الراي
في كل الأحوال هذه الحرب ستنتهي، الجميع باستثناء نتنياهو يريد إنهاءها ولم يعد من مصلحة أي دولة - باستثناء إسرائيل - استمرارها. وما يمددها اليوم هو الصراع على الصورة، وهي عزيزة جدا على ترامب وعلى القيادة الإيرانية. ترامب لا يستطيع ان يتنازل مهما كان عن صورة المنتصر حتى لو كانت "فوتوشوب"، أو حتى لو استعارها بتواطؤ من القيادة الايرانية. لكن القيادة في طهران لن تقبل صورة المهزوم ما دامت باقية في السلطة لنهاية الحرب؛ فهذا وحده يكفي لادّعاء نصر تبني عليه، وترمم صورتها ومكانتها.
ترامب كان يتوق فعلا لإنهاء الحرب رغم انف نتنياهو، لكنه كان يحتاج الى طريقة بعد أن تراجع عن هدف اسقاط النظام ثم عن التغيير من داخل النظام، فلم يبق سوى تغيير سياسة النظام وفق ما ورد في شروطه للاتفاق، مثل وقف البرنامج النووي، ووقف التسليح الصاروخي، ووقف التدخل الخارجي في الدول والدعم لأذرع مسلحة...الخ. وأزيد أنه كان مستعدا لاتفاق تقبل فيه طهران ولو شكلا اهم شروطه دون ضمانات حقيقية للالتزام.
في تقديري ان طهران فشلت في استغلال الموقف الناشئ عن اغلاق مضيق هرمز، وأزمة الطاقة والمخاطر الاقتصادية وضيق الأطراف الدولية بالحرب وكلها ضغطت على ترامب الى جانب اعتبارات داخلية وانتخابية لفك ارتباطه بنتنياهو واتخاذ قرار وقف الحرب، لكن الذكاء والبراجماتية خانا التيار المتشدد في السلطة وتغلبت اعتبارات شتى على حساب المصلحة الوطنية لإيران وشعبها ومنها المزايدة في الصراع الداخلي مع المعتدلين، وللحقيقة ليس لدينا معلومات مدققة عن ذلك لكن يكفي ملاحظة التباين الكبير في لهجة التصريحات ويكفي رؤية رئيس الجمهورية بزكشيان يخرج بتصريح اعتذاري لدول الخليج عن قصفها بالصواريخ ثم عودة القصف اوسع واشدّ في الايام التالية.
استهداف دول الخليج والعراق والأردن لتوسيع نطاق الحرب وإشعال المنطقة كان خطة فاشلة لاستخدامها كورقة ضغط، وهو لم يحقق أي اهداف تكتيكية غير استنزاف مخزون الصواريخ المفترض ادخارها لضرب اسرائيل، وسياسيا أضعف قضيّة ايران كدولة تعرضت دون إعلان حرب لعدوان شامل مدمر يخرق القانون الدولي ويطيح بكل الأسس والأعراف في العلاقات الدولية. واستراتيجيا سيمحي التقدم الايجابي في علاقات ايران الخليجية ويعيدها الى المربع الأول؛ حيث ايران مصدر التهديد الرئيس وامريكا هي الحامي مع اشكال الابتزاز المعروفة التي عقدت تحت لوائها الاتفاقات الابراهيمية المشؤومة.
ليس من "خبير" يستطيع ان يتكهن الآن كيف ستنتهي الحرب. وانا اميل لتوقع نهاية غير حاسمة، ملتبسة. ربما وقف للنار مؤطر باتفاق فضفاض يحيط به غموض اكثف مما احاط باتفاق غزة. اتفاق يتجاهل الساحات الاخرى حيث يترك لإسرائيل الاستمرار في الحرب ليس لضرب أذرع إيران فحسب بل تثبيت مكاسب ميدانية دائمة جديدة بداية من لبنان باحتلال شريط حدودي وسيطرة أمنية على كامل الجنوب وتهجير مئات الألوف.
شروط ترامب لوقف الحرب ستتقادم وسيكون تأمين مضيق هرمز هو القضية المركزية، وليس مرجحا أن يسمح ترامب بجعله ورقة تفاوض بيد طهران، ولذلك تبدو السيطرة الأمنية على المضيق من أمريكا منفردة أو بمعونة ومشاركة دول اخرى هي مفتاح إنهاء الحرب. ولا ندري كيف سيتحقق ذلك ميدانيا، ويمكن لخبراء عسكريين ان يقولوا مثلا إن كان ذلك يتحقق باحتلال جزيرة خرج، وفي هذه الحالة يصبح احتلال الجزيرة ممرا ملزما يتيح لترامب اعلان وقف الحرب في اليوم التالي حتى دون اتفاق رسمي مع طهران.