الغد
عميرة هاس* - (هآرتس بالعربي) 2026/6/16
اعلموا أن وراء كل خبر أو تقرير تقرأونه عن إرهاب المستوطنين، ينفّذ "كو كلوكس كلان"** اليهودي عشرات الاعتداءات الأخرى وأعمال الترهيب والمضايقة التي لا تصل إلى عناوين الأخبار، بينما يهاجم الجيش الفلسطينيين وينكّل بهم في عشرات الأحياء وعند الحواجز لحماية هذا التنظيم العنصري وتمكينه من أداء مهمته. سجّلوا هذا جيدًا: الاعتداءات التي تبدو كأنها انفجارات عفوية من الهياج والعنف ليست كذلك. إنها ثمرة تخطيط منهجي ومحسوب، مدعوم بالموارد والإسناد. وهدفها النهائي هو تحقيق أرض "نظيفة" من الفلسطينيين -وهي عبارة يبدو وقعُها بالألمانية مألوفًا أكثر مما ينبغي.
ثمة خط مباشر يصل بين هذه الاعتداءات وبين عمليات الاستيلاء العنيفة على أراضي الفلسطينيين وينابيعهم في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية. وثمة منطق يربط بين اللامبالاة التي سادت آنذاك وبين النزعة القدرية السائدة اليوم؛ وكأن المعتدين أسراب جراد توراتي لا سبيل إلى ردعها أو وقفها. وقد تدل القدرية، على الأقل، على أن ثمة من ما يزال يشعر بالصدمة، بينما يبدو آخرون مفتونين بـ"روادهم" الأقوياء الذين يطردون الفلسطينيين من أرضهم -أولئك الذين يذكّرون بأسلافٍ تحتفي بهم بعض السرديات الصهيونية التقليدية.
تذكّروا أنه خلف كل ملثّم يحمل بندقية ويتدلى من ثيابه شال الصلاة اليهودي، تقف بيئة اجتماعية تعتبر نفسها طبيعية ومحترمة: مجالس إقليمية ومحلية؛ حاخامات؛ عاملات اجتماعيات؛ وكنُس. ويتجسد هذا الاحتضان الدافئ في التبرعات، وقطعان الماشية، وإمدادات المياه، والدعم اللوجستي؛ وكلها تتيح لمئات "التفاحات الفاسدة" من الأفراد أن يمارسوا اعتداءاتهم على المسنّين والشبان والأطفال الفلسطينيين، ثم يتمددوا في الأرض التي سُلبت من أصحابها أو يقيموا في منازل طُرد أهلها منها.
لا تنسوا أن خلف كل معتدٍ ومخرّب وسارق أغنام يقف رجال شرطة لم يكلفوا أنفسهم عناء الاستجابة لنداءات الاستغاثة، وجنود هرعوا إلى المكان لا لحماية الضحايا، وإنما لاعتقالهم والاعتداء عليهم -وأحيانًا لقتلهم. وخلف هؤلاء جميعًا تقف منظومة قانونية كاملة: مدّعون عامون وقضاة لم يعرفوا، ولم يروا، ولم يسمعوا، ووفّروا منذ البداية الغطاء القانوني للمشروع الاستيطاني. وهم يجلسون اليوم في بيوتهم ينعون الديمقراطية أو لا ينعونها، مطمئنين إلى يهودية الدولة، وإلى بقاء أحفادهم، وترقياتهم، ومعاشاتهم التقاعدية.
ولتنعشوا ذاكرتكم أيضًا: كل تجمع رعوي فلسطيني نجحت هذه القوى الظلامية "الكوشير" في تهجيره، كان قد أمضى عقودًا وهو يصارع منظومة من القيود وعمليات المنع "القانونية" التي صاغتها حكومات إسرائيل المتعاقبة لمنع الفلسطينيين من العيش بكرامة. كان موظفو الإدارة المدنية ومفتشوها ورؤساؤها هم الذين أعدّوا أوامر الهدم والمصادرة بحق كل خيمة جديدة أو كرفان أقامه زوجان شابان، وكل ترميم لمغارة سكنية، وكل محاولة للاتصال بشبكتي المياه والكهرباء أو لتركيب ألواح شمسية. وهم أنفسهم الذين وقّعوا على الغرامات المفروضة بسبب نقل مياه الشرب بالصهاريج، أو استخدام الجرارات الزراعية، أو حتى الرعي.
الآن، يجلس الموظفون والمسؤولون السابقون من هؤلاء في بيوتهم، ينعون الديمقراطية أو لا ينعونها، لكنهم يفخرون بأبنائهم الذين يؤدون -بحسب التعبير الإسرائيلي الشائع- "خدمة عسكرية ذات معنى وقيم"؛ خدمة تُقاس في كثير من الأحيان بعدد الفلسطينيين واللبنانيين الذين قاموا بقتلهم خلالها.
