الغد-عزيزة علي
أصدرت وزارة الثقافة العدد الأربعين من مجلة "صوت الجيل"؛ المجلة الثقافية المتخصصة بالإبداع الشبابي، التي تواصل أداء رسالتها في رعاية المواهب الأدبية والفكرية الشابة، وإتاحة مساحة للتعبير عن تجاربهم وإبداعاتهم في مختلف الحقول الثقافية والمعرفية.
يضم العدد باقة متنوعة من المواد الأدبية والفكرية والنقدية، توزعت على أبواب المجلة المختلفة، وشارك فيها كتاب وباحثون ومبدعون من أجيال متعددة، إلى جانب نخبة من المواهب الشابة. كما تناولت موضوعاته قضايا ثقافية ومعرفية معاصرة، من بينها الذكاء الاصطناعي، وصراع الأجيال، والهوية، وأدب الشباب، فضلا عن نصوص إبداعية وقصص وقصائد وخواطر تعكس ثراء التجربة الشبابية وتنوعها.
واحتفى العدد بمدينة الزرقاء بوصفها فضاء ثقافيا وإنسانيا أسهم في تشكيل تجارب العديد من الكتاب والمبدعين، مستعرضا شهادات ومقالات ونصوصا تستحضر ذاكرة المكان وعلاقته بالكتابة والإبداع، في إطار رؤية تسعى إلى إبراز التفاعل بين الثقافة والبيئة المحلية ودورهما في بناء الوعي والإنتاج الأدبي.
"عتبة العدد" كتبها رئيس تحرير المجلة الروائي والشاعر جلال برجس بعنوان "لأجلها تعلمت القراءة"، يشير فيها إلى أنه "بعد مرور ثلاث سنوات عليَّ في المدرسة، بتُّ قادرا على القراءة، فرحتُ أتجهّز للحظةِ التي أهزم فيها حزنا رأيته في وجه أمّي، يومَ أخبرتني بأسلوب طفلةٍ عن عجزها عن قراءة القرآن، ولما شعرتُ به وأنا أفتح الحقيبة الجلديّة، وأنظر في رسائل عمّي (عزيز) من غير قدرةٍ على فهم ما يقوله فيها".
يقول "كان ذلك في مساء صيف 1979م، نجلس أنا وشقيقاتي وأشقّائي بمعيّة أمّي قبالةَ تلفازٍ لا ألوان فيه إلّا الأبيض والأسود، مربوط ببطارية سيّارة تكفي أياما فقط لتشغيله، نتابعُ مسلسلا يحكي قصة حبّ فيها الكثير من الوجع، وتجفّف دموعها بباطن يدها كلّما علَتْ وتيرة المشاهد.
حينما انتهى المسلسل نهضَتْ بتكاسلٍ، وجهّزت لنا فراشَ النوم، مجموعة من الفرشات الصوفيّة تصفّها جنبا إلى جنب، تغلّفها بغطاءٍ بلاستيكيّ رقيق تعلوه بطانيّة، يحمي الفرشات من تبوّل بعضنا الليليّ، كان فراشا نندسّ فيه، ونروح في ربع ساعةٍ من المزاح إلى أن ننام".
ويضيف "ليلتها لم أذهب إلى الفراش، بقيتُ بقربها وهي مستلقية على جنبها، تُسند رأسها بيدها، وتغرِسُ كوعها في الوِسادة، وتنظر في الفراغ رغم نعاسها الواضح. حملتُ القرآن ورحتُ أقرأ، هكذا من دون مقدّمات، انتصبت جالسة، وعلى وجهها ترتسم دهشةٌ تعلوها البهجة، ثم اتّسعت حدقتاها، وأخذت شفتاها تتراقصان؛ فأجهشَتْ ببكاء صامت".
ويتابع "لم أتوقّف عن القراءة، كانت تُنصت باهتمامٍ كبير، ويدها مرّة تلامس رأسي، وأخرى تضعها على كتفي، ليلتها كنت أعي أنّي أفعل لأجلها ما يمكن أن يُضيف إلى روحها الكثير من الفرح. استلقَتْ في فراش النوم، وأنا ما أزال أقرأ من دون توقّف إلى أن نامت، كما ينام الأطفال وأمهاتهم يروينَ عليهم القصص. كان وجهها في غاية الصفاء، وأنفاسها هادئة مطمئنة. رفعتُ الغطاء واحتميتُ بحضنها، فطوّقت عنقي بذراعها، وغمرتني السكينة".
في ذلك اليوم، كما يقول "ذهبتُ إلى بيت جدي، وفتحتُ الحقيبة الجلدية، وأخذت أقرأ رسائل عمي (عزيز). كنتُ أقرأ بصوتٍ مسموع، أعيد بعض العبارات وأتوقف عند أخرى. كانت الرسائل تصف المدن والقرى التي زارها في رومانيا، وتتحدث عن دراسته وأحلامه، وكيف يطمح إلى أن يمنح العائلة حياة أفضل. امتلك عمي لغة رقيقة آسرة، قادرة على أن تأخذ قارئها إلى أعماق ما يريد قوله؛ تلك هي فتنة اللغة حين تصبح طيّعة في خدمة السرد".
