الغد
منذ 7 أكتوبر 2023، تصرف الفضائيات العربية جل وقتها في استضافة محللين وخبراء لتفسير حرب متحركة تتغير وقائعها كل يوم. ويُفترض أن تقوم هذه الخبرة بتفسير ما يراه الناس بأعينهم ووضعه في السياق: تفكيك الحدث، واختبار الروايات، وربط التطورات بموازين القوة والمصالح. لكن كثيرًا من التحليل يبدو وكأنه يتناول حربًا أخرى غير التي يشاهدها الجمهور.
من المفارقات أن المواطن العربي العادي يعرف- بالحدس أو بالخبرة، وبلا خرائط عمليات أو شهادات في العلوم الإستراتيجية، المشكلة الأساسية: ينفق العرب مليارات الدولارات على السلاح، ثم يعتمدون على خارجيين في تشغيله وصيانته وتذخيره وتحديثه. ويرى أن منطقة هي من أكثر مناطق العالم إنفاقًا على الدفاع تظهر هشاشتها أمام حرب إقليمية تهدد الطاقة والموانئ والمطارات والبنية التحتية والاقتصادات، في صراع لا تملك دولها قرار بدئه ولا إنهائه. وهذه وقائع أساسية لا تحتاج إلى خبير كي يكتشفها. وإذا كان ثمة حاجة إلى خبرة، فللإجابة عن السؤال الأكثر مركزية في كل هذه الفوضى: كيف وصل الأمن العربي إلى هذا الموضع، وما السبل الممكنة للخروج منه؟
لكن محللي التلفزيونات ينشغلون بأسئلة هامشية من دون أن تحيل إلى أطروحة تقترح حلولًا لشيء: من أصاب أي هدف؟ من يفلح في إيقاع خسائر بالآخر؟ هل أربكت إيران حسابات الولايات المتحدة أم احتوت واشنطن وتل أبيب إيران؟ ومن المُسلّم به أن «الخبير» سينصُر الطرف الذي تريد المحطة المستضيفة أن تُظهره منتصرًا لشتى الأسباب؛ ففي نهاية المطاف، هذا هو نوع «الخبرة» التي تحتاج المحطة ومن تمثله إلى شرائها، والتي يستطيع «الخبير» أن يبيعها. وفي الغالب الأعم، يتم إبقاء البحث الصريح والواعي في الأمن العربي الغائب غائبًا عن النقاش. وكان ينبغي أن تكون وظيفة الخبير وصل النقاط، والاعتماد على الوقائع الحقيقية لتشخيص بنية الضعف، واختبار المسلّمات السياسية والإستراتيجية بدلًا من إعادة إنتاج إجابات جاهزة ومُعلَّبة.
من الملاحظ في معظم الحوارات التلفزيونية تسويق المظلة الأمنية الخارجية باعتبارها قدرًا ثابتًا وليس خيارًا سياسيًا قابلًا للمراجعة. وبينما يتم البحث في تعديل شروط الحماية الأميركية وكيفية الاستفادة منها بطريقة أفضل، نادرًا ما تناقش اقتراحات لبناء مظلة أمنية عربية إستراتيجية تُبنى بوعي وتخطيط. ولعل من البداهة استنتاج أن دولة لا تستطيع تعويض ذخائرها أو صيانة منظوماتها أو تطوير قاعدة صناعية وتكنولوجية أساسية لنفسها قد تمتلك أسلحة متقدمة، لكنها لن تملك الاستقلال الإستراتيجي الأمني- ولا السياسي- الذي تُنفق من قوت مواطنيها لشرائه.
ثم، أين التعبير عن موقف المواطنين العرب؟ تكشف أرقام «مؤشر الرأي العربي» Arab Opinion Index للعام 2025 عن فجوة تستحق أن تكون في صلب أي نقاش جاد للأمن الإقليمي. في الاستطلاع، رأى 84 في المائة من المستطلعين في 15 دولة عربية أن سياسات الكيان الصهيوني تهدد أمن المنطقة واستقرارها؛ وقال 77 في المائة أن السياسات الأميركية تمثل تهديدًا بينما عارض 87 في المائة الاعتراف بالكيان. وجاء الكيان في المرتبة الأولى بين مصادر التهديد الأكبر لأمن العالم العربي بنسبة 44 في المائة، تلتها الولايات المتحدة بنسبة 21 في المائة. ولا تختزل هذه الأرقام الأمن القومي في المزاج الشعبي، لكنها تُظهر التباعد بين تصورات قطاعات واسعة من المواطنين للتهديد، وبين الترتيبات الرسمية التي تصرّ على جعل واشنطن ركيزة للأمن الإقليمي، وتتعامل مع الكيان ضمن منظومة هذا الأمن.
