عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Sep-2026

هوس أميركا القاتل بالحرب: دوافع منحرفة وراء استخدام القوة العسكرية

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
إيما آشفورد* – (فورين أفيرز) 12/8/2026
في الأصل، خاض دونالد ترامب حملته للفوز بولاية رئاسية أميركية ثانية على أساس وعد بإنهاء الحروب وليس إشعالها. وظهرت خلال السنة الأولى من عودته إلى البيت الأبيض مؤشرات على أنه قد يُحدث حقاً قطيعة حقيقية مع الوضع الذي كان قائماً وقاد واشنطن إلى الإفراط في مدّ نفوذها. ومارس الرئيس الضغط على حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، ودفع باتجاه إجراء محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا، وانتهج سياسة انفراج حذرة مع الصين أسهمت في خفض حدة التوتر بشأن تايوان.
لكنّ الولايات المتحدة غرقت بعد ثمانية عشر شهراً من بدء رئاسته في حرب جديدة في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن الجيش الأميركي حقق نجاحات تكتيكية في هذه الحرب، لم تحقق واشنطن أي نوع من الانتصار الإستراتيجي الذي يُعتد به؛ بل إن إيران أصبحت تتمتع الآن، من بعض النواحي، بنفوذ أكبر مما كانت تتمتع به في شباط (فبراير). وقد أحجم ترامب عن تقديم أي تنازلات دبلوماسية. ومثل خصمه اللدود، الرئيس الأميركي باراك أوباما، كان ترامب قد وعد الأميركيين بأنه سيُخرج البلاد من "الحروب الأبدية" العبثية في الشرق الأوسط، فقط ليثبت عجزه عن فعل ذلك. لكنّ حقيقة انغماس الولايات المتحدة مرة أخرى في صراع شرق أوسطي تبدو أكثر إثارة للدهشة اليوم لأن الرأي العام الأميركي –بالإضافة إلى كثير من القادة الأميركيين- خلص على مدى العقدين الماضيين إلى قناعة راسخة بأن هذه الحروب هي أخطاء ينبغي تجنبها.
ثمة هياكل مؤسسية وحوافز قائمة تدفع في جوهرها واشنطن إلى الانزلاق، مرة وأخرى، نحو مستنقعات كان يمكن تجنب الوقوع فيها. وكما يبدو، يشكل استخدام القوة العسكرية خياراً سهلاً بالنسبة للرؤساء الأميركيين. وقد اعتاد القادة الأميركيون منذ العام 1991 اللجوء إلى القوة لتأمين حتى أصغر المصالح الأميركية. وفي كثير من الأحيان، بدت التكاليف والمخاطر قصيرة الأجل المترتبة على استخدام القوة ضد دولة أصغر وبعيدة، أو ضد جهة من غير الدول، محدودة؛ حيث يستطيع معظم الأميركيين مواصلة حياتهم اليومية حتى من دون أن يدركوا أن بلدهم في حالة حرب. كما أصبح الكونغرس مستعداً إلى حد كبير للتنازل عن دوره الدستوري في الرقابة على السلطة التنفيذية. لكن الخروج من هذه الأنواع من الصراعات أثبت صعوبته. وقد اعتادت واشنطن وضع أهداف قصوى حتى لحروب هامشية، بينما يتردد القادة الأميركيون في وقف أي تدخل قبل تحقيق الأهداف التي تعهدوا بتحقيقها. وعندما تكون التكاليف المستمرة للصراع موزعة وغير مباشرة نسبياً بشكل خاص، لا تكون هناك الكثير من الحوافر التي قد تدفع الرؤساء إلى مواجهة اتهامات بالضعف.
