الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
افتتاحية - (الغارديان) 19/7/2026
تكشف دراسة جديدة لافتة أن الرأي العام في كثير من البلدان –بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة التقليديون– أصبح يفضل بكين على واشنطن.
في وقت سابق من هذا العام، أعلن عدد من صناع المحتوى الغربيين على "تيك توك" و"إنستغرام" أنهم يعيشون "مرحلة صينية جداً" في حياتهم، يشربون خلالها الماء الساخن، ويرتدون النعال داخل منازلهم. وكانت ظاهرة "تشايناماكسينغ"** في المقام الأول انعكاساً للحاجة الدائمة لدى المؤثرين إلى إنتاج محتوى جديد ومختلف. لكن هذه الاتجاهات في وسائل التواصل الاجتماعي تعكس أيضاً، كما أشار المؤرخ الاقتصادي آدم توز، تنامياً في الانبهار بالصين.
في حين تنشغل إدارة ترامب بالتوجس من التقدم الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي الذي تحرزه الصين، فإنها تسرّع في المقابل من التقدم الدبلوماسي لبكين، وفقاً لاستطلاع جديد لافت أجراه "مركز بيو للأبحاث". للمرة الأولى أصبحت الصين ورئيسها، شي جين بينغ، يحظيان بنظرة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة ورئيسها في معظم البلدان الستة والثلاثين الكبرى التي شملها الاستطلاع، بما في ذلك كندا والمكسيك وأستراليا. ولم تتقدم الولايات المتحدة على الصين في تقييم الرأي العام إلا في ست دول فقط. وبينما سجلت بكين تحسناً ملحوظاً في صورتها في بعض البلدان، كان الانحدار في مكانة واشنطن أكثر دراماتيكية. في عشرين دولة، ارتفعت النسبة الوسطية لمن يحملون نظرة إيجابية إلى الصين من 32 في المائة في العام 2023 إلى 46 في المائة هذا العام، في حين تراجعت النسبة الخاصة بالولايات المتحدة من 58 في المائة إلى 36 في المئة. وكانت صورة الصين أكثر إيجابية بكثير في أميركا اللاتينية وأفريقيا وأجزاء من جنوب آسيا وجنوب شرقها، مقارنة بالدول الأوروبية الأكثر ثراءً وبلدان شرق آسيا.
يوم الخميس، 16 تموز (يوليو)، اتهم ترامب الصين بالتدخل في انتخابات العام 2020، مشككاً في استطلاعات الرأي التي تتوقع تكبد الجمهوريين خسائر كبيرة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ولا يهم أن هذا الاتهام يفتقر إلى أي دليل؛ فقد سبق لترامب أن عرض على الأرجنتينيين، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، حافزاً اقتصادياً بقيمة 20 مليار دولار للتصويت بما يتوافق مع رغبته. وفي جميع البلدان التي شملها الاستطلاع تقريباً، رأى عدد أكبر من الناس أن الولايات المتحدة تتدخل في شؤون الدول الأخرى، مقارنة بمن يعتقدون أن الصين تفعل ذلك. كما تركت مطالب ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والحرب غير القانونية على إيران، آثارها الواضحة في صورة الولايات المتحدة. وحتى بطولة كأس العالم التي كان يفترض أن تمثل انتصاراً سهلاً للقوة الناعمة الأميركية، شابتها سياسات ترامب القائمة على الإقصاء والتنمر.
مع ذلك، ما تزال هناك مخاوف جدية بشأن بكين. على الرغم من أنها خففت من مظاهر ما يسمى "دبلوماسية الذئب المحارب" العدوانية، فإنها ما تزال تتعامل بحزم في علاقاتها الخارجية. لكنها قد تستفيد من انخفاض سقف التوقعات تجاهها. كما أنها تبدو أكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بالفوضى التي خلقها ترامب. ومن المعروف أن لبكين حليفاً واحداً فقط هو كوريا الشمالية، بينما تمتلك واشنطن أكثر من خمسين حليفاً، لكنها تبدو وكأنها تعاملهم باحترام أقل من ذلك الذي تبديه تجاه خصومها. وقد احتجزت الصين مواطنين كنديين لأكثر من ألف يوم رداً على اعتقال أوتاوا المديرة التنفيذية لشركة "هواوي" منغ وانتشو، بناءً على مذكرة أميركية. وفي المقابل، أعلن ترامب أن كندا ستصبح الولاية الأميركية الحادية والخمسين.
تستثمر الصين بصورة متزايدة في عمليات التأثير خارج حدودها -بما في ذلك التعاون مع صناع محتوى محليين على وسائل التواصل الاجتماعي أو تضخيم انتشار محتواهم. وقد يتراوح هذا المحتوى بين رحلات مدفوعة إلى شينجيانغ تهدف إلى محو المخاوف بشأن اضطهاد الإيغور، ومواد أكثر نعومة تتناول الطعام أو التكنولوجيا.
ربما تعزز نتائج استطلاع "بيو" اقتناع بكين بأن الهيمنة الأميركية آخذة في التراجع. وتحرص الصين على ترسيخ صورة لنفسها باعتبارها تقفز نحو مستقبل باهر تمثله المدن السيبرانية المتقدمة، بينما يكافح الغرب في مواجهة تراجع مستويات المعيشة. وهذه الصورة تخدمها أيضاً في مواجهة تنامي خيبة الأمل داخل المجتمع الصيني.
لكن تصورات الشعوب عن الدول الأخرى غالباً ما تكون معقدة ومتقلبة. فقد استعادت الولايات المتحدة جانباً من مكانتها بعد الانخفاض الحاد الذي شهدته صورتها عقب حرب العراق، كما تراجعت شعبية الصين خلال جائحة "كوفيد-19" نتيجة الطريقة التي تعاملت بها مع تفشي الوباء. ويبقى الدرس الدائم لكلتا القوتين العظميين هو أن طريقة تقديم الذات تؤثر في الرأي العام، لكن الشعوب تحكم في النهاية على الدول من خلال أفعالها، وتتصرف على هذا الأساس.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Perceptions of superpowers: the world isn’t Chinamaxxing, it’s America-avoidant
ملاحظة المترجم:
**تشايناماكسينغ Chinamaxxing: مصطلح انتشر في بعض أوساط الإنترنت، يجمع بين كلمة China (الصين) ولاحقة -maxxing التي تعني "تعظيم/ تحسين شيء ما إلى أقصى حد".
يشير المفهوم عادةً إلى فكرة التحول نحو الصين أو تبني النموذج الصيني كخيار إستراتيجي، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو التكنولوجيا، باعتبار الصين قوة صاعدة يمكن الاستفادة منها أو موازنة الهيمنة الأميركية.