عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Jun-2026

الستون يوما.. اختبار التفاوض وإستراتيجية التلويح بالفوضى*د.عامر سبايلة

 الغد

بدأ امتحان الستين يوماً مع توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، لا مع انطلاق المفاوضات التقنية. فمنذ اللحظة الأولى، حرص الرئيس الأميركي على إبقاء خيار القوة حاضراً في خطابه السياسي، في رسالة واضحة مفادها أن التفاوض لا يلغي أدوات الضغط، بل يضعها بخدمة تثبيت نتائجه، وأن أي تفاهم سياسي سيظل محكوماً بميزان الردع الذي فرضته واشنطن خلال المرحلة السابقة.
 
 
في هذا السياق، يبرز ملف الأموال الإيرانية المجمدة باعتباره أحد أهم مؤشرات المرحلة المقبلة. فآلية الإفراج عنها تبدو، بجوهرها، أقرب لنموذج "النفط مقابل الغذاء"، ولا سيما مع تأكيد الرئيس الأميركي أن هذه الأموال ستخصص لشراء مواد غذائية أميركية، بما يعكس رغبة واشنطن في إبقاء الرقابة على مسار الإنفاق وتحويل الملف المالي لأداة ضغط مستمرة، لا إلى خطوة لبناء الثقة أو إعادة دمج إيران اقتصادياً بصورة كاملة.
في المقابل، دخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بقوة إلى المشهد النووي الإيراني، مع توقع بدء جولات تفتيش ميدانية قريباً، ما يعني أن البرنامج النووي لم يعد ملفاً ثنائياً بين طهران وواشنطن، بل قضية دولية تخضع لرقابة مؤسساتية تضيف مستوى جديداً من التعقيد لمسار التفاوض.
ورغم الرفض الإيراني المعلن لبعض الشروط الأميركية، فإن معركة التصريحات قد تختلف كثيراً عن طبيعة التفاهمات الفعلية. فواشنطن، رغم مرونتها في بعض الملفات، ما تزال تتمسك بثلاث ركائز رئيسية: البرنامج النووي، وآلية إدارة الأموال الإيرانية، والإبقاء على خيار القوة باعتباره الضامن النهائي لأي اتفاق. كما أن التباينات داخل الإدارة الأميركية، وحتى داخل الأوساط الجمهورية الداعمة للرئيس ترامب، لم تمنع استمرار التوافق على منع إيران من استثمار المفاوضات لإعادة إنتاج نفوذها الإقليمي أو إعادة بناء منظومة الردع التي تضررت خلال الأشهر الماضية.
من هذا المنطلق، جاءت الجولة الخليجية لوزير الخارجية ماركو روبيو لتؤكد أن المفاوضات لا تنفصل عن إعادة صياغة البيئة الأمنية بالإقليم. البيان الأميركي الخليجي المشترك أعاد التركيز على ملفات تتجاوز الاتفاق النووي، وفي مقدمتها نزع سلاح الجماعات المسلحة، وأمن الخليج، وحرية الملاحة، والبرنامج النووي الإيراني، بما يعكس سعياً أميركياً لتثبيت ترتيبات إقليمية موازية لمسار التفاوض، تحول دون استعادة إيران نفوذها عبر الساحات الإقليمية.
في المقابل، تمتلك إيران أوراقاً إقليمية متعددة، لكنها تبدو حريصة على توظيفها لتحسين موقعها التفاوضي أكثر من استخدامها لإفشال الاتفاق. وتبقى الساحة اللبنانية الورقة الأكثر حساسية، مع تقدم المساعي الأميركية لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفتح مسار تفاوضي مع إسرائيل يتناول مستقبل سلاح حزب الله. وفي الوقت نفسه، يحتفظ الحوثيون في اليمن بدور مماثل على مستوى أمن الملاحة بباب المندب، بما يمنح طهران قدرة على التأثير بمعادلات التهدئة والتصعيد دون تحمل المسؤولية المباشرة، ويجعل هذه الساحات أدوات ضغط قابلة للاستخدام كلما اقتضت الحاجة التفاوضية.
من هنا، تصبح المضائق البحرية جزءاً من استراتيجية التلويح بالفوضى. فإيران تلوّح باستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، إلا أن قدرتها على توظيف هذه الورقة تبقى محدودة زمنياً، لأن أي تصعيد طويل سيدفع المجتمع الدولي لتوسيع ترتيبات حماية الملاحة وفرض قواعد اشتباك أكثر صرامة، ما يقلص تدريجياً هامش المناورة الإيراني ويزيد كلفة الاستمرار في سياسة الضغط البحري.
لذلك، فإن اختبار الستين يوماً لن يُحسم داخل غرف التفاوض، بل على الأرض، حيث ستسعى إيران لاستخدام أوراقها الإقليمية لإعادة ترتيب الأولويات وتحسين شروط التفاوض، فيما ستسعى واشنطن لمنع تحويل هذه الأوراق إلى وقائع إستراتيجية جديدة. ومن لبنان إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي، لن يكون الامتحان الحقيقي هو ما يُكتب في نصوص الاتفاق، بل قدرة كل طرف على فرض موازين قوة جديدة قبل الوصول للتسوية النهائية، لأن مستقبل المفاوضات سيتحدد في نهاية المطاف بمدى نجاح كل طرف بترجمة أوراقه الميدانية لمكاسب سياسية على طاولة التفاوض.