لكنّ تكاليف هذه التدخلات ليست ضئيلة، وإنما مخفية فحسب. من المؤكد أن الحروب المتكررة تفاقم الدين الوطني المتراكم، وتُرهق الجيش الأميركي، وتهدر الفرص البديلة عندما يتم استنزاف الإنفاق في مجالات بعيدة عن الاستثمارات العسكرية الضرورية والأولويات الداخلية. ولم  تكن مجرد الرغبة في تغيير عادة الولايات المتحدة في شن الحروب كافية لتغييرها. وإذا كان صانعو السياسة الخارجية الأميركية يريدون كسر هذه الحلقة، فعليهم التفكير في سبل تجعل اللجوء إلى القوة خياراً أكثر صعوبة وأقل جاذبية.
حوافز منحرفة
خرجت إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب للعام 2025 عن النهج المتبع تقليدياً. وتسرد معظم إستراتيجيات الأمن القومي قوائم طويلة من المصالح الأميركية المزعومة والحيوية يجري إعدادها بعملية مشتركة بين مختلف مؤسسات الحكومة تضمن ألا يتم إغفال أي قضية. لكنّ وثيقة العام الماضي أقرّت، على النقيض من ذلك، بأن للولايات المتحدة مجموعة من المصالح المحددة والمحكومة بنطاق واضح، والتي "يتعين على صانعي السياسات تقييمها وفرزها وترتيب أولوياتها". وأكدت أنه "ليس بوسع الإستراتيجية الأميركية أن تجعل من كل دولة أو منطقة أو قضية أو هدف -مهما كانت جدارة أي من ذلك- محوراً لها". ثم مضت إلى التشديد على أهمية نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وخلصت إلى أن "الأيام التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأميركية، سواء في التخطيط طويل الأمد أو في التنفيذ اليومي، قد انتهت، ولحسن الحظ".
خلال جزء كبير من السنة الأولى من ولايته الثانية، التزم ترامب بصورة عامة وفضفاضة بهذا النهج المعلن. واستخدم البيت الأبيض القوة العسكرية في الخارج فعلياً: شن حملات لضرب مواقع نووية إيرانية؛ واستهدف زوارق في منطقة الكاريبي بزعم تورطها في تهريب المخدرات. لكنه في الوقت نفسه مارس ضغوطاً مكثفة على حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا لتقاسم عبء الدفاع عن مناطقهم، وتحرَّك لتسهيل محادثات السلام في كل من غزة وأوكرانيا. وكان الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في حزيران (يونيو) 2025، الذي عُرف باسم "حرب الاثني عشر يوماً"، قصيراً ومحدد الهدف على الأقل. وبالمثل، لم تستهدف عملية أسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات الخاصة الأميركية في كانون الثاني (يناير) تغيير النظام بالكامل، وأبرم البيت الأبيض بدلاً من ذلك اتفاقاً مع نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، لتتولى السلطة.
لكن النجاحات التي تحققت في فنزويلا وخلال "حرب الاثني عشر يوماً" عززت نفوذ الجناح المحافظ الجديد داخل الحزب الجمهوري، وجعلت الدعوة إلى تدخلات لاحقة أسهل. وبعد شهر واحد فقط من عملية فنزويلا، أطلقت القوات الأميركية عملية "الغضب الملحمي" التي استهدفت البنية التحتية العسكرية الإيرانية وقتلت عدداً من كبار قادة النظام؛ كما أن الخطاب المبكر للإدارة تعهد صراحة بتغيير النظام في طهران. وبعد مرور ستة أشهر، أصبح الضرر الذي لحق بالقدرات العسكرية الإيرانية كبيراً. لكنّ الولايات المتحدة استهلكت جزءاً كبيراً من مخزونها من الذخائر الدقيقة، وتكبدت قواعدها في المنطقة أضراراً جسيمة. وما تزال قيادة الجمهورية الإسلامية في السلطة، كما وسّعت قدرتها على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز.
