بيرنهام لم يكن يتوقع أساساً أن تتاح له فرصة كافية للكلام. واكتفى الرئيس بهز رأسه في رضا.
وعندما سألهما أحد الصحفيين عن مسألة الهجرة في بلديهما، عاد ترامب إلى ملعبه المفضل، فتحدث عن الحدود الجنوبية التي اعتبر أنها كانت خارجة عن السيطرة في عهد سلفه الرئيس الأميركي جو بايدن، وعن التحسن الكبير الذي قال إنه حققه شخصياً خلال ولايته الثانية. وبدا بيرنهام غير مرتاح بعض الشيء، فاكتفى بالقول إن بريطانيا تحتاج إلى "نهج منضبط" في التعامل مع الهجرة، ثم أشار إلى أن وسائل الإعلام لا تنصف إنجازاته دائماً. وأضاف أن أعداد المهاجرين، وبينهم لاجئون، الذين يعبرون "القنال الإنجليزي" بقوارب صغيرة آخذة في التراجع، لكنّ "هذه قصة لا تجد طريقها دائماً إلى التغطيات الإعلامية". وهز ترامب رأسه موافقاً: لا شيء يروق له أكثر من إظهار الاستياء من الصحفيين.
لكنّ الأجواء أصبحت أكثر حرجاً بكثير عندما طرحت صحفية أخرى سؤالاً عن المؤسسات الإخبارية التي حظرها الرئيس الأميركي أخيراً من دخول البيت الأبيض، بدعوى أنها تنتقد إدارته بشدة. وسألته الصحفية: هل سيسمح الرئيس مجدداً بدخول مراسلي شبكة "سي إن إن" وموقع "بوليتيكو" وقناة "أم أس ناو" إذا حكم القاضي الذي ينظر في القضية بأنه ملزم بذلك؟
قاطعها ترامب بالقول: "على الأرجح سيفعل"، في إشارة إلى أن القاضي ربما سيحكم لمصلحة الصحفيين، إذ إن القاضي نفسه كان قد أمر في قضية مماثلة في العام 2018 بإعادة مراسل "سي إن إن" جيم أكوستا بعد سحب تصريحه الصحفي. وأضاف ترامب: "لكنّ لدينا الحق في التخلص من الأخبار الكاذبة".
عند هذه النقطة حاول ترامب استدراج بيرنهام إلى إظهار شيء من التضامن معه. كان رئيس الوزراء البريطاني يحدق بهدوء في الأرض ويلعب بأصابعه، ويحاول بوضوح الحفاظ على ملامح وجه محايدة. انحنى ترامب نحوه، ولمس ذراعه برفق، قائلاً: "هذا موضوع لا يتعين عليك أن تعرف عنه". واكتفى بيرنهام، العالق بين مقتضيات الدبلوماسية واللياقة، برفع حاجبه قليلاً، في إشارة معبرة للغاية.
كان الاجتماع قصيراً وودياً في معظمه، ولم تتخلله سوى بعض اللحظات المحرجة بين الحين والآخر. في إحدى تلك اللحظات على سبيل المثال، أكد ترامب افتقاره إلى المعرفة الجغرافية عندما قاطع بيرنهام عندما كان يتحدث عن بريطانيا، وقال: "أنتم تسمون المملكة المتحدة بريطانيا، وهم يسمونها أحياناً إنجلترا، ولها أسماء كثيرة". ويبدو أن حقيقة أن المملكة المتحدة وبريطانيا وإنجلترا تسميات لها دلالات جغرافية وسياسية مختلفة تماماً قد غابت عن ذهنه، ولم يكن أمام بيرنهام، بطبيعة الحال، سوى أن يدع الأمر يمر.
في معرض الرد على سؤال عن حلفاء، مثل المملكة المتحدة (بريطانيا؟ إنجلترا؟)، يشهدون ارتفاعاً في كلف المعيشة نتيجة ما تقوم به الولايات المتحدة في إيران، قال ترامب إنه عندما تنتهي الحرب "ستنخفض الأسعار كثيراً" -وهو رد ربما كان سيبعث على الطمأنينة لو أنه أوضح في أي وقت، وبصورة علنية، متى أو كيف يمكن أن تنتهي الحرب.
