عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jul-2026

أميركا في عامها الـ250: من ماضٍ مثير للجدل إلى مستقبل فاشي

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
والدن بيلو* - (كاونتربنش) 10/7/2026
 
عندما وقّع ستة وخمسون ممثلًا عن المستعمرات الثلاث عشرة إعلان الاستقلال عن بريطانيا في العام 1776، كان قد مضى ما يقرب من ثلاثمائة عام على أول اتصال لأميركا بأوروبا، الذي يعود إلى العام 1492. وخلال تلك الفترة، تدفق نحو 2.6 مليون فلاح أوروبي فقير إلى "العالم الجديد" كما يتدفق الجراد، هربًا من الأنظمة الإقطاعية الأوروبية أو من الرأسمالية الزراعية التي كانت تنزع ملكية الأراضي منهم في إنجلترا.
 
 
وخلال الأعوام المائتين الأولى من تلك الحقبة، تركز معظم ما جرى، أو معظم ما حلّ من دمار، في أميركا الوسطى ونصف الكرة الجنوبي، حيث دمّر الإسبان إمبراطوريتي الأزتيك والإنكا المركزيتين، إلى جانب جماعات السكان الأصليين الأصغر حجمًا، وأخضعوا سكانها للعمل بالسخرة أو لأشكال أخرى من العمل القسري. وقد أسهمت هذه العملية، إلى جانب الأمراض التي حملها الأوروبيون معهم، في القضاء على ملايين من السكان الأصليين للأميركتين.
التأسيس ككارثة تاريخية
أثبتت الشعوب الأصلية لأميركا الشمالية، التي كانت أقل مركزية في تنظيمها السياسي، قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الأوروبيين المتعطشين إلى الأرض. وإلى جانب مقاومتها الشرسة، تعلّمت تلك الشعوب توظيف النظام الاستعماري نفسه في مواجهة المستوطنين، وحققت بعض النجاحات. ومن ذلك، على سبيل المثال، إعلان العام 1763، الذي جرى التفاوض بشأنه بين اتحادات السكان الأصليين والتاج البريطاني، ونصّ على حظر انتقال المستوطنين البيض إلى الأراضي الواقعة غرب جبال الأبلاش.
وهكذا، شكّلت الثورة الأميركية الناجحة مأساة بالنسبة للسكان الأصليين، حيث أزالت أحد أهم حلفائهم الذين كانوا يكبحون تقدم المستوطنين نحو أراضيهم. ومع سقوط هذا الحليف سقطت أيضًا جميع المعاهدات التي كانوا قد أبرموها مع التاج البريطاني. وسرعان ما برزت النتائج الإبادية لإعلان الاستقلال حين أصدر الجنرال جورج واشنطن، بذريعة أن قبائل الإيروكوا هم حلفاء للبريطانيين، أمرًا بتدمير مستوطناتهم تدميرًا كاملًا في المنطقة التي تُعرف اليوم بوسط ولاية نيويورك. وقد أكسبه ذلك الفعل لقب "مدمّر المدن" بين السكان الأصليين، قبل أن يصبح أول رئيس للولايات المتحدة.
وكانت لتأسيس الولايات المتحدة عواقب كارثية أيضًا على السود الذين كان وصولهم كعبيد إلى المستعمرات الإنجليزية قد بدأ منذ أوائل القرن السابع عشر. وكانت أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي أول من شهد قيام اقتصاد المزارع القائم على الرق خلال أواخر القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، حيث اختُطف ملايين الأفارقة ونُقلوا عبر المحيط الأطلسي للعمل القسري، وكان معظمهم يُسخَّر في الأعمال الشاقة والخطرة المتمثلة في زراعة قصب السكر وحصاده.
لكنّ تأسيس الجمهورية الأميركية، والعقود السبعة الأولى من عمرها، شهدا الازدهار الكامل لاقتصاد المزارع في الجنوب الأميركي، وهو اقتصاد بلغ درجة عالية من الكفاءة الوحشية في استغلال عمل العبيد السود. واندمج الجنوب الأميركي في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عن طريق إنتاج القطن، وأصبح أكثر ثراءً من الشمال. ورافق الازدهار الذي أتاحته العبودية سيطرة الأرستقراطية الزراعية الجنوبية على الرئاسة، ومجلسي الكونغرس، والسلطة القضائية في الجمهورية الفتية.
