عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Aug-2026

كيف تسقط الحضارات: رؤية إدوارد غيبوُن

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بول كارتليدج* - (إنغلسبيرغ آيدياز) 22/7/2026
 
 
بعد مرور مئتين وخمسين عاماً على صدور الجزء الأول من كتاب "اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية"، ما يزال تشخيص إدوارد غيبون لأسباب انهيار روما يحمل تحذيراً لعصرنا.
 
كان إدوارد غيبون** Edward Gibbon الابن البكر لوالديه، واتضح لاحقاً أنه الطفل الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من بين أبنائهما. وُلد في العام 1737 في بوتني، التي كانت آنذاك أقرب إلى الريف منها إلى إحدى ضواحي جنوب غربي لندن، وهي المنطقة التي شهدت مناظرات بوتني الشهيرة في العام 1647 التي ترأسها أوليفر كرومويل. وكانت أسرته ميسورة الحال للغاية؛ كان والده، الذي حمل الاسم نفسه، من طبقة "السادة"، وكان قادراً على إلحاق ابنه بمدرسة وستمنستر الخاصة، حيث تلقى تعليماً كلاسيكياً راسخاً. وفي الخامسة عشرة من عمره فقط، التحق بكلية مجدالين في جامعة أكسفورد، وهي تجربة لم يُطقها. وكان تحوله وهو في السادسة عشرة من عمره من البروتستانتية التي نشأ عليها إلى الكاثوليكية الرومانية، في جانب منه، فعل تمرد على سلطة والديه. فما كان من والده إلا أن سارع إلى إبعاده -ليس عن أكسفورد فحسب، بل عن إنجلترا أيضاً، فأرسله إلى أجواء سويسرا البروتستانتية، وإلى رعاية القس الكالفيني دانيال بافيار.
وقد نجح هذا العلاج؛ ففي لوزان، في العام 1754، عاد غيبون إلى البروتستانتية. ولكن يبدو أن تلك كانت عودة شكلية أكثر منها قناعة راسخة أو ممارسة فعلية. أما من الناحية الفكرية، فقد اقترب غيبون في نضجه من الربوبية -أي الإيمان بوجود إله خالق، مع الاعتقاد بأن التاريخ البشري، بعد فعل الخلق، تُحركه أفعال البشر وليس التدخل الإلهي. ويخبرنا غيبون في إحدى المسودات غير المكتملة لسيرته الذاتية، بأنه عرف منذ نحو الثامنة من عمره أنه يريد أن يصبح مؤرخاً. ولم يكن السؤال سوى: مؤرخاً لأي شيء؟ أما كيف "وصل غيبون إلى روما" -بمعنى كيف أصبح مؤرخ الإمبراطورية الرومانية و"انحدارها"، فقصة طويلة ومتعرجة. قبل أن يستقر في أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الثامن عشر على مشروع حياته، كان قد فكر في عدد من الموضوعات الأخرى، والكثير منها كان واسع النطاق أيضاً، مثل تاريخ الحرية في سويسرا. لكنّ المطاف انتهى بجميع تلك المشروعات إلى الإهمال.
تضافرت مجموعة من العوامل لتثمر في النهاية كتابه الضخم المؤلف من ستة مجلدات "اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية" The Decline and Fall of the Roman Empire، أو ما يُعرف اختصاراً بـ"روما غيبون" Gibbon’s Rome. وقد أسهم في ذلك تعليمه الكلاسيكي (كان غيبون متبحراً في اللاتينية إلى حد بعيد، وإن كان أقل تمكناً من اليونانية)، وخبرته الشخصية بـ"روما" بمعنييها: الإمبراطورية الرومانية القديمة والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وحسّه الاستثنائي في الكتابة التاريخية، فضلاً عن أن موضوع "اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية" كان واحداً من أعظم قضايا التاريخ الغربي -بل والعالمي أيضاً- وكان موضوعاً يتيح معالجته بأسلوب أدبي وبلاغي رفيع. ويصادف العام 2026 الذكرى السنوية المئتين والخمسين لصدور المجلد الأول من هذا العمل.
