الغد
هناك قصة متداولة عن الراحل البابا يوحنا بولس الثاني تقول إن صحفيا سأله: ماذا لو ألقى أحدهم الكتاب المقدس أمامك في المرحاض؟
فأجاب البابا بلا تردد وهو يبتسم: سأتصل بالسباك فورا.
إجابة البابا، وهو رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، تضج بمعرفة الحكيم الواثق، فالأهم من الكتاب كمادة ملموسة هو محتواه المقدس لدى المؤمنين به، والفعل على بشاعته لا ينتقص من تلك القدسية، ولا يهز مكانتها في قلوب أصحابها، أما المشكلة الحقيقية والآنية، حسب جواب البابا الراحل، فهي في المرحاض الذي قد يفيض لو انسد، وينتج كارثة صغيرة لا علاقة لها بالمقدس ولا بالإيمان.
وهكذا أتذكر تلك القصة الطريفة ذات الدلالات، كلما تعثرت بمعركة يومية جديدة في عالم وسائل التواصل الاجتماعي الأردني، ومحاولات كثيرين إشعال الحرائق بوقود المقدسات الدينية أو الرموز الوطنية.
آخرها كان قصة مهرجان للحيوانات الأليفة في عمان، يتم التحضير له والترويج لفعالياته بمواد مصورة لم أجد فيها إلا طرافة عادية وحسن نوايا لا تحتاج إلى كل هذا التأويل الغاضب.
لكن، كل ما تحتاجه لإشعال الحريق عود ثقاب، الصورة مثلا، ووقود سريع الاشتعال، وهو هنا الشماغ الأردني، لينتشر الغضب والحنق والغيرة الوطنية على ما جرى في حق الوطن والبلاد والعباد من جريمة ليست موجودة أصلا.
فلنتفق أولا أن اقتناء الحيوانات الأليفة، خصوصا القطط والكلاب، صار منتشرا في الأردن كله، ولا أدل على ذلك من انتشار محلات العناية بتلك الحيوانات ومقتنياتها من غذاء ودواء وإكسسوارات، وانتشار العيادات البيطرية في أنحاء المملكة، لا في العاصمة وحدها.
وهذا يعني أن كمّا لا بأس به من المواطنين يملكون حيوانات أليفة، ويعتنون بها، ويحبونها، ويتعاملون معها كجزء من حياتهم اليومية، لا كموضوع غريب أو دخيل على المجتمع.
وحين تنتشر صورة لأحد تلك الحيوانات اللطيفة، والتي يحبها مالكوها والكثير من الناس أيضا، وقد وضع الشماغ على رقبته، فهذا ليس إساءة، ولا يحمل في داخله أي قصد مسيء، بل هو تحبب وتودد، وقد أسمح لنفسي بالقول إنه نوع من الاعتزاز أيضا.
هنا يصبح السؤال ضروريا: من يستفيد من تحويل الرموز الوطنية والدينية إلى وقود يومي للغضب؟ وكأن الوطنية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى محكمة تفتيش مفتوحة على مدار الساعة.
المزاج العام غاضب ومحتقن وجاهز دوما لتلك الاشتعالات اليومية، وهي تنعكس على وسائل التواصل الاجتماعي على شكل حرائق تنتشر بسرعة وتنطفئ بسرعة أيضا، لكنها في الوقت نفسه تراكم ببطء مواقف غاضبة أكثر عمقا لا يجب أن تتشكل من الأساس.
يكفي أن يلقي أحدهم، مجنون أو عاقل أو متكسب يرتزق من الأزمات، بحجر في الفضاء الافتراضي الأردني، لينتشر الجدل حول قضايا متعددة المستويات، منها ما يستحق النقاش فعلا، ومنها ما لا يملك أي أساس عقلاني، لكنه يجد طريقه إلى إثارة زوابع الكلام.
لا توجد طريقة لوقف هذا العبث الافتراضي كله إلا بالوعي، وأول خطوات هذا الوعي أن نتأمل الحجر الجديد الذي سيرمى في المرة القادمة، ونفكك الرواية والخبر والقصة قبل أن نطلق الأحكام بغضب، ثم نقرر إن كان ذلك كله يستحق تلف الأعصاب، فهناك قضايا أكثر أهمية في حياتنا ومعيشتنا اليومية تستحق كل ذلك الوقت الضائع في كل تلك الحرائق.