عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Sep-2026

وهم إسرائيل الكبرى قد يفضي إلى زوال إسرائيل

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألون بن مئير* - (إن ديبث نيوز) 11/9/2026
في حقيقتها، ليست اندفاعة إسرائيل التي تتسارع نحو إقامة "إسرائيل الكبرى" التوراتية انحرافًا عن المسار بقدر ما هي ذروة عقود من الضم التدريجي والتساهل الدولي. وإذا تُركت هذه الاندفاعة من دون رادع، فإنها سترسّخ احتلالًا دائمًا، وتؤجج مشاكل المنطقة لأجيال، وقد تفضي في نهاية المطاف إلى تقويض إسرائيل نفسها كدولة قابلة للاستمرار.
 
 
نيويورك  - تستند رؤية "إسرائيل الكبرى" إلى قراءات مطلقة التطرف لآيات الكتاب المقدس -وخاصة سفر التكوين 15:18–21- (1) التي يفسرها البعض على أنها وعد بالسيادة اليهودية على الأرض الممتدة من "نهر مصر" إلى نهر الفرات. وفي السياسة المعاصرة، أفرز هذا التصور الديني طموحين متداخلين: فرض سيطرة إسرائيلية لا ينازعها أحد على كامل الأرض الممتدة بين البحر المتوسط ونهر الأردن؛ وممارسة النفوذ أو الهيمنة على أجزاء من مصر والأردن ولبنان وسورية والعراق بصيغها السياسية الراهنة.
وكما حدَث، انتقل ما كان يومًا خيالًا مسيانيًا نخبويًا باطنيًا إلى حيز سياسة الدولة. وقد رسّخ الائتلاف الحالي بقيادة نتنياهو هذه الرؤية من خلال ما يمكن وصفه بـ"الضم بألف قَطع": إعادة تصنيف مساحة هائلة من أراضي الضفة الغربية باعتبارها "أراضي دولة"؛ وتسريع التوسع الاستيطاني؛ وإنشاء كتل استيطانية تقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني؛ وتوسيع نطاق السلطة العسكرية الإسرائيلية.
وليست هذه الإجراءات تدابير أمنية متفرقة، وإنما مكونات لمشروع إقليمي متماسك لإعادة تشكيل الأرض. وقد خلصت "محكمة العدل الدولية" فعليًا إلى أن وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني. ومع ذلك، تواصل القيادة الإسرائيلية التصرف كما لو أن الوعد التوراتي يتقدم على الالتزامات الدولية.
الفلسطينيون والتداعيات الإقليمية
بالنسبة للفلسطينيين، لا يعني السعي إلى إقامة "إسرائيل الكبرى" تكريس أشد وطأة؛ وإنما تعني إغلاق أي أفق سياسي. بدلًا من أن تكون الضفة الغربية أساسًا لدولة فلسطينية مستقبلية، تجري إعادة تشكيلها لتتحول إلى كانتونات منفصلة تحيط بها بنى تحتية إسرائيلية، ومستوطنون مسلحون، وقوات عسكرية، بينما يجري التعامل مع غزة باعتبارها خزانًا يمكن التخلص منه لسكان غير مرغوب فيهم.
ولعل الأكثر خطورة في مشروع "إسرائيل الكبرى" هو أنه يُطبِّع العنف البنيوي باعتباره المبدأ الناظم الدائم لحياة الفلسطينيين: حرمانهم من تراخيص البناء؛ وفرض قيود تعسفية على حركتهم؛ وتجريم التعبير السياسي الصادر عنهم؛ وإدامة العنف المتكرر الذي يمارسه المستوطنون من دون عقاب.
ولن يقبل أي مجتمع فلسطيني بهذه الحقيقة إلى ما لا نهاية. وسيكون افتراض إمكانية تجريد خمسة ملايين إنسان من حقوقهم، وتقييدهم، وإذلالهم، وحرمانهم من أي تمثيل سياسي ذي معنى من دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التطرف، تجاهلًا للدروس الأساسية التي يقدمها التاريخ. مع ترسخ الضم ستتصاعد المقاومة المسلحة وأعمال التمرد المحلية والعصيان المدني الجماهيري، بما سيقود حتمًا إلى مواجهة عنيفة كارثية وإلى اضطراب إقليمي مستمر.
مرة تلو المرة أدانت الدول الإقليمية التي ترتبط باتفاقيات سلام مع إسرائيل المستوطنات الجديدة والضم المتدرج، لكن معظمها توقف عند حدود الخطاب، موازنًا بين الغضب الشعبي من جهة، والتعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي مع إسرائيل من جهة أخرى.
