التلفزيون الأردني ليس قابلاً للخصخصة.. فهناك أشياء لا تُقاس بالربح والخسارة*معاذ البطوش
الدستور
يبدو الحديث عن خصخصة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردني، للوهلة الأولى، منطقياً إذا ما جرى التعامل معه بلغة الأرقام وحدها؛ فموازنة المؤسسة تقدر بنحو 32 مليون دينار مقابل عوائد تجارية لا تتجاوز نحو 2.5 مليون دينار، لكن المؤسسات الوطنية لا تقاس جميعها بما تحققه من إيرادات فثمة مؤسسات تقوم بوظائف استراتيجية لا يمكن وضعها في ميزان الربح والخسارة، لأن مردودها الحقيقي يظهر في أمن الدولة واستقرارها وتماسك مجتمعها ووعي مواطنيها، ومن هذا المنطلق فإن السؤال الأهم ليس كم يربح التلفزيون الأردني، وإنما ماذا نخسر إذا أصبح الإعلام الوطني خاضعاً بالكامل لمنطق السوق؟.
مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بكل إذاعاتها وشاشاتها ليست شركة تجارية هدفها الأساسي تحقيق الأرباح، وإنما مؤسسة إعلامية وطنية تحمل رسالة ومسؤولية تجاه المجتمع والدولة، ودورها لا يقتصر على نقل الأخبار أو تقديم البرامج بل يمتد إلى التوعية والتثقيف وتعزيز الانتماء الوطني والحفاظ على منظومة القيم والموروث الاجتماعي والثقافي والديني للأردنيين، ولذلك فإن تطوير المؤسسة وتحسين إدارتها وتعظيم مواردها ورفع مستوى إنتاجها ومواكبة التحول الرقمي كلها مطالب مشروعة وضرورية، لكن ذلك لا يعني تحويلها إلى مشروع تجاري يكون معيار نجاحه الأول حجم الأرباح والإعلانات والمشاهدات.
وتبرز أهمية الإعلام الوطني بصورة أكبر في ظل اتساع الفضاء الرقمي وتعدد المنصات والقنوات التي تدخل إلى البيوت دون رقابة أو حدود، وفي هذه البيئة تصبح الشاشة الوطنية الآمنة جزءاً من منظومة حماية الأسرة، ولا سيما الأطفال والمراهقين والشباب من المحتوى الذي قد يحمل العنف أو التطرف أو التشدد أو السلوكيات التي تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية للمجتمع الأردني، وقد يختلف الأردنيون في تقييم بعض برامج التلفزيون الأردني أو مستوى بعض إنتاجه لكن وجود شاشة يعرف المواطن أنها تعمل وفق مسؤولية وطنية وليس وفق قاعدة «المشاهدات بأي ثمن» يمنح الأسرة مساحة من الاطمئنان لا توفرها بالضرورة كل المنصات الأخرى.
فالأسرة الأردنية عندما تترك أبناءها أمام التلفزيون الأردني لا تنظر فقط إلى البرنامج الذي يعرض، وإنما إلى الجهة التي تقف خلف الشاشة والمعايير التي تحكم ما يقدم عليها، وفي المقابل فإن متابعة الأبناء لمحتوى مفتوح عبر قنوات ومنصات تجارية محلية أو عربية أو عالمية تضع الأسرة أمام سؤال دائم حول طبيعة ما يشاهدونه لأن جزءاً من صناعة المحتوى الحديثة تحكمه المنافسة على الجمهور والإعلان والعائد المالي، ومن هنا فإن وجود إعلام وطني مسؤول لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئاً مالياً على الدولة، وإنما باعتباره استثماراً في الإنسان الأردني وفي وعي الأجيال المقبلة وتماسك المجتمع.
كما أن دعم الدولة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الأردنية «بترا» لا يعني أنها مطالبة بتحقيق أرباح تجارية؛ فالمؤسسات الإعلامية الوطنية تحتاج إلى مساحة من الاستقلال عن ضغوط رأس المال والمصالح التجارية حتى تتمكن من أداء رسالتها العامة، وهذا لا يعفيها من ضرورة رفع الكفاءة، وترشيد الإنفاق، وتطوير المحتوى، والاستفادة من التكنولوجيا، بل على العكس فإن كل ذلك مطلوب، لكن التطوير شيء والخصخصة شيء آخر، كما أن تطوير المؤسسة لا يعني التخلي عن وظيفتها الوطنية.
إن التلفزيون الأردني ليس مجرد قناة يمكن قياس نجاحها بعدد الإعلانات أو نسب المشاهدة، وإنما هو جزء من الذاكرة الوطنية وصوت الدولة وشاشة دخلت بيوت الأردنيين لعقود طويلة، لذلك فإن أي نقاش حول مستقبل المؤسسة يجب أن ينطلق من سؤال أكبر من الأرباح: كيف نحافظ على إعلام وطني قادر على حماية وعي المجتمع ومواكبة العصر في الوقت نفسه؟ فالربح الحقيقي للتلفزيون الأردني ليس ما يدخل خزينته من الإعلانات، وإنما ما يتركه في وعي المواطن من معرفة، وفي الأسرة من اطمئنان، وفي المجتمع من تماسك.