عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Oct-2026

نيويورك تايمز: حرب ترامب على إيران سرعت من تفكك النظام الدولي وأعادت العالم إلى قوة الجغرافيا

 الغد

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرًا أعدته باتريشيا كوهين، قالت فيه إن العالم عاش عقودًا بدا خلالها وكأنه تجاوز قيود الجغرافيا.
 
 
 
فقد أصبحت المعلومات والأموال والسلع والميكروبات والأسلحة تتحدى المسافات؛ إذ يجري تبادل الأسرار والمكافآت المليارية في لمح البصر، وتصل الهواتف الذكية وثمار اليوسفي والصنادل إلى عتبة دارك قادمة من أقاصي الأرض، كما يمكن للصواريخ الباليستية عبور القارات في غضون دقائق.
 
 
إلا أن هذه المسلمات اليومية واجهت تحديًا كبيرًا بسبب الاضطرابات الاقتصادية العارمة الناجمة عن إغلاق مسار حيوي واحد للشحن والطاقة في الخليج العربي.
وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع إثر هجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران قبل سبعة أشهر، إلى ارتفاع أسعار الطاقة، كما ساهم في رفع أسعار الفائدة وتعطيل الإنتاج الصناعي حول العالم وتهديد المحاصيل الزراعية، وإشعال احتجاجات غاضبة امتدت من سوريا إلى غواتيمالا.
 
 
وها هي الجغرافيا تعود بقوة.
 
 
تقول شانون أونيل، النائبة الأولى للرئيس للدراسات، وصاحبة كرسي “موريس ر. غرينبرغ” في مجلس العلاقات الخارجية: “عندما نفكر في الاقتصاد العالمي أو الاقتصاد الحديث، غالبًا ما نغفل عن الآليات الأساسية التي تحركه، ألا وهي الخدمات اللوجستية؛ فالسلع لا تزال بحاجة إلى الانتقال من مكان إلى آخر”.
 
 
وتتسبب الصراعات والتغير المناخي في اضطرابات بهذا المجال.
 
 
وقد تمكنت دول وجماعات مسلحة لا تملك أدنى مقومات منافسة القوة العسكرية أو التكنولوجية أو الاقتصادية للولايات المتحدة من احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة إلى حد ما، وذلك ببساطة بفضل موقعها الجغرافي على الخريطة.
 
 
فقد عطلت إيران حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو الممر البحري الوحيد المؤدي إلى الخليج العربي وأهم نقطة اختناق لإمدادات الطاقة في العالم. كما سيطرت جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن على نقطة عبور حيوية أخرى، وهي مضيق باب المندب، الممر الضيق الواقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
 
 
وحتى الآن، ومع استئناف تدفق النفط عبر الخليج العربي، تم ذلك في الغالب باستخدام القوة، إذ تولت البحرية الأمريكية توجيه ناقلات النفط.
 
 
وتُعد هذه التوترات المتصاعدة تذكيرًا ملحًا بالأهمية البالغة لممرات العبور الرئيسية، مثل بحر الصين الجنوبي وقناة السويس، التي لا تزال تمارس تأثيرًا هائلًا على حركة التجارة، وبالتالي على رفاهية عشرات الملايين من البشر.
 
 
وفي الوقت نفسه، تجري إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية والاقتصادية للعالم بفعل التغير المناخي، الذي يعطل مسارات ملاحية قائمة منذ قرون ويرسم طرقًا جديدة عبر أرجاء الكوكب.
 
 
ففي هذا الصيف، أدى الجفاف إلى انخفاض منسوب المياه في مجاري مائية مثل نهري الراين والدانوب في أوروبا، ما أدى إلى اضطراب عمليات نقل البضائع وارتفاع تكاليف الشحن وتراجع الإنتاج الصناعي. كما هدد الجفاف إمدادات الكهرباء في المجر ورومانيا، اللتين تعتمدان على مياه الأنهار لتبريد المفاعلات النووية.
 