في الوقت نفسه، سارت إبادة السكان الأصليين وتصعيد استغلال عمل العبيد السود جنبًا إلى جنب في الجنوب. وأدى "قانون ترحيل الهنود" الذي أصدره الرئيس أندرو جاكسون إلى اقتلاع خَمس أمم من السكان الأصليين -الشوكتاو، والسيمينول، والشيروكي، والتشيكاساو، والموسكوغي- من أراضي أجدادهم في الجنوب الشرقي للولايات المتحدة بين العامين 1830 و1850، لإفساح المجال أمام التوسع في مزارع القطن.
الإرث الملتوي لجون لوك
ترى الماركسية أن العلاقة بين الأفكار والمصالح المادية هي علاقة جدلية. من جهة، تعكس الأفكار تلك المصالح. ومن جهة أخرى، تؤثر فيها وتوجّه السعي إلى تحقيقها بقدر من الاستقلال النسبي. وكما كتبتُ في مقال سابق، فإن التفاعل الديناميكي بين الثورة، والتوسع، والإبادة الجماعية، والعنصرية في المشروع الأميركي لا يمكن فهمه من دون النظر إلى التأثير الهائل الذي مارسته أفكار الفيلسوف الإنجليزي في القرن السابع عشر، جون لوك. ويُذكَر لوك، الذي يُعد أكثر المفكرين ارتباطًا بالثورة الأميركية، وتأسيس الدولة الأميركية، ووضع الدستور الأميركي، في المقام الأول بوصفه المنظّر الذي برّر حق الشعب في الثورة إذا أخلّ الحاكم أو الحكومة بشروط "العقد الاجتماعي" المبرم مع الشعب.
لكنّ نظرية لوك المرتبطة بأصول المُلكية الخاصة كانت، بالقدر نفسه، ذات تأثير عميق في المستوطنين الأوروبيين في أميركا. فقد رأى لوك أن ما يحوّل علاقة الإنسان بالأرض من مجرد انتفاع إلى مُلكية هو امتزاج عمله بها. وهذه، في نظره، هي العلاقة الاجتماعية التأسيسية التي نشأت في "حالة الطبيعة" قبل قيام المجتمع السياسي من خلال "العقد الاجتماعي" الشهير. بل إن حماية هذه العلاقة الأصلية شكّلت، في نظر لوك، جوهر العقد القائم بين السلطة والمجتمع.
وقد لامس تفسير لوك لنشأة المُلكية الخاصة البنية النفسية للمستوطن الأبيض. فبعد هروبه من البنى الطبقية الزراعية الجامدة في أوروبا، كان يتطلع -شأنه شأن الفلاح الصغير- إلى اقتطاع قطعة أرض في ما كان يُنظر إليه باعتباره "أرضًا بكرًا" وتأمين مُلكيته لها. وكما أشار الباحث البارز في الليبرالية، لويس هارتز، كان المستوطِن يحمل عقلية برجوازية صغيرة، ينصبّ همُّها على ضمان مُلكية الأرض أكثر من السعي إلى مراكمتها. ويقول هارتز إن المستوطن الصغير، الذي كان يعيش في "أقرب تجسيد في العالم لحالة الطبيعة التي تصورها لوك"، كان، من الناحية الاقتصادية، "يخشى فقدان ما يملك أكثر مما يتطلع إلى تحقيق مكاسب جديدة".
ترسخ هذا التعلُّق بالمُلكية الفردية الصغيرة في الوعي الثقافي الجمعي الأميركي إلى درجة دفعت هارتز إلى وصف الأيديولوجيا الأميركية بأنها "اللوكية اللاعقلانية" (نسبة إلى جون لوك). وكتب أن الفكر اللوكي في الولايات المتحدة "ابتلع الفلاحين والبروليتاريا معًا داخل إطار البرجوازية الصغيرة"، وأن هذا ترك آثارًا بعيدة المدى في مسار تطور الوعي الطبقي لدى الأميركيين خلال مرحلة التصنيع السريع في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
لكنّ تأثير لوك تجاوز كونه الأساس النظري للرأسمالية ولنظام المُلكية الخاصة. فقد ارتبطت فكرته القائلة بأن العمل هو الذي ينشئ حق المُلكية الخاصة بإرث لوكي آخر، راسخ بالقدر نفسه، يتمثل في عدم المساواة العرقية في الوصول إلى المُلكية والحرية.