وتتعرض الدول التي تحتفظ بأقدم معاهدات سلام مع إسرائيل لانكشاف خاص أمام هذه التداعيات. فقد جرى تبرير اتفاقياتها باعتبارها خطوة نحو سلام شامل يُفترض أن يفضي في نهاية المطاف إلى حل القضية الفلسطينية. وإذا كانت إسرائيل قد تخلّت علنًا عن هذا الأساس من خلال الضم والتهجير الجماعي المُدبَّر، فإن هذه المعاهدات أصبحت مسبقًا سامّة سياسيًا -حتى وإن لم يتم إلغاؤها رسميًا.
ويظهر التناقض صارخاً بنفس المقدار مع الدول التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل في إطار "اتفاقيات أبراهام". فقد قدّمت هذه الدول التطبيع باعتباره وسيلة لاكتساب نفوذ يتيح خدمة الفلسطينيين، ودفع الاستقرار والازدهار الإقليميين قدمًا. لكن أجندة "إسرائيل الكبرى" تكشف خواء هذه الرواية، وتعيد تقديم التطبيع بشبهة اعتباره تواطؤًا في تكريس احتلال دائم.
الكلفة الدولية والأخلاقية
على الصعيد الدولي، يؤدي تقدم مشروع "إسرائيل الكبرى" إلى تسريع تحول إسرائيل من حليف مثير للجدل إلى دولة يرى كثيرون على نحو متزايد أن سلوكها يتعارض مع نظام دولي قائم على القواعد. والمبادئ ذات الصلة واضحة: لا يجوز اكتساب الأراضي بالقوة؛ وللشعوب حق في تقرير مصيرها؛ وحقوق الإنسان الأساسية قيمة عالمية. وتنتهك سياسات الضم الإسرائيلية كل واحد من هذه المبادئ تحت سمع العالم وبصره.
تضع هذه الحقيقة حلفاء إسرائيل الغربيين -وفي مقدمتهم الإدارات الأميركية المقبلة- أمام تناقض أخلاقي واستراتيجي حاد. فالذي يحدث الآن هو أن واشنطن تستند إلى هذه المبادئ نفسها في خطابها بينما تستمر في تسليح الحكومة الإسرائيلية التي ترسّخ هيمنةً دائمة على شعب آخر، وتتولى تمويلها وحمايتها. وإذا واصلت الولايات المتحدة صمتها أو تساهلها، فإنها ستسهم في ترسيخ الانطباع بأن القانون الدولي يُطبَّق بصورة انتقائية وفق مقتضيات الملاءمة الجيوسياسية. ومن شأن هذا الانطباع أن يقوّض مصداقية الغرب، ويجعل التعاون في مواجهة أزمات دولية أخرى أكثر صعوبة.
وثمة نتيجة أكثر قتامة أيضًا: كلما اتجهت إسرائيل إلى تعريف نفسها بصورة متزايدة على أسس إثنية ودينية وادّعاء التحدث باسم يهود العالم، ازداد الغضب من السياسات الإسرائيلية، في ما سيؤدي بدوره إلى تصعيد العداء تجاه الجاليات اليهودية في الخارج. ومن هذه الزاوية، لا يكتفي                      مشروع "إسرائيل الكبرى" بتعريض الفلسطينيين والاستقرار الإقليمي للخطر فحسب، وإنما يهدد أيضًا أمن اليهود خارج حدود إسرائيل -وهو ما يناقض الغاية التي قامت إسرائيل من أجلها.
أخلاقيًا وفلسفيًا، يشكل السعي إلى إقامة "إسرائيل الكبرى" قطيعة عميقة مع التاريخ اليهودي وليس استكمالًا له. وبينما يربط الفكر الحاخامي الكلاسيكي السيادة اليهودية بضبط القوة والاحتكام إلى القانون، تقيس التقاليد النبوية السلطة بمدى عدلها تجاه الضعفاء والغريب. ولا تستطيع دولة تعرّف نفسها من خلال إخضاع شعب آخر بصورة دائمة أن تقدم نفسها بصورة مقنعة على أنها تجسيد لهذا الإرث.
تختزل أيديولوجيا "إسرائيل الكبرى" اليهوديةَ في مطالبة قبَلية بالأرض، منزوعًا منها مضمونها الأخلاقي الكوني. كما تعيد أيضًا صياغة الذاكرة اليهودية. فبدل أن تكون مصدرًا للتعاطف مع المجرّدين من ديارهم وحقوقهم، تتحول إلى مسوغ لتجريد الآخرين من ديارهم وحقوقهم. وهذا الانقلاب خطير على المستوى الوجودي لأن كيانًا سياسيًا يقوم على ظلم مؤسسي يستطيع أن يفرض الخوف، لكنه سيكون عاجزًا عن اكتساب شرعية مستدامة. ومن هذا المنظور، قد تمثل الاندفاعة نحو "إسرائيل الكبرى" بداية تقويض إسرائيل كدولة قابلة للاستمرار، وجعلها قلعة تتآكل من الداخل بفعل الوسائل نفسها التي تستخدمها للدفاع عن نفسها.
