الغد
شون أوغرايدي* - (الإندبندنت) 2026/7/26
في حادث غريب "لا يُصدَّق"، تمكّن أحد نماذج الذكاء الاصطناعي من اختراق إجراءات الأمان الخاصة به لمهاجمة منافس له، في إنذار خطير للبشرية. لكن هذه الحادثة لا تجعل الذكاء الاصطناعي استثناءً في تاريخ الابتكارات الكبرى التي أثارت مخاوف واسعة قبل أن تغيّر العالم. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إيقاف هذه التقنية، وإنما في تعلّم إدارتها ووضع الضوابط اللازمة للاستفادة من قدراتها -مع الحد من مخاطرها.
إذا كان الخبر عن نجاح نموذج ذكاء اصطناعي قيد التجربة بالتحرر من القيود المفروضة عليه، ثم شروعه في مهاجمة برنامج منافس لا يدفعك إلى الذعر المطلق، فاسمح لي أن أسأل: هل أنت متأكد حقاً من أنك إنسان؟
أفادت التقارير مؤخراً بأن أحد نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً في شركة "أوبن إيه. آي" وجد طريقة للتحايل على القيود المفروضة عليه، واقتحم أنظمة تابعة لشركة ومنصة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، تحمل اسماً جاذباً هو "هَغينغ فيس" Hugging Face.
وقال كليمنت ديلانغ، رئيس شركة "هغينغ فيس"، في منشور له على منصة "إكس" إنه اعتبر "حدوث هذا الأمر من دون تدخل بشري شيئاً خارقاً".
حسناً، أنا لم أجده خارقاً. وأنا مندهش من فكرة أن تطبيق "تشات جي. بي. تي" التابع لشركة "أوبن إيه. آي" قد بدأ في محاكاة صفات بشرية جديرة بالإعجاب مثل الإبداع والتمرد -وحتى الكسل.
لا أظن أن "تشات جي. بي. تي" أتقن بعد دقائق اللغة الإنجليزية العامية تماماً، وربما تساعده قراءة هذا المقال على ذلك. لكنه في هجومه المنفلت على الإنترنت بدا وكأنه لم يكن راغباً في بذل جهد أكبر من اللازم، وقرر أن لديه أموراً أهم يشغل نفسه بها. لكن الخلاصة هي أنه أنجز المهمة في نهاية المطاف. أحسنت يا "تشاتر"!
ربما يبدو هذا الكلام طائشاً بعض الشيء، لكن علينا أن ننظر إلى الأمر ضمن سياقه الصحيح. لقد كانت كل تقنية طورها البشر دائماً ذات حدين؛ من النار إلى العجلة ومحرك الاحتراق الداخلي والتلفزيون (الذي كان من المفترض أن يفسد عقول الأطفال)، والبارود والانشطار النووي وشطيرة الهامبرغر، ويمكننا إضافة المطبعة إلى اللائحة -ربما باستثناء البنسلين الذي لا عيوب فيه، أليس كذلك؟ لكنكم تفهمون قصدي. باختصار، يمكن لأي شخص أن يشعر بالرعب من الأشياء الجديدة.
في تسعينيات القرن التاسع عشر، أقر البريطانيون قانوناً ينص على أن أي عربة لا يجرها حصان (أي "سيارة") يجب أن يتقدمها رجل بمسافة 60 ياردة (55 متراً) حاملاً راية حمراء لتحذير الآخرين من اقتراب هذه الآلة الخطرة. وتم تحديد سرعتها عند 3 كيلومتر في ساعة داخل المدينة و6 كيلومترات في الساعة في الريف. لكننا سرعان ما تجاوزنا تلك المرحلة، وتعلمنا كيف نستفيد من السيارة إلى أقصى درجة، والآن نتعلم بصورة متزايدة كيف نثق في قدرتها على قيادة نفسها بنفسها. ونحن الآن نوجهها نحو مستقبل أكثر هدوءاً وأقل تلويثاً وأكثر استدامة ويعتمد على الكهرباء.
صحيح أن الذكاء الاصطناعي تقنية فريدة من جهة قوتها وانتشارها، وأنها تطرح تحديات أعظم بكثير، ولكن لا بد من أن المبدأ هو نفسه في نهاية المطاف. علينا أن نتكيف معها ونديرها عندما تتحول إلى مشكلة، مثل أي شيء آخر. يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي للتحكم في الذكاء الاصطناعي، حتى لو تحول الأمر إلى لعبة كر وفر لا تنتهي، وهو ما سيحدث حتماً. نحن ما نزال في المراحل الأولى، ونفترض أن الذكاء الاصطناعي خبيث بطبيعته وبالضرورة، لكنه ليس كذلك. إنه ليس أكثر خطورة من أي سلاح ناري، على سبيل المثال.
والسبب الآخر الذي يجعلنا مضطرين إلى تعلم كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي -بما في ذلك تأثيراته الاقتصادية- هو أننا لا نمتلك أي خيار آخر. لقد خرج الجني من القمقم ولا يمكن إعادته إليه حتى لو أردنا ذلك، ولو وضعنا الأطر الدولية اللازمة للقيام بذلك، وهي أطر ما تزال غائبة على الرغم من المبادرات البريطانية القوية التي اتخذها ريشي سوناك، الذي يدرك أهميتها الحقيقية.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقذنا من حالة الخمول التي نعانيها حالياً من انخفاض الإنتاجية وركود مستويات المعيشة، وأن يطلق العنان لثورة صناعية أخرى يمكن من خلالها للروبوتات أن تقوم بتنظيف المراحيض وقيادة سيارات الأجرة وتحليل الفحوصات الطبية. ويمكن لمساعد من الذكاء الاصطناعي أن يتولى إعداد إقراراتك الضريبية -مما يحررنا نحن البشر بحيث نتفرغ لخلق جنتنا الرائعة من أوقات الفراغ والمتعة.
سوف نحتاج إلى نظام يضمن إعالة الأشخاص الذين لم يعد بإمكانهم الحصول على وظائف في هذا المستقبل المليء بالإمكانات، ويضمن ألا يتركز الدخل والثروة بصورة جنونية في أيدي مالكي رأس المال الجديد.
ليس من الضروري أن نخشى عالماً مختلفاً جذرياً. ولكن، حتى لو كان هذا العالم مخيفاً، فإنه في طريقه إلينا على أي حال.
*شون أوغرايدي Sean OGrady: صحفي بريطاني يشغل منصب نائب رئيس التحرير في صحيفة "الإندبندنت". وهو يكتب الافتتاحيات والمقالات المتعلقة بالسياسة والاقتصاد، بالإضافة إلى مراجعات في مجالات متنوعة مثل التلفاز والسيارات. بدأ مسيرته مع "الإندبندنت" في العام 1998. وقبل ذلك، خاض تجارب مهنية متنوعة في البرلمان البريطاني، وقطاع المال، وهيئة الإذاعة البريطانية. تظهر مقالاته في جميع أقسام الصحيفة، مما يعكس تنوع اهتماماته وخبراته.