الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
روبرت رايش* - (الغارديان) 10/7/2026
تنبع قوة ترامب من استعداده لانتهاك جميع الأعراف والقواعد والقوانين التي يُفترض أن يلتزم بها رؤساء الولايات المتحدة؛ ومن استعداده لفعل أي شيء يساعده على مراكمة المزيد من الثروة والسلطة والمجد، والانتقام من كل من حاول الوقوف في طريقه، وترك الآخرين يتحملون العواقب.
في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي اختتمت للتو، هاجم ترامب بقية أعضاء الحلف، وقال إنه "يشعر بخيبة أمل كبيرة من الناتو"، وتساءل: "لماذا ننفق مئات المليارات من الدولارات، بينما هم لا يقفون إلى جانبنا؟". وكرر رغبته في الاستيلاء على غرينلاند، وهاجم سياسات أوروبا في مجال الطاقة والهجرة، وأهان إسبانيا، وأثار قلق الحلفاء عندما أعلن أن القتال بين كييف وموسكو "لا يؤثر فينا".
ومع ذلك، عاملت بقية دول الناتو ترامب، طوال فترة انعقاد القمة، بقدر من اللياقة والاحترام لا يقل عما حظي به أي رئيس أميركي من قبل في اجتماعات الحلف -بل وربما فاقهم جميعًا. وعقب انتهاء القمة، قال ترامب: "كان اجتماعًا رائعًا، وكان هناك كثير من المودة في تلك القاعة، والكثير من الوحدة".
فما الذي حدث في هذه القمة؟ من المهم فهم المصدر الحقيقي لقوة ترامب. وكما يبدو، لا تنبع قوته من كونه رئيسًا لأقوى دولة في العالم. وقد أدت رسومه الجمركية الاعتباطية، وحربه العبثية ضد إيران، واختطافه الصريح لنيكولاس مادورو، إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة في أجزاء واسعة من العالم.
كما أن قوته لا تستند إلى قاعدته المؤيدة لشعار "لنجعل أميركا عظيمة مجددًا" (ماغا)، التي شرعت في التعبير عن تردد في دعم رئيس زجّ الولايات المتحدة في حرب أخرى في الشرق الأوسط، وتسبب في ارتفاع الأسعار، بينما تواصل إدارته رفض نشر الملفات الكاملة المتعلقة بإبستين. كما لا تُستمد قوته من أي عبقرية استراتيجية أو دهاء استثنائي ينطوي عليهما.
في الحقيقة، تنبع قوة ترامب من استعداده لانتهاك جميع الأعراف والقواعد والقوانين التي يُفترض أن يلتزم بها رؤساء الولايات المتحدة؛ ومن استعداده لفعل أي شيء يساعده على مراكمة المزيد من الثروة والسلطة والمجد، والانتقام من كل من حاول الوقوف في طريقه. وقد عامل رؤساء الدول ورؤساء الحكومات في "الناتو" ترامب بقدر استثنائي من التبجيل لأنهم يخشون ما قد يفعله إذا لم يحصل على ما يريد.
سواء تعلق الأمر بـ"الناتو"، أو بإيران، أو بكأس العالم، أو بانتخابات العام 2020، أو بجني مليارات الدولارات من وجوده في الرئاسة، أو بأي قضية أخرى، فإن ترامب لا يشعر بأنه مقيّد بالأعراف أو القواعد أو المعاهدات أو القوانين.
عندما اعترض جمهور كأس العالم في مختلف أنحاء الكوكب على تدخله لمصلحة المنتخب الأميركي وطلب إلغاء بطاقة الطرد عن أحد لاعبي المنتخب، رد ترامب بالقول: "إذا هزمتنا [بلجيكا]، فيمكنها أن تفخر بذلك حقًا. إذا هزمونا، فسوف نقول -أو بالأحرى سأقول- إن المباراة كانت مزورة، تمامًا كما كانت انتخابات العام 2020 مزورة".
لاحظوا كيف صحح نفسه وانتقل من قوله "سوف نقول" إلى "سوف أقول". إن الأخلاق تتعلق بـ"نحن"؛ بحكمنا الجماعي على ما هو صواب أو خطأ. لكن ترامب لا يبالي قيد أنملة بحكم العالم أو الأمة على ما هو صواب أو خطأ. إنه، في الأساس، لا يفكر بهذه الطريقة.