جمع المؤرخ الألماني المختص بالتاريخ القديم، ألكسندر ديمانت، مؤلف كتاب "سقوط روما" Der Fall Roms الصادر في العام 1984، قائمة تضم أكثر من مئتي سبب مقترح لتفسير انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، أو لعوامل يُعتقد أنها أسهمت في ذلك السقوط. ويشير هذا، أولاً، إلى أن كياناً بحجم الإمبراطورية الرومانية هو موضوع بالغ التعقيد؛ وثانياً، أن ظاهرة كهذه لا يمكن تفسيرها بمجرد سببين رئيسيين كاللذين طرحهما غيبون: الهمجية والدين. وكان غيبون يدرك جيداً أن للمؤرخين اهتماماتهم الخاصة -ما نسميه اليوم "أجنداتهم". وسنعود لاحقاً إلى أجندات غيبون. ويتبني كتاب "السيادة" Dominion لتوم هولاند، مهما تكن قناعات مؤلفه الدينية أو أجندته الشخصية -أو حتى إذا لم تكن له أي أجندة- تفسيراً يقف على النقيض من تفسير غيبون، ويغلب أنه كان مدفوعاً بدوافع شخصية إلى جانب أخرى علمية بحتة.
وأود أن أضيف تعليقاً موجزاً من عندي: لا يَمنح أيٌّ من هذين المؤرخين الأولوية لما أعتبره أنا العامل الحاسم، وهو الأساس الاقتصادي الكامن للمجتمع أو أسسه الاقتصادية التي يستحيل من دونها وجود أي أفكار أصلاً، ناهيك عن أن تكون لها تلك الفاعلية التاريخية الحاسمة المزعومة. هذا فيما يتعلق بـ"الدين". أما "الهمجية"، فهي فكرة، ومفهوم، وظاهرة مادية في الوقت نفسه. لا شك أن اقتحام غير الرومان، أو الغرباء، أو "البرابرة"، حدود الإمبراطورية ألحق أضراراً جسيمة ببنية الإمبراطورية الرومانية في أواخر عهدها، كما حدث مثلاً في معركة أدريانوبل في العام 378م، التي انتصر فيها القوط. لكنّ ذلك الضرر وحده لم يكن السبب الذي أدى إلى سقوط حتى الإمبراطورية الرومانية الغربية الذي يُؤرَخ له عادة بالعام 476م، حيث استمرت الإمبراطورية الشرقية، من دون انقطاع كامل، في صورة ما عُرف بـ"الإمبراطورية البيزنطية" حتى سقوط عاصمتها القسطنطينية (التي كانت تُعرف أصلاً باسم بيزنطيون) في يد العثمانيين في العام 1453. وهذا ما أثبته عمل غيبون نفسه، على الرغم من أنه لم يكن يُكِنّ إعجاباً أو تقديراً كبيراً لليونانيين البيزنطيين.
كانت لغيبون مصلحة معتبرة في الإمبراطورية البريطانية التي كانت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة تشكل جزءاً مهماً منها، إلى أن اندلعت الثورة الأميركية. وكانت خدمته في ميليشيا مقاطعة هامبشير، على محدوديتها من الناحية العسكرية، جزءاً من "حرب السنوات السبع" (1756-1763)، الحرب الإمبراطورية الكبرى بين بريطانيا وفرنسا. وفي العام 1774، "انتُخب" عضواً في البرلمان عن دائرة ليسكيرد، إحدى ما كان يُعرف بـ"الدوائر الانتخابية الفاسدة" في أقصى جنوب غربي إنجلترا. وكان يحب أن يردد هذه الدعابة: لماذا يشبه الرجل البدين الناخب في كورنوال؟ لأن كليهما نادراً ما يرى ممثله في البرلمان. وفي العام 1780 تخلى عن تمثيل ليسكيرد، ثم أُعيد انتخابه نائباً عن دائرة ليمينغتون في هامبشير للفترة 1781-1784. وخلال مسيرته البرلمانية جلس في البرلمان طوال ثماني دورات انعقاد تحت رئاسة رئيس الوزراء المحافظ اللورد نورث، الذي منحه أيضاً وظيفة شرفية مجزية في مجلس التجارة، وكلفه في العام 1779 بكتابة رد، باللغة الفرنسية، على دعم فرنسا للمتمردين الأميركيين. وبحكم شغفه بقراءة المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت، مؤرخ الإمبراطورية الفارسية، كان غيبون يدرك ميل الإمبراطوريات إلى التمدد المفرط بحيث تتجاوز طموحاتها قدرتها الفعلية على السيطرة.
