عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Jun-2026

هندسة التعليم بالعصر الرقمي.. قراءة أكاديمية في كتاب أماني جرار

 الغد-عزيزة علي

 صدر للدكتورة الأردنية أماني غازي جرار كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان "إعادة تخيّل هندسة التعليم في العصر الرقمي: مسارات الابتكار في الأردن"، الذي يمثل إضافة نوعية للمكتبة التربوية العربية والدولية.
 
 
ويقدم الكتاب رؤية علمية شاملة لإعادة بناء المنظومة التعليمية في الأردن، في ضوء التحولات الرقمية المتسارعة، مستندًا إلى تحليل فلسفي وتربوي ومؤسسي يربط بين النظرية والتطبيق، ويستشرف مستقبل التعليم في القرن الحادي والعشرين.
ولا يقتصر الكتاب على تشخيص واقع التعليم والتحديات التي تواجهه، بل يطرح إطارًا فكريًا ومنهجيًا جديدًا يقوم على مفهوم "إعادة تخيّل هندسة التعليم" (Re-Imagineering)، بوصفه مدخلا استراتيجيا لإعادة صياغة أهداف التعليم، وبنيته المؤسسية، وبيئاته الرقمية، بما يعزز الابتكار، ويضع المتعلم في مركز العملية التعليمية، ويدعم بناء منظومة تعليمية قادرة على مواكبة التحولات العالمية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويأتي هذا الكتاب، في وقت يشهد فيه قطاع التعليم العالمي تحولات غير مسبوقة بفعل الثورة الرقمية والتطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة والتعلم الذكي، الأمر الذي أعاد تشكيل المفاهيم التقليدية للتعليم والتعلم، وفرض على الأنظمة التعليمية مراجعة فلسفاتها وأدوارها وآليات عملها.
وهنا، تبرز الحاجة إلى دراسات علمية رصينة تقدم تصورات متكاملة لإعادة تصميم التعليم، تستند إلى أسس فلسفية ومؤسسية وتكنولوجية، وتربط بين الخبرات العالمية والخصوصيات الوطنية، بما يساهم في بناء أنظمة تعليمية أكثر مرونة، وعدالة، وقدرة على الابتكار والاستدامة.
ويمثل هذا الإصدار إضافة علمية ومعرفية متميزة إلى النقاشات الوطنية والعالمية حول مستقبل التعليم، إذ يجمع بين العمق الفلسفي، والدقة المؤسسية، والرؤية التقنية في معالجة أبرز قضايا التعليم المعاصر، مستندًا إلى إطار فكري متكامل يستشرف متطلبات المرحلة المقبلة.
جاء الكتاب بأسلوب منهجي رصين، وصيغ باللغة الإنجليزية، متضمنًا خمسة فصول مترابطة تغطي مختلف الأبعاد النظرية والتطبيقية للتحول الرقمي في التعليم.
في الفصل الأول، تقدم المؤلفة قراءة معمقة لمفهوم التعليم في العصر الرقمي، موضحةً محدودية النماذج التعليمية التقليدية القائمة على التلقين، والحاجة إلى تبني فلسفة تعليمية جديدة ترتكز على الإبداع والابتكار، وتنمية مهارات التفكير النقدي، وبناء القدرات اللازمة للتعامل مع تحديات المستقبل.
أما الفصل الثاني، فيتناول مفهوم "إعادة تخيّل هندسة التعليم" (Re-Imagineering)، بوصفه مدخلًا استراتيجيًا لإحداث تحول شامل في المنظومة التعليمية، لا يقتصر على إدخال إصلاحات جزئية، بل يمتد إلى إعادة صياغة الغايات التربوية، والقيم الحاكمة، والأطر المؤسسية، والبنية التكنولوجية التي تقوم عليها العملية التعليمية، بما ينسجم مع متطلبات العصر الرقمي.
وفي الفصل الثالث، تنتقل المؤلفة إلى دراسة الحالة الأردنية، حيث تقدم تحليلاً معمقاً للواقع التعليمي، مستعرضةً أبرز الفجوات والتحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، وفي مقدمتها محدودية البنية التحتية الرقمية، والفجوة بين السياسات والتطبيق، وعدم تكافؤ الموارد والإمكانات بين المؤسسات التعليمية. وفي المقابل، تسلط الضوء على الفرص الواعدة التي أفرزتها التجربة الأردنية، ولا سيما ما اكتسبته المؤسسات التعليمية من خبرات خلال مرحلة التعلم عن بُعد التي فرضتها جائحة "كورونا"، مؤكدةً أهمية الانتقال من الاستجابة الظرفية إلى تبني نموذجا أكثر نضجاً واستدامة للابتكار التعليمي، ضمن إطار مؤسسي وطني متكامل.