كتب لوك عبارته الشهيرة: "في البدء، كان العالم كله أميركا". وكان يتخيل بذلك ما أسماه "حالة الطبيعة" التي سبقت قيام المجتمع السياسي. وانطلاقًا من نظريته القائلة بأن امتزاج عمل الإنسان بالأرض هو الذي يؤسس للمُلكية الخاصة، اعتبر لوك أن السكان الأصليين للأميركتين مخلوقات لا يمكن اعتبارهم مالكين للأرض، لأنهم، في نظره، كانوا يعيشون في الأرض والغابات، ولكن من دون فلاحة التربة أو استصلاحها.
في الحقيقة، رأى لوك أن الأميركيين الأصليين يُمكن تشبيههم بـ"واحد من تلك الوحوش الضارية التي لا يستطيع البشر أن يعيشوا معها في مجتمع ولا أن يشعروا معها بالأمان"، والذين "يُمكن بالتالي إبادتهم كما يُباد الأسد أو النمر". وربما لم يتنبأ لوك بالنتائج التي ستترتب على كلماته، فكأنها وفرت في الواقع تبريرًا أخلاقيًا بالغ القوة للإبادة الجماعية ذات الطابع العنصري، حيث قام المستوطنون باختراق البيض الخط الدفاعي الشرقي الذي حاول السكان الأصليون حصرهم فيه، ثم اندفاعهم الكاسح غربًا.
وبالمثل، كان للعبودية أيضًا أساسٌ في فكر لوك من خلال تمييزه بين العلاقة التي تربط السيد بالخادم، والعلاقة التي تربطه بالعبد. وقد رأى أن العلاقة الأولى تقوم على عقد حر بين السيد والخادم المتعاقد القادم من أوروبا، في حين أن العلاقة بين العبد القادم من أفريقيا وسيده تقوم على خضوع الأول لـ"السيادة المطلقة" للثاني.
باختصار، كانت ليبرالية لوك مشوبة بتناقض جوهري. من جهة، دافع عن "الحرية الطبيعية للإنسان... أي أن يكون متحررًا من أي سلطة عليا على وجه الأرض، وألا يخضع لإرادة أي إنسان أو لسلطته التشريعية، وأن يكون قانون الطبيعة وحده هو الحاكم عليه". ومن جهة أخرى، اعتبر الأميركيين الأصليين خارج نطاق المجتمع المتحضر، ورأى أن "الزنجي" هو كائن أدنى منزلة من الإنسان، وأنكر عليه حق التمرد على حالة العبودية التي يخضع لها.
انعكس هذا التناقض النظري في ممارسات لوك العملية. فقد أسهم، بصفته سكرتيرًا لإيرل شافتسبري، أحد أبرز أركان تجارة الرقيق عبر الأطلسي، في صياغة دستور كارولاينا، الذي شكل مخططًا للحكم المطلق، وتناقض صراحةً مع نظريته القائلة بأن السيادة تعود إلى الشعب، كما كرّس إخضاع السود لعبودية وراثية بوصفهم متاعًا مملوكًا.
الدودة في التفاحة
ظل التناقض اللوكي بين الاحتفاء بحرية الإنسان وإضفاء الشرعية على الإقصاء العنصري يشكل هاجسًا ملازمًا متجذرًا في المشروع الأميركي منذ نشأته الأولى. وفي حين تبنى قادة بارزون، مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون، حق التمرد على الطغيان وعلى "حقوق الإنسان" عندما يتعلق الأمر بالبيض، فإنهم حرموا عبيدهم السود والسكان الأصليين من تلك الحقوق نفسها. ولم يغب هذا التناقض عن البريطانيين، كما يظهر في تساؤل الأديب الشهير، صموئيل جونسون: "كيف لنا أن نسمع أعلى الصرخات المطالبة بالحرية تصدر عن مستغلي العبيد السود؟". وفي الواقع، كان خمسة عشر فقط من أصل ستة وخمسين موقّعًا على إعلان الاستقلال من غير مالكي العبيد. وتكشف إحدى الدراسات الحديثة أن سبعة من هؤلاء الخمسة عشر "كانوا يحققون أرباحًا مباشرة من الاتجار بالمستعبدين، أو من شراء وبيع السلع التي ينتجها العبيد، أو من تزويد معسكرات العبودية في مختلف أنحاء العالم الأطلسي بالغذاء وسائر المؤن".