في جزء منه، يرجع تخلي إدارة ترامب عن المبادئ الواردة في إستراتيجية الأمن القومي التي وضعتها هي نفسها إلى وجود انقسام داخل دوائر صنع السياسات في الحزب الجمهوري. وينظر المحافظون الأصغر سناً، المنضوون تحت شعار "أميركا أولاً"، بشك إلى حروب تغيير الأنظمة، وإلى فكرة أن على واشنطن واجباً يقتضي تقديم المساعدة لإسرائيل على حساب حلفائها الآخرين. لكنّ المحافظين التقليديين الذين ما يزالون يتبنون رؤية تعود إلى حقبة جورج بوش الابن للولايات المتحدة بوصفها قوة تعمل على نشر الديمقراطية في أنحاء العالم، ما يزالون يحتفظون بنفوذهم أيضاً. وقد جرى تصوير حرب إيران على نطاق واسع باعتبارها دليلاً على أن الصقور -مثل وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور الراحل ليندسي غراهام- انتصروا في معركة داخلية دارت في الإدارة على أنصار ضبط النفس من أمثال نائب الرئيس، جيه. دي. فانس.
لكنّ حرب إيران لا يمكن تحميلها بالكامل على تأثير شخصيات بعينها. ثمة ظروف بنيوية أوسع تواصل دفع الولايات المتحدة إلى الانخراط من جديد في صراعات هامشية، تأتي في مقدمتها سهولة لجوء الرؤساء الأميركيين إلى استخدام القوة. وفي الأصل، يمنح الدستور الأميركي سلطة إعلان الحرب للكونغرس وحده. لكنّ المشرِّعين لم يقدموا على ذلك منذ الحرب العالمية الثانية، في ما يرجع في جزء منه إلى أن الحروب اللاحقة كانت أصغر حجماً، وفي جزء آخر إلى رغبتهم في تجنب المخاطر السياسية المترتبة على تسجيل أصواتهم لصالح صراعات غير شعبية. ولم يصدر الكونغرس "تفويضاً باستخدام القوة العسكرية" منذ العام 2002. وتحافظ الولايات المتحدة على قوة عسكرية ضخمة في الخدمة الفعلية، وتمتلك شبكة من القواعد المنتشرة في أنحاء العالم، إلى جانب قدرات يمكن نشرها عالمياً خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يقرر الرئيس متى وكيف ينشر هذه القوة. وفي غياب ضوابط حقيقية على قدرة الرئيس على القيام بذلك وفقاً لما يراه مناسباً، يصبح إشعال حرب شأناً سهلاً إلى حد مفرط.
وتجعل وسائل الإعلام الأميركية وشبكات التحالفات الواسعة التي تمتلكها الولايات المتحدة هذا التوجه أكثر سهولة، حيث تميل مواقف المعلقين في شبكات التلفزة إلى تأييد التوجهات الصقورية، وكذلك حال كثير من الصحف الأميركية الكبرى. وغالباً ما تبدي مؤسسات إعلامية مثل "فوكس نيوز" و"سي إن إن" وصحيفة "وول ستريت جورنال" حماساً لاندلاع صراع جديد وما يصاحبه من مشاهد درامية، لكنها تنتقد أي تراجع أميركي عنه. وفي الوقت نفسه، كثيراً ما تكون لدى الحلفاء الإقليميين حوافز لتشجيع التدخل الأميركي في صراعاتهم -فضلاً عن امتلاكهم علاقات سياسية تمكّنهم من جر واشنطن إليها. كما أن وجود قواعد أميركية داخل هذه الدول أو بالقرب منها يؤدي إلى مفاقمة هذه الدينامية. في آذار (مارس)، على سبيل المثال، جادل روبيو بأن الهجوم الإسرائيلي الوشيك سيعرّض أفراد الخدمة الأميركيين الموجودين أصلاً في الشرق الأوسط لخطر الانتقام -ولذلك كان يتعين على واشنطن أن تنضم إلى إسرائيل في ضرباتها.