لم تظهر الإشكالية المتعلقة بالعلاقة بين الأدب والتاريخ لأول مرة مع غيبون، وإنما سبقت عصره بزمن طويل. في أحد الوجوه، كانت هذه الإشكالية حاضرة منذ البدايات الأولى للتأريخ نفسها، لأن مؤرخي اليونان والرومان القدماء لم يُقرأوا وتُعاد قراءتهم إلا لأن أعمالهم كانت تُنسخ وتُعاد كتابتها في مخطوطات -أولاً على ورق البردي، ثم على الرق. وكان الدافع الرئيسي لإعادة نسخها وقراءتها هو قيمتها الأدبية أكثر من عمق رؤيتها التاريخية أو دقة تحليلها -مع استثناء شهير واحد هو ثوسيديديس. ولذلك، لم يكن ثمة ما يدعو إلى الاستغراب في أن يكون غيبون كاتباً شديد السلاسة والقدرة على اجتذاب القارئ عن وعي وقصد؛ حيث كان ذلك جزءاً من تقاليد هذا الفن.
لكن ما ميّز غيبون حقاً هو جمعه بين الطلاقة الأدبية وسهولة الأسلوب من جهة، والعناية الصارمة بما يمكن تسميته "الأدوات الأساسية" لحرفة المؤرخ من جهة أخرى. وهناك مؤلَّف لغيبون يجسد هذه الصرامة بطريقة مثالية، وإن كان قليل القراءة، هو كتابه "التبرئة" Vindication الصادر في العام 1779. وقد كتبه دفاعاً عن بعض المقاطع الواردة في الفصلين الخامس عشر والسادس عشر من المجلد الأول من "اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية"، وهي المقاطع التي أثارت اعتراضات حادة من نقاد مسيحيين متدينين رأوا فيها دليلاً على أن غيبون كان، في الحقيقة، ملحداً. وقد رد عليهم بقوة، متجنباً بذكاء الخوض في القضية اللاهوتية نفسها، وتعامل مع هجماتهم باعتبارها ليست موجهة إلى معتقده الديني، وإنما إلى أمانته بوصفه مؤرخاً. وسنعود إلى هذه النقطة لاحقاً.
تحيط بهذه المسألة قضية علمية مستقلة تتعلق بطبيعة المؤرخ الذي كانه غيبون. هل كان نسخة من نمط القرن الثامن عشر للمؤرخين الكلاسيكيين القدماء مثل مؤرخه المفضل، المؤرخ الروماني للإمبراطورية وسياسات الأسرة اليوليو-الكلودية، تاسيتوس؟ هذا هو الرأي الذي تبناه الباحث النيوزيلندي الكبير المتخصص في تاسيتوس، رونالد سايم. أم أنه كان واحداً من أوائل المؤرخين "الحديثين" بالمعنى الجديد للكلمة، أي من مؤرخي "عصر التنوير" الذين تجاوزوا التاريخ العسكري والسياسي والدبلوماسي الضيق ليتناولوا التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والفكري -وقبل كل شيء التاريخ الثقافي؟ ذلك هو الرأي الذي دافع عنه المؤرخ الإيطالي البارز للفكر والثقافة، أرنالدو دانتي موميليانو، الذي اضطر إلى الهجرة من بلاده. ويقترب رأيي الشخصي من الرأي الثاني أكثر من الأول، وإن كان من السهل أن نرى كيف تتدخل الأجندات الشخصية، بطريقة لا مفر منها، في صياغة أحكام يُفترض أنها موضوعية.