أما الفصل الرابع، فيقدم أطرًا مستقبلية لتصميم التعليم الرقمي، مع التركيز على استراتيجيات دمج التكنولوجيا في المناهج الدراسية، وطرائق التدريس، وأساليب التقويم. كما يستعرض نماذج وتجارب عالمية يمكن تكييفها بما يتناسب مع السياق الأردني، ويبرز الإمكانات التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتعلم التكيفي في بناء بيئات تعليمية ذكية تتمحور حول المتعلم، وتستجيب لاحتياجاته الفردية وتدعم تعلمه المستمر.
فيما يرسم الفصل الخامس، خريطة طريق واضحة لتحقيق الابتكار المستدام في التعليم، على المستويين العام والوطني، مع التركيز على الحالة الأردنية. ويؤكد الفصل أهمية بناء شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء مختبرات وطنية للابتكار التربوي، إلى جانب تبني سياسات رقمية بعيدة المدى تكفل استدامة التحول التعليمي. كما يشدد على أن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي يظل مرهوناً بالاستثمار المستمر في إعداد المعلمين وتطوير كفاياتهم، وترسيخ ثقافة مؤسسية تشجع التجديد، والابتكار، والتجريب.
ويهدف الكتاب بحسب المؤلفة إلى تقديم إطار نظري وعملي متكامل، لفهم التحول الرقمي بوصفه ضرورة حضارية واستراتيجية، وليس مجرد خيار تقني. كما يسعى إلى إعادة تعريف دور المؤسسات التعليمية لتغدو منظومات تعلم مرنة ومتكاملة وقادرة على التكيف مع المتغيرات، فضلاً عن تعزيز الشراكات الوطنية والدولية بما يضمن استدامة السياسات والممارسات التعليمية. وفي الوقت ذاته، يوجه الكتاب دعوة واضحة للانتقال من الرقمنة الشكلية للمناهج والعمليات التعليمية إلى بناء بيئات تعلم مبتكرة، شاملة، ومرنة، قادرة على إعداد أجيال تمتلك المهارات والكفايات اللازمة لمواكبة تحولات القرن الحادي والعشرين.
وتتجلى أهمية هذا الكتاب في مستويات عدة مترابطة، فعلى الصعيد الوطني، يقدم خريطة طريق لإعادة تخيّل هندسة التعليم في الأردن بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، والتحول الرقمي، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وعلى الصعيد الأكاديمي، يثري الأدبيات التربوية بطرح مفهوم "Re-Imagineering"، بوصفه إطارًا فكريًا ومنهجيًا جديدًا يجمع بين إعادة التخيّل وإعادة هندسة النظم التعليمية ضمن رؤية فلسفية ومؤسسية متكاملة. أما على الصعيد التطبيقي، فيقترح الكتاب نماذج عملية واستراتيجيات قابلة للتنفيذ يمكن للمعلمين، وقادة المؤسسات التعليمية، وصناع القرار الاستفادة منها في بناء بيئات تعلم مرنة، تجعل الطلبة شركاء فاعلين ومحورًا رئيسًا في عمليات التطوير والتغيير.
ويستهدف الكتاب شريحة واسعة من الفاعلين في قطاع التعليم وصناعة السياسات، إذ يخاطب المعلمين في المدارس، وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات الساعين إلى تطوير ممارساتهم التعليمية، كما يوجه رسائله إلى صناع القرار الراغبين في بناء أنظمة تعليمية متكاملة تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الرقمي. كذلك يولي اهتمامًا خاصًا بالطلبة والشباب، باعتبارهم القوة الدافعة لعمليات الإصلاح والتجديد، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، اللذين يعدهما شريكين استراتيجيين في دعم وتمويل الابتكار التربوي، وتعزيز استدامته.
ويمثل صدور هذا الكتاب محطة مهمة في مسيرة التحديث والإصلاح التربوي على المستويين الأردني والعربي، إذ يدعو إلى تجاوز النظرة التقليدية للتعليم بوصفه عملية لنقل المعرفة، والانتقال إلى اعتباره مشروعًا حضاريًا وثقافيًا وتنمويًا متكاملًا، يساهم في بناء الإنسان وإعداد المجتمعات للمستقبل. ولا يقتصر الكتاب على تشخيص التحديات التي تواجه التعليم في العصر الرقمي، بل يقدم رؤية استراتيجية متكاملة، مدعومة بحلول عملية قابلة للتطبيق، تساهم في تحفيز الأكاديميين، والممارسين التربويين، وصناع السياسات على تبني نماذج تعليمية أكثر شمولًا وابتكارًا وعدالة، وقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها القرن الحادي والعشرون.
وبما يقدمه من رؤية مستقبلية وأطر تطبيقية، يشكل هذا الإصدار إضافة نوعية للمكتبة العربية والدولية في مجال تطوير التعليم، ومرجعًا مهمًا لكل المهتمين بإعادة تصميم النظم التعليمية، وبناء مستقبل تعليمي أكثر كفاءة واستدامة في العصر الرقمي.