عندما تصبح الحرب لعبة
تزيد الأساطير المستمرة حول الصراعات السابقة من تفاقم المشكلة، وخاصة فكرة أن الجيش الأميركي لم يخفق لأنه لم يكن ينبغي شن الحرب أصلاً أو لأن أهدافها لم تكن قابلة للتحقيق، وإنما لأنه لم يتبع التكتيكات الصحيحة أو لم يخصص ما يكفي من الموارد. في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، على سبيل المثال، حمّل الجمهوريون الرئيس باراك أوباما مسؤولية سحب القوات الأميركية من العراق، واعتبروا أن هذا الانسحاب هو الذي أدى لاحقاً إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف أيضاً باسم "داعش"، بدلاً من اعتبار غزو العراق في العام 2003 أصل المشكلة. وفي الأيام الأولى من الصراع الأخير مع إيران، قال فانس للصحفيين إنه ما يزال متشككاً في الانخراطات العسكرية الخارجية، لكنه يثق بترامب عندما يتعلق الأمر بـ"إنجاز المهمة"، لأنه "أكثر ذكاءً" من الرؤساء السابقين.
وتجعل القواعد العسكرية المتقدمة والتحالفات نفسها التي تمنح الرؤساء الأميركيين حوافز لبدء الحروب من الخروج منها عملية أكثر صعوبة. كما أسهم انتصار الولايات المتحدة في "الحرب الباردة" في تشكيل ثقافة إستراتيجية داخل واشنطن تفترض أن وضع أهداف واسعة -مثل بناء الدول وتغيير الأنظمة- هو شأن ممكن ومرغوب فيه في آن معاً. ومع ذلك، حتى الانتصارات العسكرية الساحقة يصعب تحويلها إلى تحولات اجتماعية وسياسية مستدامة. وكثيراً ما يرفض القادة الأميركيون قبول النجاح الجزئي، بطريقة تجعل الكمال عدواً للمقبول.
تقدم النقاشات حول إرسال المساعدات إلى أوكرانيا بعد الغزو الروسي في العام 2022 مثالاً واضحاً على ذلك. ثمة الكثير من أعضاء مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن يرون أنه، على الرغم من أن المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية ساعدت أوكرانيا على صد الهجوم الروسي الأولي والوصول إلى حالة من الجمود، فإنه لا يمكن التوصل أبداً إلى حل تفاوضي. (في الواقع، على الرغم من أن روسيا قد تكون -في أفضل الأحوال- طرفاً متردداً في التفاوض، فإن مسار السلام تعرّض للإعاقة بسبب سوء الإدارة ونقص الخبرة في الجانب الأميركي).
عندما تصبح الحرب لعبة
عانى الإعداد لعملية "الغضب الملحمي" نمطاً مماثلاً من التفكير القائم على فكرة الأبيض والأسود. في الواقع، كانت الإدارة قد تمكنت من توظيف الضغط الاقتصادي والتهديد باستخدام القوة العسكرية للدخول في مفاوضات جادة مع إيران بشأن احتواء طموحاتها النووية. وقد عرضت إيران قبل اندلاع الحرب بوقت قصير وقف التخصيب داخل أراضيها، وإخراج مخزونها الموجود من اليورانيوم المخصب، والسماح بعودة مفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية". لكن الإدارة لم تقتنع بهذا النوع من التسوية، واختارت بدلاً من ذلك المقامرة من أجل تحقيق نصر مطلق.