كما أشرتُ ضمناً من قبل، لم تكن هناك إمبراطورية رومانية واحدة، بل ثلاث إمبراطوريات على الأقل. وتحتاج كل إمبراطورية، أيّاً كانت (وكلمة إمبراطورية في اللغات الأوروبية مشتقة من الكلمة اللاتينية imperium التي تعني "السلطة العليا")، إلى عاصمة. وكانت روما، "المدينة الخالدة" التي تأسست في القرن الثامن قبل الميلاد، هي عاصمة الإمبراطورية التي بسط الرومان سيطرتهم من خلالها أولاً على معظم إيطاليا، ثم على القسم الأكبر من عالم البحر المتوسط، وامتد نفوذها إلى بريطانيا غرباً، وإلى بارثيا (إيران) شرقاً لفترة أقصر، في الفترة بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي. ثم انقسمت هذه الإمبراطورية في القرن الرابع الميلادي إلى قسمين: إمبراطورية غربية ناطقة باللاتينية؛ وإمبراطورية شرقية ناطقة باليونانية اتخذت من عاصمتها الجديدة، "روما الجديدة"، أي القسطنطينية (التي سميت على اسم الإمبراطور قسطنطين الأول، أول الأباطرة المسيحيين الأرثوذكس الكاثوليك)، مقراً للحكم. وبعد ذلك، وكما سبق أن ذكرنا، انتهت الإمبراطورية الغربية فعلياً في العام 476م. ولم يكن اسم آخر أباطرتها -الذي لم يكن سوى صبي صغير- ليكون أكثر دلالة: رومولوس أوغستولوس؛ كان "رومولوس" هو مؤسس روما الأسطوري، و"أوغستولوس" تعني "أوغسطس الصغير" -في إشارة إلى أغسطس، أول أباطرة روما.
لكن ذلك لم يكن نهاية الإمبراطورية "الرومانية" -أو أي إمبراطورية رومانية في الحقيقة. كان البيزنطيون، كما نسميهم اليوم، يسمون أنفسهم بفخر "الرومان" (Rhomaioi باليونانية)، واستمروا في الحكم من القسطنطينية في عهد أباطرة مثل جستنيان وباسيل الثاني، الملقب بـ"قاتل البلغار" (حكم بين 976 و1025)، وغيرهما كثير، حتى مع استمرار تقلص أراضيهم تدريجياً إلى أن استسلم الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر باليولوجوس نهائياً للسلطان العثماني محمد الثاني الفاتح في العام 1453. أيُّ إمبراطورية، إذن، هي التي كان غيبون يسعى إلى تفسير انحدارها وسقوطها؟ هل كانت الإمبراطورية الغربية منذ "عصر الأباطرة الأنطونيين" (96-180م) حتى العام 476م؟ ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا واصل سرد تاريخ "الإمبراطورية الرومانية" وتفسيره لما يقرب من ألف عام إضافية؟
سوف أعود إلى هذه النقطة لاحقاً. ولكن دعونا نتوقف أولاً عند فكرة "العظمة المفرطة"، التي رأى غيبون أنها كانت سبب سقوط الإمبراطورية. من طبيعة الإمبراطوريات أن تسعى إلى التوسع. وكلما ازدادت حجماً ازداد ميلها إلى التمدد المفرط إلى أن تبلغ حجماً يمكن الدفاع عنه -أو قريباً من ذلك. لكنّ الحالة الرومانية كانت استثناءً؛ حيث كان الرومان يعتقدون أن موافقة الآلهة -بل موافقة جوبيتر نفسه- مُنحت لهم مسبقاً لتوسيع إمبراطوريتهم توسعاً "لا نهائياً" -أي بلا حدود حرفياً. وكلما اتسعت رقعة الإمبراطورية، اتسعت معها أيضاً حدود الحرم المقدس لمدينة روما نفسها، المعروف باسم البوميريوم pomerium.