ويرى المؤرخ روبرت باركنسون أن الوثيقة، بقدر ما كانت تتحدث عن الحقوق غير القابلة للتصرف، كانت تعبر أيضًا، وربما بدرجة أكبر، عن الخوف العنصري والإقصاء. ويكمن جوهر "إعلان الاستقلال" في الاتهامات السبع والعشرين التي وجهها إلى الملك جورج الثالث، وكان أهمها الاتهام السابع والعشرون، الذي جاء فيه:
"لقد حرض على التمردات الداخلية بيننا، وسعى إلى إطلاق العنان على حدودنا لأولئك الهمج الهنود عديمي الرحمة، الذين تقوم قواعدهم المعروفة في الحرب على التدمير العشوائي لجميع الأعمار والأجناس والطبقات".
ويكتب باركنسون أن عبارة "التمردات الداخلية" في سياق القرن الثامن عشر كانت تشير إلى العبيد المتمردين، ولا تحتاج عبارة "الهمج الهنود عديمو الرحمة"، في رأيه، إلى كثير من الشرح.
من جهته، رأى الفيلسوف السياسي الأسود الراحل تشارلز ميلز، الأمر كما يلي: "بقدر ما يتشكل العالم الحديث بفعل التوسع الأوروبي (الاستعمار، الإمبريالية، دول المستوطنين البيض، والعبودية العنصرية)"، فإن العقد الاجتماعي عند لوك "يمكن اعتباره مؤسسًا على ’عقد عنصري‘ إقصائي داخلي بين أفراد المجتمع الأبيض، والذي يحرم الملونين من المساواة في المكانة الأخلاقية والقانونية والسياسية". وقد بشّر نجاح الثورة الأميركية العام 1776 بفترة "انتصر فيها الحكم الذاتي للمجتمع المدني، رافعًا راية الحرية والنضال ضد الاستبداد"، حتى مع أنه "حفز تطور العبودية العنصرية، وخلق هوة غير مسبوقة لا يمكن ردمها بين البيض والملونين".
ويتفق المؤرخ الإيطالي البارز في تاريخ الليبرالية، دومينيكو لوسوردو، مع هذا التقييم، فيقول: "بين هذين العنصرين، اللذين ولدا معًا كتوأمين في لحظة ميلاد واحدة، نشأت علاقة حافلة بالتوترات والتناقضات".
الطبقة والعرق والحرب الأهلية
كانت للحرب الأهلية الأميركية أسباب متعددة ومتكاملة. وعلى الرغم من أن كثيرين في الشمال كانوا مدفوعين بالواجب الأخلاقي المتمثل في إلغاء الرق، فإن العامل الأكثر تأثيرًا تمثل في التهديد الذي شكله توسع اقتصاد المزارع القائم على العبودية على تطلعات المستوطنين إلى امتلاك أراضٍ حرة تُزرع بأيدي عمال أحرار. وهكذا نشأ الموقف الملتبس الذي اتخذه البيض في الشمال تجاه السود. من جهة، كانوا ينظرون إليهم باعتبارهم منافسين يشكلون تهديدًا بسبب أدائهم عملًا غير مأجور، ومن جهة أخرى، اعتبروهم حلفاء في مواجهة أرستقراطية مُلاك العبيد في الجنوب، التي لم تكن تعرف الشبع في سعيها إلى الاستيلاء على الأرض.
لذلك رأى سيدني ويلنتز، أبرز مؤرخي نشأة الديمقراطية الأميركية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أن الفارق الجوهري بين الجنوب والشمال عشية الحرب الأهلية تمثل في أن "الجنوب كان ملتزمًا، إلى حد كبير، بديمقراطية عنصرية تقوم العبودية أساسًا لها، في حين كان الشمال ملتزمًا بديمقراطية الرجل الأبيض، ومنقسمًا بشأن مشاركة السود في الحياة السياسية، لكنه معادٍ للعبودية". وكان كلا النموذجين، في نظر عالم الاجتماع بيير فان دن بيرغه، صورتين مختلفتين لما أسماه "ديمقراطية العِرق السيد".
الوعي الطبقي في مواجهة التضامن العرقي
بعد الحرب الأهلية، أصبحت "ديمقراطية العِرق السيد" بصيغتها الثانية هي النموذج السائد. ومع أن العبودية أُلغيت، ظل المجتمع مشبعًا بفكرة تفوق البيض، وأصبح الحرمان غير الرسمي للسود من حقوقهم السياسية، والإرهاب الذي مارسته الدولة والمجتمع ضدهم، سمة مألوفة في جنوب ما بعد إعادة الإعمار، في حين اقترن التسامح الهش مع حق السود في التصويت في الشمال بأشكال منهجية من التمييز الاجتماعي والاقتصادي.