ربما يكون العامل البنيوي الأهم الذي يشجع الرؤساء على الانخراط مراراً في حروب غير ضرورية هو أن المواطنين الأميركيين يظلون بمنأى -بطريقة استثنائية- عن تبعات هذه التدخلات. وحتى الآن، وقعت الارتدادات الناجمة عن حرب إيران بصورة أساسية على كاهل دول الخليج. كما أن اعتماد الولايات المتحدة نظام القوات المسلحة القائمة بالكامل على المتطوعين يعني أن الكلفة المباشرة للحرب يتحملها قطاع أصغر بكثير وأكثر انعزالاً من السكان الأميركيين؛ وقد أصبح أولئك الذين يختارون الالتحاق بالجيش، بشكل متزايد، من أقارب المحاربين القدامى أنفسهم بدلاً من أن يمثلوا شريحة واسعة من المجتمع الأميركي. كما أدى التقدم التكنولوجي إلى تقليص عدد الجنود اللازمين لشن الحروب البعيدة. وتبقى الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان -نحو 7.000 قتيل من أفراد الجيش الأميركي- منخفضة مقارنة بحروب مثل الحرب الكورية أو حرب فيتنام. ولا شك في أن أفراد القوات الأميركية وعائلاتهم يشعرون بالخوف والقلق، لكن الثمن الوحيد المرئي بالنسبة لمعظم الأميركيين في الصراع الإيراني الذي طال أمده هو حتى الآن ارتفاع تدريجي في التضخم بفعل الاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة.
وهي كلفة حقيقية في واقع الأمر، حيث من المتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في العام 2026 أقل من التقديرات الخاصة بالعام 2025، كما جعلت الحرب من الصعب على كثير من الأميركيين تحمل تكاليف السلع الأساسية اليومية. ويشكل ارتفاع تكاليف المعيشة السبب الرئيسي وراء سعي ترامب إلى التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية. ومع ذلك، يظل من اللافت أن الولايات المتحدة شنت حرباً على بلد يبلغ عدد سكانه 93 مليون نسمة، وقتلت قيادته، وقصفت بنيته التحتية العسكرية والمدنية، وأسهمت في خنق الممر المائي الرئيسي لشحنات الطاقة في العالم، بينما كان الأثر الأشد وضوحاً لكل ذلك على الأميركي العادي هو ارتفاع التضخم بمقدار نقطتين مئويتين ليصل إلى 4.8 في المائة في أيار (مايو). (وتراجع منذ ذلك الحين إلى 3.5 في المائة).
يسهم تحصين الأميركيين أنفسهم إلى حد كبير من تبعات الحروب التي تشنها واشنطن، والطبيعة الموزعة وغير المباشرة لتكاليف تلك الحروب، في إضعاف المعارضة السياسية لها. ووفقاً لاستطلاع أجرته صحيفة "الواشنطن بوست" و"إبسوس" في تموز (يوليو)، أصبحت حرب إيران الآن غير شعبية بين الأميركيين بالقدر نفسه تقريباً الذي كانت عليه حرب فيتنام في عامها السادس، لكن من غير المرجح أن يخرج الأميركيون إلى الشوارع احتجاجاً عليها في أي وقت قريب.
رأس جبل الجليد
قد يدفع بقاء تكاليف الحروب الأميركية بعيدة عن الأنظار بعضَ الناس إلى استنتاج أن حرباً سيئة التخطيط مثل عملية "الغضب الملحمي" ليست بالخطب الجلل. في نهاية المطاف، كانت الكلفة الاقتصادية والبشرية بالنسبة إلى الأميركيين العاديين للحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال السنوات العشرين الماضية محدودة نسبياً أيضاً. كانت أعداد الأميركيين الذين قُتلوا وجُرحوا في أفغانستان والعراق أقل بكثير من أعدادهم في الحروب الأميركية السابقة. في فيتنام، قُتل أكثر من سبعة أضعاف عدد الذين لقوا حتفهم في هذين النزاعين مجتمعين. وكانت التكاليف الاقتصادية موزعة على نطاق واسع، ورُحِّلت إلى الأجيال المقبلة من خلال إضافتها إلى الدين الوطني.