لقد أخطأنا حين وصفنا ترامب بأنه ينتهك المعايير الأخلاقية. فالأخلاق تفترض وجود معايير متفق عليها يمكن تعريف الانتهاك وقياسه على أساسها. لكنّ ترامب لا يؤمن بأي معايير من الأساس. ولا يمتّ نهجه في الحياة، وفي الأعمال، والآن في الرئاسة، بصلة إلى فكرة المعايير. إنه يقوم على الفوز بأي ثمن، وبغض النظر عن الوسيلة.
ليس الأمر أن ترامب غير أخلاقي، وإنما هو أنه خارج إطار الأخلاق. وهو ليس فاسدًا أخلاقيًا، وإنما فاقد للبوصلة الأخلاقية. ولذلك يصعب على معظمنا تصور العيش في عالم ترامبي يخلو من المعايير والأعراف والقواعد والقوانين؛ عالم لا تحكمه سوى الصفقات والحسابات، ويقتصر المعيار فيه على سؤال واحد: ماذا سأجني أنا؟ وبأي ثمن؟
هنا تكمن، في الحقيقة، القوة الحقيقية لترامب، حيث تشكل صعوبة تخيل معظم الناس لمثل هذا العالم نفسها مصدر تفوقه.
من حيث المبدأ، يستطيع أي شخص -سواء كان رئيس الولايات المتحدة أو غيره- أن يجني منافع شخصية إذا كان أول من يكسر عرفًا راسخًا اعتاد أن يحترمه الجميع.
تخيلوا بلدة صغيرة لا يقفل سكانها أبوابهم أو نوافذهم لأن هناك قاعدة غير مكتوبة تقضي بأن أحدًا لا يسرق. في مثل هذه الظروف، سوف يتمتع أول لص يبدأ بالسرقة بميزة هائلة: إنه يستطيع دخول أي منزل بسهولة ومن دون عناء.
لكن هذه الأفضلية تزول بمجرد أن يدرك الناس ما حدث فيبدؤون بإقفال أبوابهم ونوافذهم. ومع ذلك، لا يتحمل اللص تكلفة شراء الأقفال، ولا عناء إغلاق الأبواب والنوافذ باستمرار. إنه يستغل الثقة التي كانت قائمة داخل المجتمع، ثم، بعد أن يحطمها، يترك الآخرين يتحملون عبء حماية أنفسهم من انتهاكات مماثلة في المستقبل.
هذا الاختلال في توزيع الكلفة –حيث يتحمل مَن ينتهك الثقة كلفة ضئيلة بينما يتحمل الجميع بعد ذلك كلفة باهظة لحماية أنفسهم– يمثل جوهر الطريقة التي يعمل بها ترامب. إنه يحقق لنفسه المزيد من الثروة والسلطة والمجد عن طريق تحطيم الأعراف، ثم يترك الآخرين يجمعون الحطام.
باعتباره رئيس الولايات المتحدة، فإن الأعراف التي يستطيع ترامب تحطيمها هي أكبر بكثير من تلك التي يستطيع لص في بلدة صغيرة تحطيمها. كما أن المكاسب التي يجنيها مما يستطيع فعله أكبر بما لا يقاس.
وقد أثمرت هذه البلطجة السياسية، على الأقل بالنسبة له شخصيًا. لكنها ألحقت في الوقت نفسه ضررًا بالغًا بمؤسسات اعتمدت عليها الولايات المتحدة والعالم لعقود، من "الناتو" إلى "الاتحاد الدولي لكرة القدم" (فيفا)، وصولًا إلى وزارة العدل الأميركية؛ وهي كلها مؤسسات قامت على الثقة بأن أي رئيس أميركي لن يقدم يومًا على ما أقدم عليه ترامب.
سوف يُذكر ترامب بأنه الرئيس الأكثر نفوذًا في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه سيُذكر أيضًا بوصفه الأكثر سوءًا. وعندما يغادر المشهد، سنجد أنفسنا جميعًا ونحن ندفع ثمن تنظيف الفوضى التي خلّفها. وسنضطر إلى شراء عدد لا نهائي من الأقفال لعدد لا ينتهي من الأبواب والنوافذ، وإنفاق وقت هائل على تركيبها، ثم الحرص الدائم على إبقائها مغلقة.
*روبرت رايش Robert Reich: وزير عمل أميركي سابق، وأستاذ فخري للسياسات العامة في جامعة كاليفورنيا - بيركلي. وهو كاتب عمود في النسخة الأميركية من صحيفة "الغارديان". صدر له حديثًا كتابه الجديد: "أقل مما ينبغي: مذكرات عن أميركتي" Coming Up Short: A Memoir of My America.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Nato summit exposed the real source of Trump’s power