للعلم: تعجّ مجموعات "واتساب" الخاصة بـ"شبيبة التلال" بصيحات الاستغاثة والشكوى، وتتداول بين الحين والآخر أسماء البعض من أفرادها الذين اعتقلتهم الشرطة، أو أخبار بؤرة استيطانية هُدمت للمرة الثامنة وستُعاد إقامتها غدًا. ولكن خلف كل اسم معروف لمعتقل، هناك عشرات المعتدين وكاسري العظام الذين يتم غلق ملفاتهم تحت بند: "لم يُعثر على مشتبه به".
بينما تشربون البيرة، أو تنهمكون في إجراء أبحاث حول تأثير الاحتباس الحراري على ألوان الفراشات، أو تخططون لرحلة إلى روما، أو تختارون بطيخة من السوق، أو تمررون بطاقة المواصلات على جهاز الدفع، أو تكتمون غضبكم من مديركم في العمل، فإن ما لا تريدون معرفته يحدث بالفعل، لحظة بلحظة. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تمنحه أكثر من قدر محدود من التغطية، وعلى الرغم من انشغال العالم بقضاياه الأخرى، تواصل إسرائيل تدمير غزة. أو، بصورة أدق، تواصل حشر أكثر من مليوني إنسان داخل نحو ثلث مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، في ظروف من الاكتظاظ والبؤس تكاد تتجاوز حدود الخيال.
هناك، يسير الأحياء الذين يشبهون الموتى بين أكوام النفايات المتراكمة وبرك الصرف الصحي بحثًا عن الماء. هناك يتنقل الجرحى على عكازات أو بساق واحدة، وينتظرون قسائم المساعدات الغذائية التي قد تُبقي عائلاتهم على قيد الحياة. يحملون أطفالهم إلى عيادات بدائية على أمل العثور على علاج للسعات الحشرات وعضات الجرذان. وحين يعزفون الموسيقا أو يكتبون الشعر أو يزرعون النعناع والفاصولياء بين الخيام، يرافقهم غياب عشرات الأحبة الذين فقدوهم. وبين لحظة وأخرى، تستمر الغارات الإسرائيلية في حصد مزيد من الأرواح.
تظاهروا بالدهشة: ثمة "كو كلوكس كلان" يهودي يترقب أي ردّ فلسطيني يتيح له مواصلة مهمته؛ مهمة تقوم على قتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين في الضفة الغربية، ثم دفع من يبقى منهم إلى الرحيل نحو الأردن أو سورية أو لبنان. وهو تيار يعي جيدًا أن الفلسطينيين يعيشون حالة من الخوف والصدمة والغضب والعجز، وأن قياداتهم المنقسمة والمنشغلة ببقائها عاجزة عن حمايتهم. ولم تُقدِم أي دولة حتى الآن على توجيه الإنذار الضروري لإسرائيل: أوقفوا هذه الاعتداءات فورًا، أو واجهوا عزلة سياسية واقتصادية وعلمية شاملة.
ثمة هذا التيار المتطرف ينتظر اللحظة التي يدفع فيها اليأس بعض الفلسطينيين أو أقارب الضحايا أو شبانًا عاجزين عن احتمال الظلم إلى حمل السلاح والانتقام. وعندئذ، يكفي هجوم واحد أو حادثة واحدة حتى تتحول الغالبية الإسرائيلية إلى شريك كامل في مشروع الانتقام الجماعي، تحت الشعار المألوف: لقد تعرّضنا للهجوم. نحن الضحايا.
*عميرة هاس Amira Hass: صحفية وكاتبة إسرائيلية بارزة في جريدة هآرتس، ولدت في العام 1956 في القدس لوالدين من الناجين من الهولوكوست، وتعد من أبرز الأصوات النقدية داخل إسرائيل تجاه سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. درست التاريخ في جامعة القدس العبرية، وعملت مراسلة صحفية منذ أوائل التسعينيات، حيث اختارت العيش لسنوات طويلة داخل قطاع غزة ثم في رام الله لتغطية الواقع الفلسطيني من داخله.
ملاحظة المترجم:
**كو كلوكس كلان Ku Klux Klan – (KKK): منظمة أميركية متطرفة تؤمن بتفوّق العرق الأبيض، تأسست العام 1865 في ولاية تينيسي عقب الحرب الأهلية الأميركية. اشتهرت بممارسة الإرهاب والعنف ضد الأميركيين من أصل أفريقي، واستهدفت أيضًا الكاثوليك واليهود والمهاجرين وغيرهم ممن اعتبرتهم تهديدًا لـ"الهوية البيضاء البروتستانتية". استخدمت المنظمة أساليب الترهيب، مثل الحرق والاعتداء والقتل والإعدام خارج القانون (الشنق)، وكان أعضاؤها يرتدون أردية بيضاء وأقنعة مدببة لإخفاء هوياتهم. وعلى الرغم من تراجع نفوذها مقارنة بذروتها في عشرينيات القرن العشرين، فإنها تُعد من أشهر جماعات الكراهية والعنصرية في تاريخ الولايات المتحدة، وما تزال بعض الفصائل الصغيرة المنبثقة عنها تنشط حتى اليوم تحت مراقبة السلطات.