لكن هذا الاستنتاج خاطئ. في الحقيقة، تنطوي الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في الماضي والحاضر على السواء، على تكاليف إستراتيجية طويلة الأمد ألحقت مسبقاً ضرراً بمكانة البلاد في العالم وبقدرتها على منافسة القوى العظمى الأخرى. والتاريخ واضح في هذا الصدد: ينتهي الأمر غالباً بالقوى العظمى التي تتمادى في استنزاف نفسها في صراعات ثانوية إلى العجز عن التعامل مع مصالحها الإستراتيجية الأساسية. والأوضح من ذلك أن الولايات المتحدة تعاني نقصاً حاداً في الذخائر. وعلى الرغم من النقاش الدائر حول زيادة الإنتاج، فإن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لا تستطيع تعويض هذه المنظومات بسهولة وفي وقت قريب، وهو ما يفرض مفاضلة صعبة: كل صاروخ اعتراضي يُستخدم للدفاع عن قاعدة أميركية أو حليف في مواجهة الصواريخ الإيرانية هو صاروخ لن يكون بالإمكان استخدامه في مكان آخر. ويتطلب الردع الفعّال المصداقية والقدرة العسكرية معاً. وإذا لم تكن القوات الأميركية في شرق آسيا أو دول البلطيق أو في أي مكان آخر تمتلك ما يكفي من الذخائر، فإنها لن تكون قادرة على ردع الصين أو روسيا أو أي طرف آخر.
أما تكاليف الفرص الأوسع الناجمة عن حماقات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فأشد خفاءً وأعمق أثراً. لا يمكن إرسال القوات المنتشرة في حملات الشرق الأوسط إلى مناطق أخرى. والأموال التي يجري إنفاقها على هذه الحروب لا يمكن استثمارها في تطوير قدرات جديدة أو تكنولوجيا متقدمة. كما أن تكلفة إعادة بناء القواعد الأميركية في الخليج تحدّ من قدرة الولايات المتحدة على تحصين بنيتها التحتية العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. حتى أن حروب تغيير الأنظمة تتطلب بنية مختلفة للقوات. فهي تحتاج، على سبيل المثال، إلى قوات برية أكبر بكثير مقارنة بالقوات البحرية. وإذا كان الهدف الأساسي لواشنطن هو حماية نصف الكرة الغربي أو وقف هجوم صيني في بحر الصين الجنوبي، فإن الإصرار المتواصل على خوض حروب لتغيير الأنظمة يقوّض هذه الأهداف لأنه يحول دون إعادة هيكلة البنتاغون لقواته أو تخطيطه لمواجهة حالات طوارئ أخرى.
لا يمكن معالجة تكاليف هذه الفرص البديلة بمجرد زيادة ميزانية الدفاع. وحتى لو أمكن جعل ميزانية الدفاع البالغة 1.5 تريليون دولار التي اقترحتها إدارة ترامب مقبولة سياسياً، فإن هذا المستوى من الإنفاق العسكري، الذي يقترب من خمسة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي -وهو أعلى مما بلغه منذ عقود- سيجذب الاستثمارات بعيداً عن أولويات أخرى، وسيشكل عبئاً طويل الأمد على الابتكار والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. وتبدو "الكينزية العسكرية" فكرة جيدة من الناحية النظرية، لكنها نادراً ما تكون وسيلة فعالة لتعزيز الاقتصاد. فهي توفر عدداً أقل من الوظائف مقابل كل دولار يتم إنفاقه مقارنة بأشكال الإنفاق الحكومي الأخرى، ولا تدفع عجلة الابتكار على نطاق واسع بالفاعلية نفسها التي تحققها الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
كانت فكرة أن الولايات المتحدة فرضت في أي وقت نظاماً عالمياً ليبرالياً قائماً على القواعد بصورة حقيقية مبالغاً فيها منذ البداية. لكن من الصحيح أيضاً أن الجيش الأميركي ظل لعقود ضامناً عالمياً لأمن الملاحة البحرية والتدفق الحر للطاقة. وحقيقة أن الولايات المتحدة ساهمت، في صراعها الأخير مع إيران، بصورة مباشرة في زعزعة أسواق الطاقة الدولية، تقوّض ادعاءها بأنها طرف محايد ونزيه في إدارة المشاعات العالمية. وتشير استطلاعات الرأي الآن إلى أن نحو ثلث الناس فقط حول العالم يرون أن الولايات المتحدة تسهم إسهاماً كبيراً في السلام والاستقرار العالميين. وفي الوقت نفسه، استنزفت الإدارة رصيدها الدبلوماسي في هذا الصراع بطريقة قلّصت نفوذها وقدرتها على التأثير في النتائج في أماكن أخرى، مثل أوكرانيا، حيث تخلّت الإدارة إلى حد كبير عن جهودها الرامية إلى تحقيق السلام منذ اندلاع الحرب مع إيران.
