عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Sep-2026

شناوي توثق "أغاني الأعراس والمهاهاة والأهازيج" الشعبية في كتاب جديد

 الغد-عزيزة علي

 يوثق كتاب "من أغانينا الشعبية – أغاني الفرح المنداوي"، من إعداد خيرية شناوي، جانبًا من الذاكرة الغنائية والتراث الشعبي في منطقة الجليل، مع تركيز خاص على "الأغاني والمهاهاة والأهازيج" التي رافقت الأعراس والمناسبات الاجتماعية في قرية كفرمندا، ونقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل.
 
 
ويأتي الكتاب الصادر عن دار سهيل عيساوي للنشر، في محاولة لحفظ هذا الموروث الشفهي وتوثيقه في كتاب، خشية تعرضه للضياع والاندثار، خصوصًا أن كثيرًا من هذه الأغنيات ارتبطت بذاكرة الناس وتفاصيل حياتهم الاجتماعية، وشكلت جزءًا أساسيا من طقوس الفرح والاحتفال.
وتستند شناوي في إعداد الكتاب، إلى تجربة شخصية امتدت عقودًا، عاشت خلالها مع الأغنية الشعبية، حفظًا وأداءً وتأليفًا، وشاركت في إحياء الأعراس والمناسبات، ما أتاح لها جمع مئات "الأغنيات والمهاهاة والأهازيج"، التي بقيت راسخة في ذاكرتها منذ الطفولة.
واستغرق إعداد الكتاب سنوات طويلة من البحث والعمل واسترجاع الذاكرة وجمع المادة التراثية، ليقدم في نهاية المطاف شهادة على زمن كانت فيه الأغنية الشعبية حاضرة في تفاصيل الأفراح، ووسيلة للتعبير عن مشاعر الناس واحتفالاتهم، فضلًا عن كونها وعاءً لحفظ الذاكرة الشعبية ونقلها إلى الأجيال القادمة.
وفي مقدمتها للكتاب، التي جاءت بعنوان "رحلة عمري مع أغاني الأعراس والتراث"، تستعيد شناوي بدايات علاقتها بالغناء والعزف على الدربكة، مشيرة إلى أنها أحبت الغناء منذ طفولتها المبكرة، وتعلمت العزف على الدربكة وهي في الصف الرابع الابتدائي.
وقالت: "كنت أعود من المدرسة، فأجمع بنات الحي وأعلّمهن الأغاني والأناشيد الجديدة التي أتعلمها أو أسمعها. وكانت الدربكة رفيقة دربي في كل وقت، وكلما تلفت أو انكسرت من كثرة الاستعمال، كان أهلي وإخوتي يحضرون لي دربكة جديدة تشجيعًا منهم لحبي للغناء والتراث".
وأضافت المؤلفة أنها مع مرور السنوات كبرت، وكبر معها شغفها بأغنيات الأعراس الشعبية، فأصبحت تشارك في الأفراح والمناسبات داخل القرية وخارجها، وتغني وتعزف على الدربكة، فيما يردد الناس الأغنيات وراءها، حتى أصبحت معروفة في الأعراس والمناسبات.
وتشير شناوي، إلى أن زوجها، رحمه الله، شجعها على مواصلة هذا الطريق، لأنه كان يرى في الغناء الشعبي رسالة فرح وسعادة، تساهم في إدخال السرور إلى قلوب الناس.
ومنذ صغرها، حرصت خيرية شناوي على حفظ الأغيات الشعبية والتراثية؛ فكلما سمعت أغنية أعجبتها، دونت كلماتها على ورقة، ثم حفظتها عن ظهر قلب لترددها في الأعراس والمناسبات. ومع مرور السنوات، أصبحت ذاكرتها تختزن مئات الأغنيات والمهاهاة والأهازيج الشعبية، التي تناقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل.
وتستعيد شناوي تلك المرحلة قائلة: "إنها كانت تغني لساعات طويلة من دون أن تشعر بالتعب، فيما كان الحضور يرددون الأغنيات خلفها". وأوضحت: "لم أكن أغني خلف أحد، بل كان الجميع يغنون من ورائي ويشاركونني الفرح".
وتشير إلى أن الأعراس في ذلك الوقت، كانت تمتد سبعة أيام أو أكثر، فيما كان يُعرف بـ"التعاليل"، حيث يجتمع الناس كل ليلة في بيت الفرح. وتقول: "إنهم كانوا ينتظرون حضورها إذا تأخرت، ويسألون عنها، بل يبحثون عنها أحيانًا، بعدما اعتادوا أن تكون جزءًا أساسيًا من أفراحهم".