 
وفي أمريكا اللاتينية، فرضت الجهات المشغلة لقناة بنما، التي تمر عبرها نحو 40% من حركة حاويات الشحن الأمريكية، قيودًا على الملاحة بسبب انخفاض منسوب المياه، وهي مشكلة تفاقمت حدتها نتيجة ظاهرة “النينيو”.
 
 
وعلى بعد آلاف الأميال شمالًا، استغلت شركات الشحن الصينية مؤخرًا ارتفاع درجات حرارة المياه لتسيير أول رحلة تجارية منتظمة عبر المحيط المتجمد الشمالي. ومن شأن هذا التطور أن يزيد حدة المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهو ما تجسده بوضوح محاولة الرئيس ترامب الاستحواذ على جزيرة غرينلاند.
 
 
وتضيف الصحيفة أن النظام العالمي الذي تشكّل في حقبة ما بعد الحرب بدأ ينهار.
لطالما كانت الجغرافيا قوة مؤثرة في الشؤون العالمية. ففي القرن الخامس قبل الميلاد، استخدمت إسبرطة سيطرتها على مضيق الدردنيل لقطع إمدادات الحبوب عن أثينا خلال الحرب البيلوبونيسية.
 
 
غير أنه في عصرنا الحالي، وتحديدًا منذ اكتسبت العولمة زخمًا في تسعينيات القرن الماضي، غالبًا ما طغت التكنولوجيا على الجغرافيا.
 
 
لكن ذلك النظام الدولي كان يرتكز على رؤية تقوم على التعاون العالمي المتبادل المنفعة، وعلى منظومة من القواعد والقوانين التي بدأت تتآكل الآن.
 
 
وأصبحت المواجهة والإكراه أساليب مفضلة ومتّبعة بدلًا من أن تكونا الملاذ الأخير، كما انهارت الثقة حتى بين الحلفاء.
 
 
ويمكن اعتبار الخطاب الذي ألقاه ترامب أمام الأمم المتحدة الشهر الماضي بمثابة رثاء للرؤية الأكثر تفاؤلًا التي سادت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد قال عبارة “للغالب الغنائم” تعليقًا على قراره الاستيلاء على احتياطيات النفط الفنزويلية، وهو ما يجسد نهجه القائم على مبدأ “الفائز يستحوذ على كل شيء” في الشؤون العالمية.
 
 
لقد سرّع ترامب بوضوح وتيرة تفكك النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب، إلا أن جذور هذه الأزمة تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك.
 
 
فالشبكات ذاتها التي جعلت العولمة تحقق نجاحًا هائلًا هي التي خلقت أيضًا أنواعًا جديدة من نقاط الضعف واختلالات موازين القوى.
 
 
فخلال حقبة “العولمة المفرطة” التي بدأت في تسعينيات القرن الماضي، اعتمدت كل من الولايات المتحدة والصين، على سبيل المثال، بشكل متزايد على سيطرتهما على نقاط اختناق اقتصادية بدلًا من نقاط الاختناق المادية (الجغرافية).
 
 
 
فقد استخدمت الولايات المتحدة هيمنتها على النظام المالي العالمي لمعاقبة خصومها عبر تجميد الأصول أو قطع المعاملات التجارية، بينما استخدمت الصين مخزونها من المعادن الأرضية النادرة للضغط على منافسيها.
 
 
لذا، ربما لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن تسعى القوى الأضعف إلى إيجاد نقاط ضغط خاصة بها؛ ففي حالة إيران، تتمثل هذه النقطة في الجغرافيا. ويشير إدوارد فيشمان، وهو زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية، إلى أنه رغم خضوع إيران لعقوبات قاسية خلال العقدين الأول والثاني من الألفية الجديدة، فإنها لم تقترب قط من خطوة إغلاق مضيق هرمز.
 
