عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jul-2026

الحكومة تقود إلى انتفاضة

 الغد

يديعوت أحرونوت
بقلم: ناحوم برنياع
 
لا أدري إن كانت أحداث نهاية الأسبوع في الضفة الغربية مجرد شرارة يمكن احتواؤها، أم أنها الشرارة الأولى للانتفاضة الثالثة. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ليست بارعة في التنبؤ بالانتفاضات؛ إذ رفضت بغطرسة رؤية الانتفاضة الأولى عام 1987. ذهب الكاتب دافيد غروسمان إلى الميدان، ورأى وحذّر في سلسلة مقالاته "الزمن الأصفر"، لكن القيادات السياسية والجيش الإسرائيلي فضّلا غضّ الطرف. كان الجيش مستعدا للانتفاضة الثانية عام 2000، لكن الاستعدادات لم تُجدِ نفعا يُذكر في ظل موجة إرهاب يومية اجتاحت البلاد.
 
 
أما الانتفاضة الثالثة، إن اندلعت، فستكون مختلفة عن سابقتيها؛ إذ ستكون الأولى التي تنطلق بمبادرة من الحكومة الإسرائيلية ووفقا لرؤيتها. غالبا ما تُتهم الحكومة الحالية بانعدام المبادرة، والجمود الفكري، والعجز عن التنفيذ. أما بالنسبة إلى العرب، فهذه تهمة باطلة. لقد كانت الحكومة الإسرائيلية هي من أشعلت فتيل عودة حزب الله في لبنان. "لقد استدرجناهم، وأوقعناهم في فخ، والآن سنقضي عليهم نهائيا"، هكذا تباهى الوزراء. كانت هذه إشارة البدء لهجوم الحوامات المسيّرة الذي أعاد الأمن إلى حزب الله، وتسبب في مقتل مقاتلينا دون مبرر، وأثار قلق سكان الشمال مجددا، وأدى إلى إصدار أوامر تقييدية من ترامب ونائبه فانس.
لستُ متأكدا مما إذا كان ترامب يُدرك ما يقوله في يوم هادئ، ولكن لا سبيل لتفسير كلماته إلا على النحو التالي: إما أن تُنفّذوا ما يطلبه الرئيس اللبناني، أو سأدخل في علاقة عاطفية عاصفة مع حزب الله. هذه هي الصورة الكاملة. قلبي يفيض احتراما لكل مقاتل يقضي على إرهابي من حزب الله أو يكشف نفقا سريا، لكن الحسم لم يكن ولن يكون بأيديهم. سيدركون ذلك يوما ما.
الضربة في لبنان لا تُقارن بما يحدث في الضفة الغربية. فبعد اشتباكات نهاية الأسبوع الماضي، سادت ثلاث روايات في إسرائيل: الأولى، أن نزهة مدنية بريئة لمحبّي أرض إسرائيل أُفسدت بهجوم دموي؛ والثانية، الرواية العسكرية، أن غارة شنّها مستوطنون دون تنسيق مع الجيش واجهت تجمعا فلسطينيا عنيفا؛ والثالثة، أن مجموعة من الخارجين عن القانون اليهود اقتحمت قرية فلسطينية ووقعت في مشكلة.
كل رواية من هذه الروايات تُروى مصحوبة بطلب عملي. يقول يوسي داغان، رئيس المجلس الإقليمي ومأمور يهودا والسامرة، إنه يجب تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق فورا لإخراج السلطة الفلسطينية وفرض الواقع على الأرض. ويقول إسرائيل كاتس، وزير الدفاع، إنه يجب إنشاء مزرعة على كل تلة. ويقول يائير غولان وبقية المتحدثين باسم المعارضة إنه يجب وضع مثيري الشغب اليهود رهن الاعتقال الإداري.
يتبنى كل طرف في النقاش اليهودي الداخلي روايته الخاصة. وكل طرف يروي لنفسه قصة، وهي في أحسن الأحوال ليست صحيحة تماما. وهذا أمر ملائم. أقترح رواية رابعة: ليست نزهة بريئة ولا هجوما إرهابيا، وليست غارة غير منسقة ولا عصابة خارجة عن القانون. فالمواجهة قرب حفات جلعاد هي معلم من بين معالم كثيرة، وفصل في الرؤية التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي في الواقع رؤية دينية وأيديولوجية وسياسية وعسكرية. المتنزهون، مثل مثيري الشغب في القرى، هم مبعوثو الحكومة. توفّر لهم الحكومة احتياجاتهم، وتحميهم من العقاب، وتُبعد عنهم الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وتُغدق عليهم المديح. إنهم جيش الخلاص.
الخطة معقدة؛ فهي تُحوّل البؤر الاستيطانية غير القانونية إلى مزارع غير قانونية تصبح قانونية بقرار حكومي. هذه المزارع، بمساعدة الجيش، تسلب المزارعين المحليين مصادر رزقهم. وأعمال الشغب جزء من هذا التوجه؛ فهي تُجبرهم على الفرار إلى المدن، حيث سيصبحون بلا مأوى. وستكون عملية ترحيل جماعي إلى الشرق هي الخطوة التالية. بإذن الله، ستكون هناك حرب، ونهاية العالم.
كل هذه الأمور قيلت علنا من قِبل سموتريتش، وزير الضفة الغربية في حكومة نتنياهو، ومن قِبل آخرين. هناك من يزرعون الريح على أمل أن يحصدوا عاصفة. وما يثير الغضب هو أن الجيش الإسرائيلي، صاحب السيادة الشرعية في الأراضي المحتلة، يدفن رأسه في الرمال؛ فالحكومة تتخذ خطوة تاريخية، بينما تتستر قيادة المنطقة الوسطى بالحديث عن حوادث معزولة، كل منها مأساة بحد ذاتها. وفي نظر قادة الجيش الإسرائيلي، لا يملك سوى الطرف الآخر، الطرف العربي، رؤية واضحة (وهي كذلك بالفعل، ولا تقل دموية وفتكا عن رؤية الحكومة الحالية).
إذا ما تحولت جولة العنف في نهاية الأسبوع إلى انتفاضة ثالثة، فلن يُعفى الجيش الإسرائيلي من مسؤولية إراقة الدماء. فمهمة القائد هي حماية الإسرائيليين المقيمين في المنطقة (ج)، لكن لديه مهمة أسبق، متجذرة في قوانين البلاد والقانون الدولي: أن يكون صاحب السيادة، وأن يفرض حكمه على المنطقة، وأن يضمن أمن جميع السكان. هذا واجبه العسكري والقيادي والقانوني، وهذه وظيفته؛ سواء ارتدى الكيباه المحبوكة أم لا. واجبه القانوني يعلو على أوامر الوزراء وأحلام الحاخامات. آراؤه السياسية، إن وجدت، لا قيمة لها، وكذلك مشاعره. لم يتبقَّ للقائد آفي بلوط سوى بضعة أشهر قبل تقاعده المقرر في نهاية العام. وهذا هو الوقت المناسب له ليعود إلى رشده.