استقطب التصنيع السريع نحو 16 مليون مهاجر من أوروبا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مما أوجد توترات حادة بين طبقة رأسمالية يغلب عليها البيض من أصول أنغلوسكسونية، وطبقة عاملة متعددة القوميات والأعراق. لكنّ البنية النفسية اللوكية التأسيسية التي انتقلت عبر الأجيال تركت أثرًا مزدوجًا؛ فقد أضعف وعي البرجوازي الصغير التضامن القائم على الانتماء الطبقي، بينما عزز، في الوقت نفسه، التضامن القائم على الانتماء العرقي، انطلاقًا من افتراض غير معلن، لكنه راسخ بين البيض، بأن الحرية والديمقراطية هما حقان يخصانهم وحدهم.
كعادته في التكيف مع الظروف، أعاد الاقتصاد الرأسمالي الأميركي الصاعد تنظيم نفسه بما ينسجم مع مبدأ تفوق البيض، فقسّم قوة العمل على أسس عرقية، كما جرى تنظيم العمل النقابي إلى حد كبير وفق الخطوط العرقية نفسها. واستمر الفصل العنصري داخل القوات المسلحة حتى فترة وجيزة سبقت اندلاع الحرب الكورية، على الرغم من أن السود أثبتوا منذ حرب الاستقلال أنهم قادرون على القتال والموت دفاعًا عن بلادهم بقدر البيض أنفسهم، كما أثبت الأميركيون من أصل ياباني، بكلفة باهظة، خلال الحرب العالمية الثانية.
سوف يظل ضعف التضامن الطبقي -في مقابل قوة التضامن العرقي- يشكلان القطبين اللذين دارت بينهما المسيرة المعقدة والمؤلمة للطبقة العاملة الأميركية منذ الحرب الأهلية وحتى انطلاق "حركة الحقوق المدنية" في أواخر خمسينيات القرن العشرين وأوائل ستينياته.
وخلال هذه المرحلة، وسّعت الولايات المتحدة نطاق نفوذها إلى ما وراء أميركا الشمالية. ومع توسعها حملت معها أيضًا التناقض اللوكي إلى الخارج. وخاضت حروبًا توسعية وإمبريالية في الفلبين، وفي منطقة المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية، وفي كوريا، وفيتنام. واتسمت معظم هذه الحروب بدرجة من العنف ترقى إلى الإبادة الجماعية.
مع ذلك، لم يرَ صناع القرار الأميركيون -في دلالة على قوة النظرة العنصرية التي حجبت عنهم رؤية الواقع- أي تناقض بين ارتكاب الإبادة الجماعية، التي كانوا يسمونها من قبيل التلطيف بأنها "حرب كثيفة التكنولوجيا"، وبين رسالتهم المعلنة المتمثلة في تصدير الديمقراطية على النمط الأميركي. وكان الافتراض الضمني الذي يحكم تفكيرهم هو أن البيض وحدهم هم القادرون على ممارسة الحقوق الديمقراطية ممارسة كاملة، وهم وحدهم المستحقون لها. وفي المقابل، غذت فكرة الديمقراطية خيالًا سياسيًا نافعًا، كثيرًا ما كانت تفرضه على شعوب تلك البلدان أنظمة سلطوية حليفة ونخب محلية موالية.
"الاستراتيجية الجنوبية"
كان التحشيد من أجل الحقوق المدنية في ستينيات القرن العشرين يمثل هجومًا مباشرًا على ديمقراطية العِرق المتفوق. وبعد أن أُجبرت هذه الديمقراطية على التراجع لبعض الوقت، فإنها عادت للظهور بقوة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين لتنازع تطور السياسة الأميركية في صورة ما عُرف بـ"الاستراتيجية الجنوبية" سيئة السمعة، حيث أعاد الحزب الجمهوري، مستخدمًا كلًا من العنصرية الصريحة و"سياسة التلميحات العنصرية المبطّنة" تشكيل صورته وطابعه السياسي من أجل اجتذاب البيض الجنوبيين الذين شعروا بأن الحزب الديمقراطي قد خانهم بسبب تحالفه مع حركة الحقوق المدنية. كما استغل الجمهوريون من اليمين المتطرف، بمهارة، مشاعر انعدام الأمان الاقتصادي لدى العمال الشماليين التي أثارتها قيادة الحزب الديمقراطي بتبنّيها سياسات النيوليبرالية، فألقوا باللوم في فقدانهم وظائفهم وركود دخولهم على ما وصفوه بـ"تدليل" الحزب للأقليات والمهاجرين. ومع حلول مطلع القرن الحادي والعشرين، كان الحزب الجمهوري قد قطع شوطًا كبيرًا في طريق تحوله إلى حزب تفوق البيض. وبلغ هذا المسار ذروته في عهد دونالد ترامب، الذي أحكم قبضته على أغلبية صلبة من الناخبين البيض، حيث صوّت له ما بين 54 و55 في المائة منهم في انتخابات الأعوام 2016 و2020 و2024.