 
يقول فيشمان، وهو دبلوماسي سابق: “أعتقد أن هذا الأمر يعكس مدى ابتعادنا عن نموذج العولمة السابق، لدرجة أن السمات الجغرافية نفسها باتت تُستخدم كسلاح. وأرى أن هذا الاتجاه سيستمر في المستقبل”.
 
 
وتُعد المواجهة العنيفة أحد الأساليب المتبعة، في حين يتمثل الأسلوب الآخر في الضغط المالي؛ إذ مارست إيران ضغوطًا على ملاك السفن لدفع رسوم مقابل المرور عبر مضيق هرمز.
 
 
ويضيف فيشمان: “هذا هو ما تسعى إيران لتحقيقه الآن من جوانب عدة: القدرة على تحقيق مكاسب مالية من حركة التجارة”.
 
 
ويثير هذا التهديد تساؤلات حول مبدأ حرية الوصول إلى الممرات المائية العالمية، وهو مبدأ كان يُنظر إليه باعتباره مسلّمة ثابتة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
 
ولطالما كانت الولايات المتحدة الضامن الفعلي لحرية الملاحة، إلا أن استعدادها للاستمرار في هذا الدور قد تراجع، في حين تشجعت قوى أخرى على تحديها.
 
 
وتواصل الصين استعراض قوتها في المياه المحيطة بتايوان، إذ تسيّر دوريات لتأكيد مزاعمها بشأن السيادة على البحار المحيطة بالجزيرة.
 
 
وتشغل كل من أوكرانيا وتايوان مواقع استراتيجية بالغة الأهمية.
 
 
ويرى هال براندز، الأستاذ في جامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب “مشهد القوة: الجغرافيا وصعود وسقوط الأمم”، أن إهمال عامل الجغرافيا كان نتاجًا لقصر النظر السياسي.
 
 
يقول براندز: “على مدى العقود الثلاثة الماضية تقريبًا، عملنا بناء على افتراضين خاطئين”. تمثل الأول في الاعتقاد بأن “الصراع على النفوذ بين القوى المتنافسة قد أصبح شيئًا من الماضي”. وارتبط ذلك بالافتراض الثاني، القائل بأن الابتكار قد محا فعليًا تأثير الجغرافيا وقيودها.
 
 
ويشير براندز إلى أن أوكرانيا ظلت بؤرة للصراع لأجيال عديدة، نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي الحيوي في القارة الأوراسية؛ فهي تشكل حلقة وصل بين القوى الأوروبية والآسيوية، وتتمتع بموانئ على البحر الأسود وأراضٍ خصبة للغاية.
 
 
وكذلك تايوان، فهي تقع في موقع محوري بين اليابان وإندونيسيا، وتُعد الركيزة الأساسية لسلسلة من الجزر الممتدة قبالة الساحل الصيني.
 
 
وبطبيعة الحال، لطالما تداخلت التكنولوجيا والصناعة والجغرافيا وتأثرت ببعضها بعضًا؛ فقد أدى تطوير البنية التحتية لاستخراج النفط ونقله في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية إلى تحويل مضيق هرمز من مجرد ممر عبور مفيد إلى نقطة اختناق حيوية للاقتصاد والطاقة.
 
 
وتدفع الاضطرابات المستمرة في طرق الشحن الرئيسية نحو البحث عن بدائل، مثل إنشاء المزيد من خطوط الأنابيب التي قد تعيد، على المدى الطويل، تشكيل الخرائط الاقتصادية والعسكرية، وهو ما سيحدث أيضًا نتيجة للتقدم التكنولوجي والتحولات في العلاقات التجارية.
 
 
وعلى أية حال، من المرجح أن يؤدي تداعي النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية إلى عالم يشهد صراعات متزايدة. وفي نظر براندز، ستلعب الجغرافيا دورًا متزايد الأهمية في “تشكيل مسار لك الصراعات”.-(وكالات)