الشخصية ليست قالبا واحدا.. لماذا نبدو مختلفين من دائرة اجتماعية لأخرى؟
الغد-ديمة محبوبة
يعرف زملاء العمل سامر بأنه شخص هادئ إلى حد الانطواء. لا يبدأ النقاشات، ولا يطيل الحديث في الاجتماعات، ويفضل الزاوية الهادئة في أي تجمع. وحتى في المناسبات الاجتماعية الكبيرة التي يحضرها بحكم عمله، يقف غالبا بعيدا عن مركز الحركة، يستمع أكثر مما يتكلم، ويغادر مبكرا دون أن يلفت الانتباه. كثيرون من زملائه وصفوه بـ"المنغلق" أو "البارد"، وبعضهم تجنب التقرب منه لأنه بدا غير مهتم بالتواصل، فيما اعتبره آخرون شخصا يصعب الوصول إليه عاطفيا.
لكن حين يلتقي سامر بأصدقاء طفولته، يتغير فيه شيء جوهري؛ يضحك بصوت عال، ويبدأ النقاشات، ويروي القصص بتفاصيلها، ويصبح هو محور الجلسة. يتذكر أصغر التفاصيل عن كل واحد منهم، ويمزح بثقة، وقد يبقى متحدثا لساعات طويلة دون أن يشعر بالتعب الذي ينتابه في أي تجمع آخر. ذات الإنسان، وفي اليوم نفسه أحيانا، لكنه يبدو كشخصين مختلفين تماما، حتى إن من يراه في الحالتين قد لا يصدق أنه الشخص نفسه.
الشخصية ليست قالبا ثابتا كما يظن كثيرون
ما يعيشه سامر له اسم في علم النفس الحديث، يعرف بـ"الانبساط الانتقائي" (Selective Extroversion)، وهو مصطلح يصف الإنسان الذي يكون اجتماعيا جدا مع بعض الناس، وصامتا جدا مع آخرين. وهذا التناقض الظاهري ليس خللا في الشخصية، بل تذكير بأن الشخصية ليست قالبا ثابتا كما يظن كثيرون.
بعض الأشخاص لا يكرهون الحديث، بل يحبون أن يجدوا من يشعرون معه بالأمان، ويزدهرون في صحبة معينة أكثر من غيرها.
كذلك الأمر لدى سوزان مصطفى، حيث تجد نفسها في قمة سعادتها مع محيط عائلتها وبعض الأصدقاء المقربين، في الوقت ذاته تصمت مع آخرين، خصوصا في التجمعات الكبيرة، والأماكن التي لا تجد فيها ذاتها، وكأنها مجبورة، وتنتظر اللحظة المناسبة لكي تغادر تلك الأمكنة التي ترى أنها "لا تشبهها".
تقول؛ "أنا لست شخصية منعزلة.. لكن لا أستطيع أن أكون ذات الشخصية في الأماكن التي أتواجد بها". ومع تقدم العمر يزداد لديها هذا الشعور وبأنها تريد فقط أن تتواجد بمساحات تضفي الراحة عليها ومع أشخاص تشعر معهم بالسعادة، ولا تضطر أن تكون شخصية مجاملة.
تقول المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني: "إن هذا النمط من السلوك أكثر شيوعا مما يعتقده كثيرون، فالناس يميلون إلى الحكم على الشخصية من خلال لقطة واحدة، في سياق واحد، ويبنون عليها انطباعا كاملا عن الإنسان، لكن الحقيقة أن السلوك الاجتماعي يرتبط بالشعور بالأمان النفسي أكثر من ارتباطه بسمة ثابتة في الشخص".
الفرد قد يظهر نسخا مختلفة من نفسه
وتوضح الكيلاني أن الإنسان الذي يصمت في بيئة معينة قد يكون يحمي نفسه من مكان لا يشعر فيه بالقبول، وليس لأنه يفتقر إلى مهارات التواصل.
فحين يجد هذا الشخص دائرة يثق بها، تنفتح فيه طاقة كانت موجودة طوال الوقت، لكنها كانت محتجزة خلف جدار من الحذر.
وتضيف الكيلاني أن هذا التفسير يحمل أهمية خاصة في البيئات التربوية، حيث يوصف كثير من الأطفال بـ"الانطوائيين" بناء على سلوكهم في المدرسة، بينما يكونون مختلفين تماما مع أصدقائهم المقربين.
وحين نلصق صفة ثابتة بطفل بناء على سياق واحد، نخطئ في فهمه، وقد نعزز لديه شعورا بأنه "غريب"، من دون أن يكون كذلك فعلا.
ومن زاوية اجتماعية، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن ظاهرة الانبساط الانتقائي تعكس أيضا طبيعة العلاقات في المجتمعات الحديثة، حيث تتعدد الدوائر الاجتماعية التي يتحرك الفرد بينها يوميا.
فالإنسان اليوم يعيش في دوائر متعددة ومتباينة جدا؛ دائرة العمل، ودائرة العائلة، ودائرة الأصدقاء، ودائرة التواصل الرقمي. وكل دائرة تحمل قواعدها الخاصة وتوقعاتها، وهذا يجعل الفرد يظهر نسخا مختلفة نسبيا من نفسه في كل سياق.
ويشير خزاعي إلى أن هذا التنوع لا يعني الازدواجية، بل هو شكل من أشكال التكيف الاجتماعي الطبيعي، الذي يحافظ الإنسان من خلاله على طاقته النفسية.
أحكام اجتماعية متسرعة بناء على السلوك
ويحذر خزاعي من خطورة إصدار أحكام اجتماعية متسرعة بناء على سلوك شخص في سياق واحد فقط، خصوصا في بيئات العمل والمدرسة، حيث قد يحرم شخص هادئ من فرص بسبب انطباع خاطئ تشكل عنه.
ويبين أن المجتمع يحب التصنيف السريع، كأن يصف الشخص بأنه اجتماعي أو منطو، لكن الواقع أكثر تعقيدا من ثنائية بهذه البساطة. ويضيف أن المؤسسات والمدارس مطالبة بإعادة النظر في طريقة تقييمها للأفراد بناء على سلوك ظاهري محدود.
وسامر نفسه يقول إنه لم يكن يدري أن ما يشعر به له اسم علمي، حتى قرأ عن هذا المصطلح مؤخرا، وشعر أن هناك أخيرا من يفسر حاله. ويقول: "ما كنت أعرف كيف أشرح لزملائي ليش أنا هادئ معهم، وبضحك بصوت عال مع أصدقائي، فكنت أحيانا أشعر بأني مخطئ أو منافق، رغم أنني لم أكن أتصنع ذلك أبدا".
ولطالما حمل هذا الشعور بالذنب معه دون أن يجد له تفسيرا، وكان يعتقد أن عليه أن يختار نسخة واحدة من نفسه ويلتزم بها أمام الجميع.
واليوم، يقول سامر إنه لا يحاول أن يكون نسخة واحدة من نفسه أمام الجميع، بل تعلم أن يتقبل أن بعض جوانبه لا تظهر إلا في المكان الذي تستحقها.
وكما تقول الكيلاني: "فإن أهم ما يمكن أن نتعلمه من قصة سامر ليس فقط فهم أنفسنا بشكل أعمق، بل أيضا التوقف عن الحكم السريع على من حولنا، لأن الهدوء الذي نراه قد لا يكون كل الحقيقة، وقد يكون فقط الجزء الذي اخترنا أن نراه".