وكما حدث مع الحزب الجمهوري، أدّت الثورة الاجتماعية المضادة إلى جعل مؤسسات سياسية أخرى في الولايات المتحدة مشحونة بالعنصرية إلى درجة أن هناك، كما قال ميلز، "نظامًا مستمرًا للهيمنة البيضاء في غياب أيديولوجيا معلنة لتفوق البيض، وفي غياب قواعد صريحة للإخضاع القانوني (de jure)".
عوامل التسريع
تم في الأعوام الأخيرة تأجيج مخاوف البيض بفعل ثلاثة عناصر مؤججة. وكان انتخاب باراك أوباما رئيسًا في العام 2008 على الأرجح أكبر عامل منفرد في تسريع صعود القومية البيضاء. وكان من العوامل الحاسمة أيضًا شعور كثير من الرجال البيض بأنهم أصبحوا تائهين في عالم تتعرض فيه التسلسلات الهرمية التقليدية بين الجنسين للاهتزاز، ويجري فيه التخلي عن التصنيف الثنائي للجنس، وتكتسب فيه النساء مزيدًا من السيطرة على أجسادهن، كما أصبح العُرف التقليدي القائم على "الأسرة الأبوية المغايرة جنسيًا" موضع تساؤل بفعل أنماط جديدة من الترتيبات الأسرية.
لطالما عومل المهاجرون بالريبة والشك في المجتمع الأميركي، لكنّ وصول أعداد كبيرة من ذوي البشرة الملونة خلال العقود الأخيرة جعل كثيرًا من البيض عرضة لتصديق نظرية "الاستبدال العظيم" Great Replacement Theory، التي روّج لها المفكر الفرنسي اليميني المتطرف رينو كامو، والتي تزعم أن الهجرة القادمة من الجنوب العالمي ليست سوى مؤامرة تدبرها النخب الليبرالية لتحويل الأغلبية البيضاء إلى أقلية بحلول أربعينيات القرن الحادي والعشرين.
كل ذلك مهّد الطريق لصعود دونالد ترامب، الذي وصفته المحللة السياسية في وكالة الاستخبارات المركزية، باربرا والتر، بأنه "أكبر رائد أعمال إثني على الإطلاق". ووفقًا لها: "لم يسعَ أي رئيس جمهوري خلال الأعوام الخمسين الماضية إلى تبنّي برنامج أكثر عنصرية، أو إلى الدفاع عن الأميركيين البيض الإنجيليين على حساب جميع الآخرين، كما فعل هو".
الصراع من أجل المستقبل
كنتُ في سان فرانسيسكو عندما احتفلت الولايات المتحدة بالذكرى المئوية الثانية لتأسيسها في العام 1976. وكان الشعور السائد آنذاك هو الارتياح؛ إحساس بأن الأمة تترك وراءها انقسامات عصر الحقوق المدنية، وحرب فيتنام، وفضيحة ووترغيت. ولكن، مع احتفال الولايات المتحدة بذكرى مرور ألفين وخمسمائة عام (الذكرى شبه الألفية الثانية والنصف لتأسيسها)، أصبح التشاؤم والغضب هما الشعورين المهيمنين. ووفقًا لاستطلاع أجرته "مؤسسة غالوب"، لا يقول سوى 31 في المائة إنهم "فخورون جدًا أو فخورون للغاية بكونهم أميركيين"، بعد أن كانت النسبة 78 في المائة في العام 2015.
