الجريدة -
بين وقت وآخر، لا يسعفني الوقت لكتابة الموضوع بواسطة الكمبيوتر، فأضطر إلى إرساله لـ «الجريدة» بخط اليد على الورق، وقد أكون من القلائل الذين لا يزالون يمارسون مهنة الكتابة باليد، إذ أجد نفسي غربياً بين قوم باتوا اليوم «رقميين»، فالنقر على الأحرف حلّ مكان اليد التي امتهنت التعبير عمّا يجول في عقولنا.
لقد بتنا في زمن أصبحت أصابعنا أسرع من أفكارنا، وصار بإمكاننا أن نكتب رسالة كاملة في ثوان معدودة، القلم الذي كان رفيق الانسان في دفاتره ورسائله ومذكراته، تراجع أمام نقرات الحاسوب وشاشات الهواتف، حتى باتت الكتابة اليدوية عند كثيرين فعلاً استثنائيا لا نلجأ إليه إلا في توقيع أو ملاحظة عابرة.
لكن، هل انتهت حاجتنا إلى الكتابة باليد فعلا؟ أم أننا رغم كل هذا التطور ما زلنا نحتاج إليها بطريقة مختلفة؟
هناك مسافة صغيرة بين الفكرة والقلم، وهذه المسافة تمنحنا شيئا نفتقده في عالم السرعة، وهو الوقت، فنضطر إلى أن نختار الكلمة، وأن نمهل الجملة، وأن نرى أفكارنا وهي تتشكّل أمامنا على الورق، فالورقة القديمة لا تحفظ الكلمات وحدها، إنها تحفظ شيئا من صاحبها أيضا، انحناءة الحرف، قوة الضغط على القلم، الكلمات المشطوبة، الفراغات بين السطور، كلها تفاصيل لا تستطيع الشاشة أن تنقلها.
ففي الحياة الرقمية كل شيء قابل للحذف والتعديل والاستبدال، نستطيع أن نكتب جملة ونمحوها دون أن يبقى لها أثر، أما الورقة فتحتفظ بتاريخها، الكلمة المشطوبة تبقى شاهدة على أنها كانت موجودة، والجملة المعدّلة تترك خلفها أثرا، حتى الخط نفسه يحمل شيئا من شخصية صاحبه يكون مرتبا أو فوضويا، كبيرا أو صغيرا، واضحا أو مترددا، فالكتابة ليست فقط ما نقوله، وإنما هي الطريقة التي تترك بها أيدينا أثرا على الورق.
ولعل أجمل ما يكشف قيمة الكتابة باليد ذلك التوقيع الذي يضعه الكاتب على الصفحة الأولى من كتابه حين يهديه الى قارئ، حينها لا يعود الكتاب مجرد نسخة مهداة، بل يصبح نسخة لها صاحب وذكرى وحضور.
فالكتاب المطبوع يحمل فكر الكاتب، أما الكتاب الذي خطّ عليه الكاتب إهداءه بيده، فإنه «يحمل شيئا» من حضوره.
في النهاية، قد تتغير أدوات الإنسان، لكن حاجته الى التعبير عن ذاته لا تتغير، فالكتابة باليد ليست دائما محاولة للكتابة عن شيء، فأحيانا تكون محاولة للعثور على شيء ما في داخلنا.