عمليًا، يعني هذا الانفصال أن يبحث الخطاب الأمني الرسمي دائمًا عن الحليف خارج الحدود بينما يتم إغفال المواطن- صاحب المصلحة الأساسي- بوصفه الشريك الأساسي في الأمن. ويعني حصر مفهوم الأمن بالسلاح والذخائر و»التحالفات» المتوهمة إهمال عناصر مهمة جدًا: ثقة المجتمع بالدولة؛ شعور الناس بأن السياسات المتبعة تحمي مصالحهم؛ واستعدادهم للصمود والمساندة وتحمل كلفة الأزمات. ربما توفر المظلة الخارجية ردعًا أو حماية في ظرف محدد، لكنها لا يمكن أن تُعوض عن التماسك الاجتماعي أو الثقة. ومع ذلك يُركز «الخبراء» على سؤال «من يحمي العرب»؟ ولا يسألون عما إذا بُنيت منظومة تجعل المواطن طرفًا في أمنه بدلًا من إلزامه بتلقي حماية من أطراف يرى– عن وعي- أنها الأكثر تهديدًا لأمنه.
من الطوباوية، بطبيعة الحال، تصور أن يعني بناء قدرة عربية مشتركة القفز إلى جيش موحد بين ليلة وضحاها. لكنّ من المشروع- والدنيوي- تصوُّر مسار تراكمي يمكن أن يبدأ بتنسيق الدفاع، وتبادل المعلومات، وتكامل الصناعات، وتأمين سلاسل الإمداد، وإنتاج الذخائر وصيانة المنظومات، ثم يتقدم نحو استقلال أوسع في القرار. ولا يقولنّ أحد أن الدول العربية لا تمتلك الموارد المالية والبشرية والموقع الجغرافي والخبرات التي يمكن أن تسهم في هذا المسار- إذا توفرت الإرادة لمعاملتها كقدرات قابلة للتكامل وليست محكومة قدَريًا بالانفصال. لكن بلوغ ذلك يتطلب استنطاق كلفة الاعتماد على الخارج وحدوده، واحتمال تعارض مصالح الحامي مع مصالح المحميّ؛ وهي أسئلة نادرًا ما تحتل مساحة توازي أهميتها في أطر التحليل السائدة.
يُستدعى المحلل في كثير من الحالات لتفسير ما حدث بينما تُحدد له الجهة المستضيفة النتيجة المراد إعلانها. وليس من الضروري أن تملي عليه نصًا، لكنّه يعرف «كخبير» أن هذه المحطة تفضل هذا الاستنتاج. ولذلك يستبدل المحلل المعايير العسكرية والسياسية والاقتصادية بلغة انطباعية مريحة ما. وإذا كان يحمل لقبًا أكاديميًا فذلك يمنح كلامه سلطة إضافية- ويجعل مسؤوليته أكبر أيضًا. وفي الأصل، ينبغي أن لا تكون هذه السلطة غطاء لإضفاء لغة علمية على استنتاجات جاهزة، وإنما ينبغي أن تكون مُؤهِلًا يتيح مساءلة الفرضيات، والتمييز بين ما تثبته الأدلة وما لا تثبته، وربط الحدث المنفصل بالسياق الكبير.
إذا كان المواطنون العاديون يتحدثون عن التبعية العسكرية، وضعف الصناعات الدفاعية، وتشتت القرار، وهشاشة البنية التحتية كبديهيات، فعلى الخبير أن يفسر أسبابها وأن يبحث في إمكانيات تجاوزها. وإذا كان ثمة اتجاه إلى صرف الانتباه عن هذه الأساسيات للتهرب من المسؤولية، فإن على المحلل الذي يشرح الحرب أن يسأل دائمًا عن موقع العرب فيها وما هي مسؤوليتهم ومسؤولية الآخرين عن وجودهم في هذا الموقع- غير الآمن ولا المُشرِّف ولا الموحي بمستقبل أحسن، بالمناسبة. وليس المطلوب أبدًا أن يمارس «الخبراء» التفسير بمعنى التبرير، وإثبات أن الحدَث العربي قدري وأن العرب بلا خيارات.
إذا كان الأمن العربي لا يستطيع الاستمرار من دون حماية الآخرين -وأيّ آخرين!- فإن العرب لا يملكون أمنهم ولن يملكوه. وسيظل عملهم الأساسي هو المزيد من تبديد أمنهم -بضرب المعترضين منهم على مبدأ شراء الحماية وعلى المفارقة في الاحتماء بذئب لا يخفي مطلقًا نزعته الافتراسية- فيكونون كالذي يأكل نفسه.