يشك عدد كبير من المواطنين، بدءًا من السيناتور كريس ميرفي (الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت) وصولًا إلى الممثل روبرت دي نيرو، بجدية، في أن ترامب والجمهوريين سيقبلون التخلي عن السلطة سلميًا إذا خسروا انتخابات العام 2028. وثم آخرون، مثل الفنانتين إيلين دي جينيريس وروزي أودونيل، لم ينتظروا لمعرفة ما سيحدث، بل اختاروا الفرار إلى بلدان أخرى (مع أن الاشمئزاز من ترامب، في كثير من الحالات، امتزج بسعادة مع الرغبة في الهروب من دفع الضرائب).
لم يستطع الإجماع الليبرالي حول طبيعة الولايات المتحدة بوصفها "بوتقة الانصهار" melting pot -التي توفر، على الرغم من عيوبها، نموذجًا للحكم الديمقراطي للعالم- أن يصمد أمام الدراسات النقدية الصادرة عن اليسار. ومن جهة اليمين، يجري القضاء على التنوع -وهي الكلمة التي يكرهها دونالد ترامب أكثر من أي شيء آخر- من خلال إعادة سرد تاريخ أميركا وإعادة صياغته باعتباره نتاجًا أبيض خالصًا، وهي الرواية السائدة التي كانت مهيمنة في خمسينيات القرن العشرين حين كان ترامب في مرحلة نشأته.
ظهرت هذه الرواية بأوضح صورها في خطاب قبول ترامب ترشيح الحزب الجمهوري له لمنصب الرئيس خلال المؤتمر الوطني للحزب في العام 2020، حيث قال إن ما يميز أميركا هو روح غزو الأرض والغرب على أيدي "رعاة الماشية وعمال المناجم، ورعاة البقر، ورجال الشرطة، والمزارعين، والمستوطنين"، وهي مسيرة انتصار تحققت، بحسب قوله، بفضل أمثال "وايت إيرب، وآني أوكلي، وديفي كروكيت، وبافالو بيل". ولا توجد في هذا التصريح إشارة صريحة إلى كلمة "أبيض"، لكنّ الشيفرة العنصرية المضمّنة في تلميحاته تكفي لإشعال حماس جماهير حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجددًا" (ماغا) والدفع بها إلى حالة من الهياج.
مع ذلك، ليس التهديد المتمثل في استيلاء اليمين المتطرف على السردية التاريخية الأميركية هو أعظم أزمة تواجه الجمهورية الأميركية وهي تدخل عامها المائتين بعد الخمسين. وتتمثل الأزمة الكبرى في التخريب المتعمد لما يجري تعليمه لكل تلميذ وتلميذة في المدارس باعتباره جوهرة "التجربة الأميركية" -مبدأ فصل السلطات- على يد رجل لم يُخفِ قط رغبته في امتلاك سلطة مطلقة، وفي ظل معارضة محدودة من كونغرس يهيمن عليه الجمهوريون، وتواطؤ من المحكمة العليا، ودعم متحمس من قاعدة "ماغا" التي ستسير معه بسعادة وانضباط في مسار متسق نحو الفاشية.
لكنّ الجمهورية، مع كل ذلك، ليست عاطلة من الأمل. وهو أمل يتجسد في التقدميين من أمثال عمدة نيويورك، زهران ممداني، وفي الشباب الراديكاليين الذين اكتسحوا الانتخابات التمهيدية في أواخر حزيران (يونيو)؛ أولئك الذين لا يستمدون توجيههم من "حكمة الآباء المؤسسين" في الماضي، وإنما يتطلعون إلى مستقبل ديمقراطي واشتراكي، يقوم على مساواة حقيقية وتعددية عرقية نزيهة.
 
*والدن بيلو Walden Bello: كاتب عمود في صحيفة "السياسة الخارجية تحت المجهر"، وهو مؤلف أو مؤلف مشارك لـستة وعشرين كتابًا، أحدثها: "ميادين المعارك العالمية: مذكرات مثقف عام أسطوري من الجنوب العالمي" Global Battlefields: Memoir of a Legendary Public Intellectual from the Global South، (أتلانتا: دار كلاريتي برس، 2025)؛ و"التنانين الورقية: الصين والانهيار القادم" Paper Dragons: China and the Next Crash، (المملكة المتحدة: بلومزبري، 2019)؛ و"الثورة المضادة: الصعود العالمي لليمين المتطرف" Counterrevolution: The Global Rise of the Far Right، (هاليفاكس: دار فرن وود برس، 2019).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America at 250: From a Contested Past to a Fascist Future?