كانت تلك هي الأيديولوجيا. أما في الواقع، فلم يحتل الرومان قلب الإمبراطورية الفارسية القديمة -أي إيران- إلا لفترة وجيزة، ولم يمدوا سلطانهم imperium غرباً إلى جزيرة هيبرنيا -أي إيرلندا. كما أنهم لم ينجوا من إحدى المشكلات الملازمة لكل إمبراطورية، وهي وجود أعداء يتربصون بها في ما وراء حدودها. ولهذا السبب، أقدم يوليوس قيصر أولاً، بتردد، ثم الإمبراطور كلوديوس لاحقاً، بصورة حاسمة، على عبور المضيق الفاصل بين بلاد الغال وبريطانيا، فغزوا إنجلترا وويلز، ثم جنوب إسكتلندا حتى السور الأنطوني.
هل كان ذلك مثالاً على "العظمة المفرطة"؟ نعم، إلى حد كبير. بعد التوسع الهائل الذي تحقق في عهد أغسطس، الذي أوصى بحكمة خليفته تيبيريوس بألا يفكر حتى مجرد تفكير في توسيع الإمبراطورية أكثر، اتضح بعد نحو ثلاثة قرون أن هذه الإمبراطورية أصبحت أضخم من أن تُحكم كوحدة واحدة، فانقسمت إلى قسمين. ومع ذلك، لم تكن قد شارفت على نهايتها بعد؛ فقد واصلت الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، ثم الإمبراطورية البيزنطية، صراعهما من أجل البقاء حتى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وكادت تشكل، من حيث طول عمرها، "رايخاً دام ألف عام".
شهد عاما 68 و69م ما عُرف بـ"عام الأباطرة الأربعة" -في علامة لم تكن تبشر بمستقبل مستقر. لكن القرن الثالث الميلادي، سنوات المئتين، يُعد بعد المرحلة المستقرة نسبياً في عهد الأباطرة الأنطونيين نقطة التحول الحاسمة في تاريخ الإمبراطورية الغربية. فقد تنافس عدد من الرجال الذين لم يكونوا على قدر كبير من الكفاءة، على اعتلاء العرش، وخاضوا صراعات عسكرية فعلية ضد بعضهم بعضاً، وهو ما كلف الإمبراطورية بأسرها أثماناً باهظة. واستمر هذا الوضع حتى اعتلاء ديوكلتيانوس العرش في العام 284م، وهو رجل ينحدر من إقليم كان الرومان يسمونه "دالماسيا". ولم يشيد قصره في روما أو بالقرب منها، بل في موطنه المطل على البحر الأدرياتيكي -في مكان يُعرف باسم "سبالاتوم"؛ "سبليت" في كرواتيا اليوم.
في الواقع، كان "الانقسام" بالضبط هو ما أخذ يطبع نظام حكم الإمبراطورية في أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع. وبدلاً من وجود الأمير الأول Princeps حاكماً أوحد، أصبحت روما "تنعم" بأربعة حكام يتقاسمون السلطة بدرجات متفاوتة من النفوذ، ومن هنا جاءت تسميتهم اليونانية: الحكام الرباعيون Tetrarchs.
رأى ديوكلتيانوس أن من أفضل السبل إلى توحيد الإمبراطورية أو إعادة توحيدها هو توحيدها دينياً، ولذلك أطلَق ما عُرف بـ"الاضطهاد الكبير" للمسيحيين، وهو أشبه بحملة صليبية معكوسة. لكنّ هذه السياسة ارتدت عليه بصورة مدوية: أخذ الوثنيون، الذين كان معظمهم يعيش في الأرياف والقرى، يفقدون مواقعهم أمام مختلف الجماعات المسيحية التي ازدهرت في المدن والحواضر. وهكذا تحقق، في نهاية المطاف الانتصار العسكري والروحي لكل من قسطنطين الكبير (حكم بين 312 و337م) وخلفائه -وفي مقدمتهم ثيودوسيوس الأول، الملقب أيضاً بـ"الكبير" (حكم بين 379 و395م)، الذي حظر الوثنية رسمياً.