كل هذه تكاليف موزعة على نطاق واسع ومؤجلة الظهور. لكن الولايات المتحدة قد تجد نفسها بعد 20 عاماً، نتيجة اختيارها مواصلة خوض هذه الحروب، أمام قوة عسكرية أقل فاعلية، ونفوذ عالمي أضعف -وحتى اقتصاد أكثر وهناً. وقد أظهرت حرب إيران في الواقع صحة الحجة الأصلية التي طرحتها إدارة ترامب نفسها: في عالم تنافسي، تحتاج الولايات المتحدة إلى إعطاء الأولوية لتخصيص مواردها النادرة لمواجهة أكثر التحديات الإستراتيجية إلحاحاً. ولن تفعل حقيقة أن ترامب، شأنه شأن أسلافه، أثبت عجزه عن مقاومة اللجوء إلى استخدام القوة، سوى تعزيز الحجة الداعية إلى إصلاح هذا الانحراف.
العضّ على الجُرح
أصبحت النزعة العسكرية الأميركية اليوم تضيّق خياراتها المستقبلية. لا يوجد في واشنطن إجماع حول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني؛ وقد نُشرت آلاف الصفحات من النقاشات حول هذه المسألة. لكنّ استنزاف الذخائر في الشرق الأوسط يجعل هذا السؤال يتحول بصورة متزايدة إلى مسألة غير ذات صلة. وإذا لم تتمكن الولايات المتحدة من تقديم العون لتايوان، فلن يعود ذلك خياراً من الأساس. ومع مرور الوقت، ستفرض القيود التي أوجدتها المغامرات العسكرية المفرطة نفسَها باطّراد على خيارات السياسة في أماكن أخرى أيضاً.
سوف يتطلب كسر بنية الحوافز التي تدفع الولايات المتحدة بسهولة مفرطة إلى خوض صراعات عسكرية بعيدة عن أراضيها تغييراً جذرياً، وليس مجرد انتخاب قادة يتعهدون بوضع حد نهائي للحروب التي لا تنتهي. وعلى سبيل المثال، سيكون من شأن إغلاق بعض القواعد العسكرية المتقدمة أن يقلص قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ تدخلات عسكرية. وينبغي للكونغرس أيضاً أن يستعيد قدراً أكبر من سلطته على حروب الولايات المتحدة، بدءاً من ممارسة نفوذ أكبر على الإنفاق العسكري. ويكافح البنتاغون مُسبقاً لتغطية تكاليف حرب إيران من مخصصاته الحالية؛ وبإمكان الكونغرس أن يرفض إضافة تمويل طارئ لهذه الحرب أو لأي صراعات مستقبلية. وقد استجوبت لجان الكونغرس مسؤولين عيّنهم ترامب بشأن حرب إيران، لكنها لم تحقق سوى القليل -باستثناء إطلاق تصريحات للاستهلاك الإعلامي.
يستطيع الكونغرس توسيع نطاق هذه الرقابة من خلال ضرب الإدارة في موضع يؤلمها: رفض إقرار الإنفاق التقديري على الحرب. وقد يكون للدعاية السلبية أثر مفيد أحياناً، وبوسع المشرِّعين بسهولة أن يبذلوا جهداً أكبر لتسليط الضوء على الظروف البائسة التي أوقعت حرب إيران أفراد القوات المسلحة الأميركية فيها. وفي المستقبل، يمكن للمشرعين أن يرفضوا المصادقة على تعيين أشخاص في مناصب السلطة التنفيذية شاركوا في قرار بدء حروب هامشية. وعلى الرغم من الإخفاقات الكثيرة التي ميزت الماضي، ما يزال مسؤولون متقدمون في السن من الذين اتخذوا قرارات كارثية يهيمنون في كثير من الأحيان على نقاشات السياسة الخارجية في واشنطن.
