عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Jul-2026

شاشات المربربين*رمزي الغزوي

 الدستور

كانت الطفولة، ذات زمن، تقاس بعدد الركب المخدوشة لا بعدد التطبيقات المثبتة على الهواتف. كنا نعود إلى بيوتنا وقد حمل كل واحد منا على جسده سيرة يوم كامل: شوكة من طرف الوادي، وكدمة من مطاردة فراشة، وقليل من الغبار يكفي لإثبات أننا عشنا نهارا حقيقيا. لم تكن أجسادنا تجيد السكون. كنا نركض، كأن الأرض خلقت كي لا نتوقف.
 
كنا أولادا طيبين، ليني الرؤوس، نقبل على الحياة بجنون، وعصافير أرواحنا مربوطة بخيوط اللعب. نقطع النهارات بالمرح، ونهب إلى البساتين لنصنع في وادي العريس بركة نتبلبط فيها كسمك أفلت من يد صياد. وحين يميل النهار إلى الانكماش، نعود لنفرش ظهورنا للسماء، نعبث بالنجوم ونعدها، غير آبهين بتحذيرات الجدات من الثآليل التي تنبت في الأصابع كلما وكزنا نجمة ساهرة.
 
كنا منزوعي الدسم، لكننا أقوياء كالحجارة التي كان آباؤنا يأمروننا بحملها لبناء السناسل. نطارد حمارا حرونا إذا ما قطع حبله، ونصعد شجرة سرو تميد بنا حتى نظن أننا نلامس غيمة شاردة. أجسادنا كانت مطارق رمان، وأرواحنا غناء في البساتين.
 
كانت خبزة مخضبة بالزيت نرش فوقها سكرا تكفي لتحولنا إلى جيش صغير. فيما تصير عصي الغسيل الطويل (الشواريط) أحصنة صاهلة تحتنا، والقصب في ايادينا سيوفا بتارة، والأرض تحتنا مملكة مفتوحة لأحلامنا المجنونة. لم يكن بيننا من يلهث بعد بضع خطوات أو سقطات. والأهم أننا كنا نأكل على جوع، ونركض على فرح، لننام على تعب جميل.
 
اليوم، أطفالنا باتوا خائري القوى كأسرى. أجساد مكتنزة، وعيون مطفأة، وأصابع تحفظ طريقها إلى الشاشات أكثر مما تحفظ طريقها إلى شجرة أو غيمة أو وردة على حجر. يجلس الواحد منهم غارسا رأسه في هاتفه أو حاسوبه.
 
لم تعد المشكلة أن أطفالنا ازدادوا وزنا وغدوا مربربين مفلطحين، بل أنهم فقدوا شيئا أكبر من ذلك بكثير: فقدوا حقهم في اللعب والركض. لقد سرقنا منهم الغبار، والوديان، ووجوه الرفاق، واستبدلنا بكل ذلك وجبات معلبة، وأوقاتا معلبة، وطفولة معلبة أيضا.
 
يقول الأطباء إن أجسادهم بدأت تحمل ما لا تحتمله أعمارهم: سكرا مبكرا، وقلوبا متعبة، ولهاثا يدلق ألسنتهم. لكن الكارثة الحقيقية ليست في الشحوم التي تراكمت حول خصورهم بقدر ما هي في ذلك الفراغ الذي تراكم في حيواتهم.
 
أخشى أن يأتي يوم نسأل فيه أطفالنا: هل سبق لكم أن سقطتم عن شجرة أو خدشتم صخرة؟ أو طاردتم فراشة؟ هل حدث وعدتم إلى البيت وثيابكم ملطخة بالطين والشغب؟ سيحدقون فينا بدهشة، كما لو أننا نحكي لهم عن كائنات أسطورية انقرضت منذ زمن بعيد. وعندها فقط، سندرك أن الذي أثقله الزمن لم يكن أجساد أطفالنا وحدها، بل ذاكرتنا نحن أيضا. فقد كانت الطفولة، ذات زمن، تهيم حافية بين الحقول، ثم خسرت ساقيها على الطريق إلى أقرب شاشة مضيئة تثقل اليد.