كان هذا هو ما قصده غيبون بـ"انتصار الدين". لكنه لم ير فيه شأناً محموداً؛ واعتقد أنه أسهم في ترسيخ التعصب وعدم التسامح، بينما كان غيبون يرثي زوال النظام الوثني القديم القائم على تعدد الآلهة. وفي فصل لاذع عن نشأة الرهبنة، كتب عبارته الشهيرة التي قال فيها إن القديس تيليماخوس -الراهب الذي قُتل عندما حاول التدخل لإيقاف إحدى مباريات المصارعين في مدرج الكولوسيوم في روما- كان الراهب الوحيد الذي مات "في سبيل الإنسانية".
وماذا عن "الهمجية"؟
من الغريب، إلى حد ما، أن غيبون لم يكن شديد العداء لها. أو، بعبارة أخرى، كان قادراً على أن يرى فضائل عظيمة لدى بعض "البرابرة"، مثل الملكة زنوبيا ملكة تدمر في سورية؛ أو حتى القائد المغولي جنكيز خان. وفي المقالة التأملية التي اختار أن يختم بها المجلد الثالث، وعنوانها "ملاحظات عامة حول سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب"، أشار إلى أن كثيراً من البرابرة الذين تدفقوا إلى الإمبراطورية من وراء حدودها لم يلبثوا أن استقروا فيها طوعاً، وأصبحوا مع مرور الوقت "مسترومنين" -أي أنهم اندمجوا في الحضارة الرومانية وتبنوا ثقافتها.
تناول غيبون في الحقيقة إحدى موجات الطاعون التي ضربت الإمبراطورية الرومانية بوصفها ظاهرة تاريخية ذات آثار سلبية بالغة، لكنه قصد بذلك "الطاعون الدبلي" الذي تفشى بين العامين 541 و549م، في عهد الإمبراطور جستنيان (527-565) الذي كان يحكم من القسطنطينية. أما طاعون الأنطونيين، وهو وباء الجدري الذي اندلع في العام 165م وبلغ ذروته بعد نحو عقدين في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس، فقد تجاوزه غيبون تقريباً من دون اهتمام يُذكر، لأن التوسع في الحديث عنه كان سيقوض أطروحته التي كانت في جانب منها أيضاً استعارة أدبية مستوحاة من نصوص سابقة. وكانت فكرتها أن عهد الأباطرة الأنطونيين كان المرحلة التي بلغت فيها أحوال الجنس البشري -أو على الأقل ذلك الجزء منه الذي كان يعنيه- أقصى درجات السعادة والازدهار. وكان ما اعتبره غيبون أكثر دلالة على "الانحدار"، فكان التحلل الداخلي في بنية الإمبراطورية نتيجة تآكل فضائلها المدنية والأخلاقية -وهو تآكل عزاه، بدرجة كبيرة، إلى تبني الدولة رسمياً لقيم مسيحية رآها لا إنسانية، بل ومجافية للرحمة أيضاً.
سبقت الإشارة إلى الفصل الذي خصصه لنشأة الرهبنة، وكيف رأى فيها تجسيداً لـ"الانحدار" الأخلاقي والروحي. وهناك فصلان آخران يتناول كل منهما العالم الخارجي من زاوية مختلفة تماماً، واللذان يستحقان اهتماماً خاصاً.
لعل كثير منا، نحن الأوروبيين، يوافق على أن أحد أعظم الإنجازات السياسية والثقافية التي خلفها الرومان كان نظامهم القانوني؛ وبصورة أدق قانونهم المدني -القانون الذي ينظم شؤون المواطنين الرومان. وعلى خلاف المدن اليونانية في معظم مراحل تاريخها، كان الرومان أكثر سخاءً بكثير في منح المواطنة للغرباء، سواء لأولئك الذين وفدوا للإقامة داخل مدينة روما التي كانت تتسع باستمرار، والتي تجاوز عدد سكانها المليون نسمة في السنوات الأولى من الألفية الميلادية الأولى، أو لأولئك الذين ظلوا يعيشون في أوطانهم الأصلية، لكنهم أُدخلوا ضمن "الأسرة" الرومانية الكبرى بمنحهم حق المواطنة لقاء خدمات عسكرية أو سياسية، على سبيل المثال. ومن أبرز الخصائص التي امتازت بها روما أن نسبة كبيرة من مواطني عاصمتها كانوا من العبيد المحررين، رجالاً ونساءً، ومن أبنائهم وأحفادهم.
