عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Mar-2026

غزة.. كيفية البقاء حين يُصبح الغذاء سلاحا؟*محمود خطاطبة

 الغد

ما يجري في قطاع غزة اليوم، يكشف عن تحول أكثر قسوة وتعقيدًا، عبر استهداف المُجتمع نفسه من خلال التحكُم في غذائه، إذ لم يعُد الحصار الصهيوني أداة ضغط كما كان يُسوق للعالم، بل سياسة مُمنهجة تُدار بتفاصيل دقيقة، حيث تحسب الكميات وتنتقى الأنواع ويُعاد تعريف الحد الأدنى لما يُمكن أن يبقي الغزّي على قيد الحياة.
 
 
في قلب هذه المُعادلة، يقف مُجرم الحرب بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية ما ارتكب في غزة ليس فقط كصانع قرار، بل كمُهندس لسياسة تتجاوز ميدان القتال إلى إدارة شروط البقاء نفسها، فتجويع الأهالي، ومهما كان القياس باطلًا، فهو ليس أثرا جانبيا للحرب، بل أداة ضمن أدواتها تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والنفسي لسكان القطاع.
ومنذ اندلاع الحرب على إيران، دخلت غزة مرحلة أكثر قسوة من العُزلة، إذ أغلق الاحتلال الإسرائيلي مُعظم المعابر، ولم يبق سوى منفذ واحد تركزت فيه حركة البضائع والمُساعدات، وكأن شريانًا وحيدًا تُرك ليحمل ما تبقى من حياة إلى أكثر من مليوني إنسان، غير أن هذا الشريان لم يكن كافيًا، لا من حيث الكميات ولا من حيث الانتظام، ما جعل السوق المحلي يعيش حالة اختناق مُستمرة.
شهادات مُرعبة، يرويها الأهالي عن الأسعار التي ارتفعت بشكل وحشي، بسبب الاختلال العميق بين العرض والطلب، فحين تتقلص الواردات إلى الحد الأدنى، ويتزايد الطلب في بيئة مُحاصرة يتحول الغذاء من سلعة مُتاحة إلى فُرصة نادرة للبقاء.. وفي هذه اللحظة لا يعود السؤال: كم يبلغ سعر السلعة؟، بل: هل هي موجودة أصلًا؟.
وعلينا ألا ننسى أن ما سمح الاحتلال بدخوله من بضائع حتى بعد استئناف جُزئي للحركة التجارية، لم يقترب من الحد الأدنى المُتفق عليه في تفاهمات سابقة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، فالكميات التي دخلت لم تتجاوز في أفضل الأحوال جُزءًا محدودًا مما كان يُفترض إدخاله، وهو ما يعني أن الأزمة لم تكن نتيجة ظرف طارئ، بل نتاج قرار مُستمر بتقييد الحياة، خاصة أنه ومع كُل إغلاق مُتكرر للمعابر، كانت الفجوة تتسع ويتحول النقص إلى حالة دائمة.
في هذا السياق، يعود شبح المجاعة لا بوصفه احتمالًا نظريًا، بل كواقع يقترب تدريجيًا، فالأُسر التي كانت تعتمد على مُساعدات محدودة، وجدت نفسها أمام خيارات أكثر قسوة، حيث يُصبح تقليص الوجبات أو الاستغناء عن عديد المواد الأساسية جُزءا من الحياة اليومية.
ومع مرور الوقت لا تبقى الأزمة اقتصادية فقط، بل تتحول إلى أزمة إنسانية مُركبة، تمس الصحة والتعليم والاستقرار الاجتماعي الذي تعرض لهجمة وحشية طوال سنتي الحرب، غير أن ما يجعل هذه الصورة أكثر وحشية هو أن التجويع حين يُستخدم بهذه الطريقة لا يترك أثره فقط على الحاضر بل يمتد إلى المُستقبل، فنحن نتحدث عن أجيال تنشأ في بيئة تُعاني من نقص التغذية، واقتصاد يُعاد تشكيله تحت ضغط النُدرة، ومُجتمع يعيش في حالة دائمة من القلق الوجودي.
إذن، الاحتلال يتعمّد إعادة تشكيل قسرية لشروط الحياة، في حين كان يُمكن لمسار آخر أن يتشكل، مسار تُحترم فيه القواعد الإنسانية، التي وضعت أصل حماية المدنيين في أوقات الحرب، مثل إدخال المُساعدات بشكل مُنتظم وفتح المعابر، وضمان تدفق السلع الأساسية، وكُلها كانت خطوات مُمكنة وليست مُستحيلة، لكن اختيار مسار الحصار والتضييق يعكس رؤية مُختلفة ترى في الضغط على المُجتمع وسيلة لتحقيق أهداف لا يُمكن تحقيقها في الميدان وحده.
في النهاية، ما يحدث في غزة اليوم يتجاوز كونه أزمة إمدادات أو خللًا في السوق، بل نموذج لحرب تُدار بوسائل غير تقليدية، حيث يتحول الغذاء إلى أداة، والجوع إلى رسالة.. وفي هذه المُعادلة لا يكون الأهالي مُجرد ضحايا، بل يُصبحون ساحة المواجهة نفسها. 
إن استمرار هذه السياسة لا يعني فقط إطالة أمد المُعاناة، بل يضع العالم أمام اختبار أخلاقي وسياسي في آن واحد: هل يسمح بأن يتحول الجوع إلى أداة مشروعة في الصراعات، أم أن هُناك حدًا لا يُمكن تجاوزه؟.. ومع ذلك وحتى الآن يبدو أن هذا الحد قد تم تجاوزه بالفعل، تاركًا غزة في مواجهة يومية مع سؤال بسيط وقاس: كيف يُمكن البقاء حين يُصبح الغذاء نفسه سلاحًا؟.