ما الذي ما يزال بوسع حلفاء إسرائيل فعله؟
إذا كان حلفاء إسرائيل -وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والدول الإقليمية المعنيّة- جادين في منع إسرائيل من المضي في هذا المسار المدمِّر للذات مع تعزيز فرص قيام دولة فلسطينية، فعليهم أن يتجاوزوا عبارات القلق المكررة والخطاب الفارغ، وأن ينتقلوا إلى اتخاذ إجراءات ملموسة.
لا أتوقع من إدارة ترامب، ولا من ألمانيا التي تدعم إسرائيل دعمًا أعمى، اتخاذ أي إجراء ملموس لثني الحكومة الحالية بقيادة نتنياهو عن المضي في مخططها الكارثي لإقامة "إسرائيل الكبرى". لكنّ عليهما أن تتذكرا أن تقاعسهما لا يقتصر فقط على تدمير أي أفق للسلام الإسرائيلي-الفلسطيني، وإنما يعرّض أمن إسرائيل نفسها للخطر أيضًا -وهو الأمن الذي يُفترض أنهما تريدان الحفاظ عليه. كما أنهما تتحولان إلى شريكين في الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الإنسانية.
سوف يفتح احتمال تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة عقب الانتخابات المرتقبة في تشرين الأول (أكتوبر) نافذة لإمكانية الضغط عليها لتغيير مسارها -بدءًا بوقف التطهير العرقي المنهجي والوحشي الجاري في الضفة الغربية؛ ووقف القتل المتواصل وتدمير ما تبقى من البنية التحتية في غزة. وفي ما يلي بعض الإجراءات التي يمكن اتخاذها فورًا لمنع وقوع كارثة أخرى:
1 - المطالبة بوقف فوري لتوسيع المستوطنات وإرهاب المستوطنين بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية، وربط أي مساعدات عسكرية بوقف ضم الأراضي الفلسطينية على الفور.
2 - وقف نقل أي أسلحة تُستخدم لترسيخ الاحتلال، وفرض عقوبات على استيراد أي منتج يتم إنتاجه في المستوطنات، كما أعلنت كندا والمملكة المتحدة وفرنسا للتو.
3 - دعم آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك تحقيقات "المحكمة الجنائية الدولية" وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
4 - على الرغم من أن كثيرًا من القوى الغربية اعترفت بدولة فلسطين، فإن هذا الاعتراف يظل بلا جدوى ما لم توسّع تلك الدول دعمها المالي والسياسي والقانوني للمجتمع المدني الفلسطيني، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والحركات غير العنيفة التي تقاوم التجريد من الأرض والحقوق.
5 - تنسيق الضغط الدبلوماسي من خلال تقديم مذكرات احتجاج مشتركة، واستدعاء السفراء، وخفض مستوى الزيارات رفيعة المستوى.
6 - وعلى الدول الإقليمية التي تقيم علاقات سلام مع إسرائيل خفض مستوى بعثاتها الدبلوماسية في إسرائيل، والتهديد بسحب سفرائها إذا واصلت إسرائيل سياستها التوسعية.
هذا هو الحد الأدنى من الإجراءات المتسقة مع المبادئ التي يزعم حلفاء إسرائيل التمسك بها عندما يتعلق الأمر بأماكن أخرى. والخيار أمام الجميع ساطع الوضوح: إما التحرك الآن لوقف مشروع "إسرائيل الكبرى"، أو التحول إلى شركاء في نظام دائم من الهيمنة، وتقويض مصالحهم الجيوستراتيجية ومصداقيتهم الأخلاقية بشدة لعقود طويلة مقبلة.
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي يقيم الآن في الولايات المتحدة. يُعرَف بكتاباته وتحليلاته المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط -وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذًا للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. يتميز بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها عقبة أمام للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Greater Israel Delusion May Undo Israel
 
(1) الآية المشار إليها في سفر التكوين هي: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقًا قائلًا: ’لنسلِكَ أُعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات". ويُشار إلى أن تفسير "نهر مصر" بأنه نهر النيل ليس محسومًا؛ ويناقش الباحثون تحديده جغرافيًا، وقد يُقصد به وادي العريش أو مجرى آخر في سيناء.