في القرن السادس الميلادي، كلف الإمبراطور جستنيان رجل القانون، تريبونيان، بوضع تنظيم منهجي ومتدرج وذي طابع تاريخي لكامل منظومة القانون المدني الروماني. وكانت النتيجة هي "مجموعة القانون المدني" Corpus Iuris Civilis، التي صيغت باللاتينية، والتي شكلت موضوع الفصل الرابع والأربعين من كتاب غيبون. ولكن، هل كانت هذه المدونة القانونية تستحق كل هذا الإعجاب؟ في نظر غيبون، لم تكن المدونة أكثر من تجميع للنصوص، ولم يكن تريبونيان سوى متملق مطيع لسيده الإمبراطور. والأهم من ذلك، هل نجح هذا المشروع الضخم لتقنين القوانين في وقف تراجع الإمبراطورية الرومانية البيزنطية -أو حتى الحد منه؟ في رأي الكاتب، يحمل السؤال جوابه في طياته.
كان الفصل الخمسون مختلفاً تماماً. بعد أن قرر غيبون مواصلة السرد إلى ما بعد العام 476م، أدرك بحكم ميله إلى الإحاطة الشاملة بالموضوع أن عمله لا يمكن أن ينتهي إلا بسقوط القسطنطينية في يد العثمانيين الذين خلفوا السلاجقة، وكانوا في السياق التاريخي الأوسع امتداداً للخلافة الإسلامية الأولى التي قامت في القرن السابع عقب وفاة النبي محمد مباشرة. ولذلك كان عليه أن يفسر نشأة ثالث الديانات العالمية الكبرى بعد اليهودية والمسيحية، الإسلام، وأن يواجه مباشرة واحدة من أقدم الإشكاليات في فلسفة التاريخ، وهي مدى إسهام الأفراد في "صنع" التاريخ.
لذلك ركز الفصل الخمسون على حياة النبي محمد (نحو 570-632م) ومسيرته، وعلى شبه الجزيرة العربية، وهي منطقة لم يخضع سوى جزء منها ذات مرة لسلطة الرومان أو البيزنطيين. وجاء حكم غيبون متوازناً في بعض جوانبه، لكنه انتهى في المحصلة إلى موقف سلبي؛ رأى في النبي محمد متحمساً دينياً على أبعد تقدير. وفي نظره، كان الأثر المادي الذي أحدثه ظهور الإسلام في الإمبراطورية البيزنطية، وما ترتب عليه من تقلص نفوذها، شيئاً لا يمكن إنكاره.
هناك اقتباس من الفصل الثالث يقول فيه غيبون -بشيء من السخرية على الأرجح- إن التاريخ "ليس أكثر قليلاً من سجل لجرائم البشر وحماقاتهم ومصائبهم". ويظهر في ذلك صدى فولتير، الذي كان غيبون يكن احتراماً كبيراً لفلسفته التنويرية، لكنه كان ينظر نظرة متدنية إلى منهجه في كتابة التاريخ. وكانت آفاق غيبون التاريخية بصورة واضحة ذات طابع هيرودوتي وليس ثوسيديدياً؛ حيث كانت تشمل العلوم، والاقتصاد، والديموغرافيا -وقبل كل شيء البحث الأدبي والنقد النصي، إلى جانب الحرب والسياسة.