وأضاف الرئيس الأميركي: "كان علينا أن نوقفهم. وأعتقد أننا على اتفاق تام حيال ذلك"، لكن تعابير وجه بيرنهام كانت توحي بأنهما في الواقع لم يكونا متفقَين في هذا الشأن على الإطلاق.
ثم جاء السؤال الحتمي عن إسرائيل، وتحديداً عن العقوبات التي فرضتها المملكة المتحدة أخيراً على المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية التي تم الإعلان عنها قبل أسابيع بالتنسيق مع فرنسا وكندا وتسع دول أخرى. وعندما سُئل ترامب عنها، قال إنه لم يكن يعلم بها أصلاً. وأضاف بيرنهام بلطف: "لقد اتصلنا بك بالفعل لنوضح لك سبب اتخاذنا ذلك القرار"، قبل أن يسارع إلى إضافة بعض الكلام العام عن أهمية أن يفعل السياسيون ما يقولون إنهم سيفعلونه -"يجب أن تكون لكلماتك دلالة، وإلا تبخرت الثقة في السياسة"- متجنباً بمهارة الخوض في أي تفاصيل. وللحظة خاطفة، بدا المشهد شبيهاً بموقف الممثلة داكوتا جونسون وهي تحرج بهدوء -ولكن بوقع مدمر- إيلين ديجينيرس في عقر برنامجها.
في موضع آخر من اللقاء، عاد ترامب إلى نبرته الاستعراضية المعتادة، متحدثاً عن أنه يلتقي أحياناً قادة دول لا يعتقد في قرارة نفسه أن لديها "إمكانات كبيرة"، لكنه قال إن المملكة المتحدة مختلفة: "إنها فقط تنتظر النجاح، تنتظر قيادة جيدة، وتنتظر تحقيق النجاح".
في المقابل، وافق بيرنهام على عبارة من عبارات حملته الانتخابية تتحدث عن تحويل "تغيير صورة بريطانيا إلى صورة أكثر إيجابية". وتوالت الابتسامات الصغيرة وهز الرأس إلى أن رد ترامب في نهاية المطاف على قول أحد الصحفيين إن العلاقات بين البلدين تتأرجح "صعوداً وهبوطاً"، مضيفاً "بالأحرى أعتقد أنها في صعود".
وهكذا خرج آندي بيرنهام سالماً من أول لقاء مباشر له مع ترامب (بعدما كان قد أوضح في وقت سابق أنهما تحادثا هاتفياً). فقد رفع حاجبيه، وهز رأسه، وابتسم، واستخدم ذلك النوع من الغموض الدبلوماسي الذي أبقى السياسيين البريطانيين في مناصبهم على مدى قرون من الزمن.
وهو حقاً فن عريق، من ذلك النوع الذي نشأ على مدى آلاف الأعوام من ممارسة العدوانية السلبية المصقولة بعناية: أن تقول شيئاً يبدو وكأنه إجابة، بينما لا تلتزم بشيء على الإطلاق. ويبدو أن رئيس الوزراء البريطاني نجح في استمالة الرئيس الأميركي بما يكفي للخروج من اللقاء من دون أذى يذكر -وهو أمر نادر نسبياً.
أما ترامب، فبدا مسروراً للغاية بصديقه الجديد. ولا سيما وصفه العلاقة بأنها ليست في حالة صعود وهبوط، لا بل إنها في صعود!
ويمكن القول أخيراً إن بيرنهام، بعد أن أمضى اللقاء وهو يحاول بهدوء ألا يبدو مذهولاً، يمكنه على الأرجح أن يعتبر ذلك مكسباً.
*هولي باكستر: محررة تنفيذية في صحيفة "الإندبندنت"