 
وقد يكون إحداث هذا التحول صعباً، لكن واضعي السياسات في المستقبل ربما يسعون أيضاً إلى تفكيك العلاقة الوثيقة والمريحة بين البنتاغون ومتعاقدي الدفاع الأميركيين. فقد أصبحت منظومة مشتريات الدفاع متضخمة وتفتقر إلى المساءلة. ومع ذلك، فإن إنفاق قطاع الصناعات الدفاعية مليارات الدولارات لممارسة الضغط على الكونغرس والتأثير في نقاشات السياسات يساعد في دفع الولايات المتحدة نحو اتخاذ نزعة عسكرية عمياء. وسيكون حظر تداول المشرعين أسهم شركات الصناعات الدفاعية خطوة مفيدة، وكذلك سن تشريعات لمكافحة الفساد تلغي آلية "الباب الدوّار" بين المناصب العسكرية العليا والوظائف المربحة في شركات التعاقد الدفاعي، أو تفرض قيوداً عليه. وكما شجّع المسؤولون الأميركيون على دمج شركات التعاقد الدفاعي بعد انتهاء الحرب الباردة، يمكنهم الآن تشجيع تنويع هذا القطاع وإبعاده عن عمالقة الشركات النافذين.
لقد انقلب الرأي العام الأميركي منذ زمن طويل على المغامرات العسكرية وحروب تغيير الأنظمة -وخاصة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، بعد مرور 20 عاماً كاملة على انتخاب أوباما على أساس وعد بالتحرر من إرث بوش، ما يزال صانعو السياسات يجدون أنفسهم منجذبين إلى المنطقة بفعل بنية حوافز تجعل استخدام القوة خياراً جذاباً وتقلل من تكاليفه قصيرة الأمد. ومهما بدت هذه الحروب التي لا تنتهي غير مؤذية للأميركيين العاديين، فإنها تستنزف الموارد العسكرية للبلاد، وتقوّض بذلك قوة واشنطن. وفي نهاية المطاف، ستجد الولايات المتحدة نفسها مقيّدة، غير قادرة على الخوض في كل شيء، في كل مكان، وفي الوقت نفسه. ويبقى السؤال: هل تريد الولايات المتحدة أن تقرر بصورة استباقية أين تستخدم مواردها، أم أنها تريد أن تترك يديها مقيدتين بسلسلة متعاقبة من الصراعات التي لا تنتهي؟
*إيما آشفورد Emma Ashford: كاتبة ومحللة أميركية متخصصة في السياسة الخارجية والأمن الدولي، مع اهتمام خاص بالعلاقات الأميركية الروسية، والحروب والتدخلات العسكرية، وشؤون الأمن القومي. عملت باحثة في مؤسسات بحثية بارزة، من بينها معهد كاتو، كما شغلت منصب زميلة أولى في مركز ستيمسون، وكتبت على نطاق واسع في دوريات ومواقع متخصصة في الشؤون الدولية، من بينها "فورين أفيرز" و"وور أون ذا روك" و"ذا ناشيونال إنترست". تُعرف بانتقاداتها للسياسات الخارجية الأميركية التدخلية، وبمقاربتها الواقعية التي تدعو إلى قدر أكبر من ضبط استخدام القوة العسكرية الأميركية وإعادة تقييم الالتزامات الخارجية لواشنطن. وهي مؤلفة كتاب "الأولى بين أنداد: السياسة الخارجية الأميركية في عالم متعدد الأقطاب" First Among Equals: U.S. Foreign Policy in a Multipolar World.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America’s Fatal Attraction to War: The Perverse Incentives for Presidents to Use Military Force