يتابع "كنتُ قد حفظتُ أسماء المدن والشوارع وأسماء أصدقائه من أحاديثه كلما عاد إلى حنينا. وعندما قرأت رسائله، أخذ حلم السفر يهمس في داخلي بما أريد، رغم أنني كنت أظن أن المسافة بين حنينا ورومانيا قصيرة. إنها سذاجة طفلٍ قروي لم يكن يعرف من الجغرافيا إلا ما يقع في حدود بصره.
في تلك الأيام كانت القرية تتسع شيئا فشيئا، لكنها ظلت وادعة، تتناثر بيوتها على التلة المطلة على مادبا. ومنذ ما قبل دخولي المدرسة، كنت أجلس على مرتفع قرب البيت، أسند رأسي بين يديّ، وأتأمل المدينة بشوقٍ غامض لا أعرف له سببا. كنت أحلم بها من غير أن أدرك ما الذي يمكن أن تمنحني إياه المدن، أو ما الذي قد أسلبه من القرية حين أغادرها".
وفي باب "البوابة الرقمية"، كتب الشاعر علي شنينات مقالا بعنوان "مساوئ الذكاء الاصطناعي". أما في "ملتقى الأجيال"، فقد حاورت الكاتبة غزل المدادحة الأديبة حنان بيروتي في مادة حملت عنوان "حوار على طاولة صوت الجيل".
وأعدّت ميمونة الشيشاني ملف العدد بعنوان "الزرقاء: المكان الذي شحذ أقلام الكتابة.. كتّاب شباب، وأوراق ملأى بذاكرة المكان"، بمشاركة كل من: د. محمد عبد الكريم الزيود، وريم العفيف، وقصي إدريس، وقاسم الدراغمة، ونور أبو الروس، ورنا حداد.
وفي باب الأعمال الإبداعية الشبابية "ورد بلدي"، نُشرت قصص وقصائد وخواطر ونصوص لكل من: محمود حلمي، ومسلم محمود النباهنة، وهدى الأحمد، وفرح بني عامر، ورنيم العمري، وبسمة نعيم، وبشرى البدارين، وسماح موسى.
أما زاوية "خرائط البوح"، فقد خُصصت للدكتورة حلا السويدات، بعنوان "العين بئر للمحظوظ".
وفي "مختبر العدد" نُشرت المواد التالية: "أدب الفيسبوك بين الإبداع ووهم الكتابة" للدكتور عماد الضمور، "العابرة والبقايا" لبلقيس الفارسية، "تشظّي الذات الأنثوية وتحولات المعنى" للدكتورة مي بكليزي، "قراءة في رواية (شبّاك أم علي) لمحمد العامري" لإياد أبو ريان، "الذكاء الاصطناعي من أجل الأرض" للدكتور عاطف العيايدة، و"فوضاي تعشقني" لحسن النبراوي.
أيضا؛ تكثيف المعنى" لدالية حسن حسين، "ترانيم الأجيال: حين يحفظ الماضي صوته في ذاكرة المستقبل" لرنا غريزات، "أجيال وأجيال" لأمل المشايخ، "الشباب والهوية وصراع الأجيال في زمن التكنولوجيا المفتوح" لأسيل عزيزية، "هل يقرأ الكتّاب الكبار أدب الشباب؟" للطيفة محمد حسيب القاضي، "قادة العقول" للكاتبة الشابة هبة صلاح الدين، "رحلة فكرية في عوالم متعددة" لأماني خالد الشناق، "الأدباء الشباب والإتباع الشاذ في العامية" لمحمد حسين الضامن، "الملك عبد الله الأول شاعرا" لمعتصم النداف، "الذكريات الزائفة المشتركة.. ماذا يكمن وراء ظاهرة مانديلا؟" ترجمة رند جميل المحمد.
وفي زاوية "مراسيل"، كتب ميثم الخزرجي مقالا بعنوان "الاعتبار الماهوي للآلة الذكية: العلاقة بين الطبيعة البشرية والروبوت"، فيما ضمت زاوية "نقوش" مقالا لمحمد راتب العموش بعنوان "الزرقاء.. سيف على خاصرة الصحراء".
وتتألف هيئة تحرير المجلة من الروائي والشاعر جلال برجس رئيسا للتحرير، والشاعر علي شنينات، والأديب والإعلامي جعفر العقيلي، والشاعر تيسير الشماسين أعضاء في هيئة التحرير. كما تضم محمد المشايخ مديرا للتحرير، وفادية نوفل سكرتيرة للتحرير، والدكتور أنس الزيود مدققا لغويا، وعبد الهادي البرغوثي مسؤولا عن الإخراج الفني.