بالإضافة إلى مصادره المفضلة من المؤرخين القدماء، ابتداءً من هيرودوت وصولاً إلى تاسيتوس، اعتمد غيبون على حشد هائل من الدراسات الوسيطة واللاحقة، وعلى أعمال أولئك العلماء الموسوعيين érudits الذين كان فولتير يتظاهر بازدرائهم، ومن بينهم مابيون، وتيلمون، وموراتوُري، ومؤرخو ماغديبورغ المئويون Centuriators of Magdeburg. لكنّ مكانة خاصة، من حيث تأثيرها في غيبون، يجب أن تُمنح لكتاب الأب دي لا بلوتيري الصادر في العام 1735 عن حياة الإمبراطور يوليان (المرتد عن المسيحية). كان موقف غيبون من يوليان موقفاً ملتبساً، وهي نقطة استطاع شاعر الإسكندرية اليوناني وعاشق غيبون في العصر الحديث، قسطنطين كافافي، أن يستثمرها أدبياً بشكل واسع.
ما الدروس التي يحملها تأريخ غيبون لقراء اليوم؟ وإلى أي مدى يهم فقدان النخب للفضيلة بوصفه عاملاً محتملاً -وربما مهماً- من عوامل الانحدار؟
من السهل نسبياً تحديد النخب المبدعة في أي ثقافة أو مجتمع أو حضارة معاصرة. لكن الأصعب بكثير هو تحديد ما ينبغي اعتباره أهم فضائلها؛ سواء كانت فضائل فكرية، أو أخلاقية، أو اجتماعية، أو حتى (بالمعنى المجرد) تكنولوجية.
في عالمنا، أو في جزء كبير منه اليوم، يبدو أن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، وعلى رأسها التكنولوجيا الرقمية القائمة على الحوسبة، هي التي تهيمن على المشهد، متجاوزةً بكثير الأحكام الأخلاقية والقيمية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي، مثل الإيمان بالقيمة الإيجابية لأشكال الديمقراطية القائمة على المشاركة الفاعلة.
ويبدو لي أن هذا ليس مجرد خطأ جسيم في تصنيف الأولويات، بل هو أيضاً وصفة مضمونة -نعم- لانحدار الحضارة وسقوطها في نهاية المطاف.
 
*بول كارتليدج Paul Cartledge: أستاذ فخري للثقافة اليونانية في جامعة كامبريدج. يحمل درجة الدكتوراة من جامعة أكسفورد. كان مستشاراً في سلسلة "هيئة الإذاعة البريطانية" بعنوان "الإغريق: بوتقة الحضارة" The Greeks: Crucible of Civilization، التي قدمها ليام نيسون. كما كان مستشاراً في سلسلة القناة الرابعة (Channel 4) بعنوان "الإسبرطيون" The Spartans التي قدمتها بيتاني هيوز. يحمل الصليب الذهبي من وسام الشرف في اليونان القديمة، كما مُنح لقب المواطن الفخري لمدينة إسبرطة. من بين كتبه الأساسية: "الإسكندر الأكبر"؛ و"الديمقراطية: حياة"؛ و"طيبة: المدينة المنسية في اليونان القديمة"؛ و"الإسبرطيون: تاريخ ملحمي"؛ و"اليونان القديمة: تاريخ في إحدى عشرة مدينة"، وغيرها من المؤلفات.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How civilisations fall, according to Gibbon
 
هامش:
**إدوارد غيبون Edward Gibbon (1737–1794): مؤرخ ومفكر إنجليزي بارز، من أبرز مؤرخي القرن الثامن عشر ومن رواد الكتابة التاريخية الحديثة. اشتهر بكتابه الضخم "تاريخ اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية" The History of the Decline and Fall of the Roman Empire، الذي صدر في ستة مجلدات بين 1776 و1789، وتناول تاريخ الإمبراطورية الرومانية منذ القرن الثاني حتى سقوط القسطنطينية في العام 1453. تميز أسلوبه بالنقد التاريخي الصارم، والتحليل السياسي والاجتماعي، والنظرة النقدية للمؤسسات الدينية والسلطة الإمبراطورية، ولا يزال عمله من كلاسيكيات الفكر التاريخي الغربي.