وأضافت أن غيابها عن أي مناسبة كان يثير تساؤلات الحاضرين، الذين كانوا يتفقدونها ويسألون عن سبب عدم حضورها، لافتة إلى أنه لم يكن من السهل أن يحل أحد مكانها في إحياء تلك المناسبات.
وأوضحت المؤلفة، أنها ما تزال تذكر حتى اليوم بعض مشاهد الأعراس القديمة التي عايشتها طفلة في السابعة من عمرها، مشيرة إلى أن العروس كانت تركب فرسًا أصيلة، ويُغطّى وجهها بمنديل أبيض، وتُربط يدها بمنديل أبيض آخر، فيما ترفع يدها اليمنى إلى الأعلى، بينما يقود أحد أقاربها الفرس، ويسير الناس من حولها وهم يغنون ويزغردون.
وتستعيد شناوي إحدى الأغنيات التي كانت تُردّد في تلك اللحظات، قائلة: "إنها، وبعد أكثر من سبعين عامًا، ما تزال تحفظ كلماتها: "عالهيلة الهيئة الهيلة/ومسعد يا رجل الزينة
ما طلعت إلا بناموس/وما ركبت إلا كحيلة".
وبينت المؤلفة أن هذه الأغنية، وغيرها من الأغنيات التراثية، بقيت راسخة في ذاكرتها حتى اليوم، وكانت ترددها في الأعراس جيلًا بعد جيل، شأنها في ذلك شأن كثير من الأغنيات التي يتضمنها الكتاب.
ولم تكتفِ شناوي بحفظ الأغنيات التراثية، بل ألفت أيضًا عددًا من أغنيات الأعراس التي كانت تؤديها في المناسبات المختلفة، تعبيرًا عن فرحتها بالعروس والعريس وأهلهما. وتقول: "إنها كانت تشعر بمسؤولية كبيرة تجاه كل فرح تشارك فيه، وتحرص على أن تزرع البهجة في قلوب الناس، وأن تكون سببًا في إسعادهم".
وقالت المؤلفة: "رغم أن الله لم يرزقني أبناء، فإنني كنت أشعر في كل عرس أشارك فيه بأن العروس أو العريس من أبنائي؛ فأفرح لفرحهما، وأتمنى لهما الخير من قلبي. وما أسعدني أكثر هو أنني استطعت، على مدار سنوات طويلة، أن أدخل الفرح إلى قلوب الصغار والكبار، وأن أشارك الناس أجمل لحظات حياتهم".
وأضافت أنها تحن كثيرًا إلى "أيام زمان"، حين كانت الحياة، بحسب وصفها، أبسط وأهدأ، ومليئة بالمحبة والتعاون والعطاء. وكان الناس يتقاسمون الطعام فيما بينهم، ويتعاونون في مختلف شؤون حياتهم، فيما كانت القلوب صافية وبعيدة عن الحسد والضغينة.
وترى شناوي، أن تلك الأجواء منحت الأعراس نكهة خاصة ما تزال عالقة في الذاكرة حتى اليوم، مؤكدة اعتزازها بالدور الذي أدته في إحياء الأعراس الشعبية والحفاظ على تراثها الغنائي. وقالت: "إن الناس كانوا يكنّون لها المحبة والاحترام، لأنها كرّست جزءًا كبيرًا من حياتها لخدمة هذا التراث". وتشير إلى أنها أصدرت في السابق كتابين، فيما استغرق إعداد هذا الكتاب، عامًا كاملًا من العمل والبحث واسترجاع الذكريات وجمع ما تختزنه ذاكرتها من أغنيات الأعراس والمهاهاة والأهازيج الشعبية.
وأوضحت: "كل كلمة وردت فيه هي جزء من تجربة عشتها بنفسي، وغنيتها في الأعراس والمناسبات، وحملتها في قلبي وذاكرتي عشرات السنين". وتعرب عن سعادتها بجمع هذا التراث في كتاب واحد، ليبقى محفوظًا للأجيال القادمة، وليشهد على زمن جميل عاشته بين الناس، "زمن امتلأ بالمحبة والعطاء والفرح".
وتختتم شناوي مقدمتها، بالتعبير عن أملها في أن يجد القارئ في صفحات الكتاب شيئًا من عبق الماضي وجماله، وأن تبقى هذه الأغنيات والأهازيج حية في الذاكرة، كما بقيت حية في قلبها طوال حياتها.
ويهدف الكتاب، إلى توثيق الأغنيات الشعبية التي تناقلها الناس وأدوها في الأعراس والمناسبات، ولا سيما في منطقة الجليل وقرية كفرمندا، وحفظ هذا الموروث الشعبي من الضياع والاندثار، بما يساهم في صون جانب مهم من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمنطقة.