الراي -
يكثر الحديث، عند مقاربة الملف الاقتصادي، عن "تآكل الطبقة الوسطى"، ويبدو أن هذه المقولة بدأت تتحول تدريجياً إلى حقيقة يقينية غير قابلة للتفكير فيها، ومستوى اليقينية عند من يتبنون هذه الفكرة يمنع النقاش والتفكير في صدق المقولة وما يترتب على عدم مصداقيتها، وكيفية بناء نموذج اقتصادي بعيداً عن هذا الادعاء.
الطبقة الوسطى ليست مجرد توصيف اقتصادي لفئة تمتلك دخلاً متوسطاً، بل هي مؤشر سياسي واجتماعي على شكل الدولة واتجاه المجتمع وقدرته على الحفاظ على الاستقرار والتوازن، حيث يدرك المختصون وغير المختصين بأن هذه الطبقة لعبت لعقود دور العمود الفقري للمجتمع، فهل تآكلت هذه الطبقة فعلاً، أم أنها تجد نفسها اليوم أمام تحولات اقتصادية عميقة تعيد تعريف معنى "الاستقرار المعيشي" ومعايير"الحياة المتوسطة".
منذ تأسيس الدولة الأردنية ارتبطت الطبقة الوسطى بالوظيفة الحكومية، والتي أصبح التعليم الجامعي أحد شروطها، وتدريجياً تحول المفهوم ليعني من يملك القدرة على امتلاك منزل أو سيارة، إضافة إلى هامش معقول من الأمان الاجتماعي.
هذا النموذج الذي تطور تدريجياً واستقر في الأذهان في عقدي السبعينات والتسعينات من القرن الماضي، تعرض إلى تحدً مهم، ليس على مستوى الأردن فقط، بل على المستويين الإقليمي والعالمي، بسبب التحولات الاقتصادية المتسارعة التي أنتجتها العولمة في مرحلة أولى وساعدتها الثورة التكنولوجية مع بداية القرن الحالي، وهو ما انعكس على شكل ارتفاع كلف المعيشة وتبدل طبيعة سوق العمل وارتفاع سقف الرغبات لدى أبناء هذه الطبقة، وهو ما دفع بفرضية تآكل هذه الطبقة فعلاً، دون التفكير في إمكانية أن هذه الطبقة تعيد تشكيل نفسها ضمن نموذج اقتصادي واجتماعي جديد.
وتبدو الأرقام الرسمية في قراءتها التقليدية تغذي فكرة تآكل هذه الطبقة بسبب ما طرأ من تحولات أشرت إليها أعلاه، كأرقام البطالة مثلاً، وطبيعة العاطلين عن العمل من المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية، فبعد أن كان الأردني يعتقد أن الشهادة الجامعة هي بوابته إلى الاستقرار في الطبقة الوسطى، فإن هذه الشهادة باتت عبئاً لا وسيلة صعود.
لكن من يدقق بالصورة جيداً، يرى أن هناك تحولاً حقيقياً في أنماط العمل المنتجة للدخل، وهي تتوافق مع التغيرات التي حدثت بالاقتصاد العالمي، حيث تنمو الفرص عبر أدوات الاقتصاد الرقمي والعمل الحر والتجارة الإلكترونية والمشاريع الصغيرة والعمل عن بعد مع شركات خارج الأردن، حيث باتت هذه المسارات الجديدة تعيد تشكيل مفهوم الطبقة الوسطى، بحيث لم يعد الموظف الحكومي وحده هو النموذج التقليدي للاستقرار، بل ظهرت فئات جديدة تعتمد على المهارات الرقمية والمرونة المهنية أكثر من اعتمادها على الوظيفة الدائمة.
كما أن التحولات الثقافية التي أحدثتها التغيرات العالمية بدأت تؤثر في تعريف الطبقة الوسطى، ففي السابق، كان امتلاك المنزل والسيارة والزواج المبكر مؤشرات أساسية على الانتماء لهذه الطبقة، أما اليوم، فهناك جيل جديد يعيد ترتيب أولوياته، ويميل أحياناً إلى تقليل الالتزامات طويلة الأمد، في المقابل يتم التركيز لدى هذا الجيل على المرونة المالية والعمل متعدد المصادر، وحتى ما يمكن تسميته "الهجرة الرقمية"، أي العمل الخارجي دون مغادرة الأردن فعلياً.
لكن كل ما سبق لا يعني عدم وجود ضغوط معيشية على أبناء وبنات الطبقة الوسطى، وربما قلق متفاقم لديهم من إمكانية انزلاقهم إلى الطبقة الوسطى الدنيا أو الطبقة الفقيرة، وذلك بسبب عدم اليقين من إمكانية الاستمرار في الإنفاق على متطلباتهم اليومية المستجدة دائماً، والفجوة المستمرة بين الدخل والأسعار، والإنفاق العالي على المتطلبات الأساسية من سكن وتعليم ونقل وطاقة وخدمات.
وهنا تظهر أهمية ما يترتب على انتقال العالم على ما يمكن تسميته: اقتصاد "القدرة على المنافسة"، فلم تعد الحكومة قادرة على لعب دور الضامن للاستقرار الاجتماعي عبر التوظيف الحكومي والدعم وتوسيع القطاع العام، فالاقتصاد الحديث لا يكافئ الشهادات أو الأقدمية الوظيفية فقط لأنها كذلك، بل هو يكافئ المهارات والقدرة على التكيف والإنتاجية، وبالتالي لا بد من انتقال الطبقة الوسطى في الأردن من عقلية "الوظيفة الآمنة" إلى عقلية "الاقتصاد المنتج"، وهو ما يتطلب تطويراً في تصور السوق واحتياجاته.
قد نتفق على أن الطبقة الوسطى تتعرض لضغوطات كبرى تعيد تعريفها، ولكن ما لا أتفق معه أن حماية الطبقة الوسطى تتحقق عبر توسيع الاعتماد على الدولة أو العودة إلى نماذج التوظيف التقليدية، لأن الحل باعتقادي يأتي عبر خلق بيئة تسمح للفرد ببناء استقلاله الاقتصادي، وهنا تبرز مسؤولية الحكومة في التركيز على حرية السوق المنظمة مترافقة مع تخفيف القيود البيروقراطية وتسهيل تأسيس الأعمال الصغيرة، وكل ذلك يأتي ليس بربط التعليم بحاجات الاقتصاد الفعلية بصورة سطحية بل بتشكيل متعلم معرفي، مع إدراك الحكومة لضرورة توسيع الاقتصاد الرقمي والعمل الحر.
قد يذهب البعض للقول إن الحكومات المتعاقبة تعمل على تحقيق ذلك، وهنا تظهر المفارقة، فالمشكلة ليست في عدم تبني النموذج الحديث، بل في بطء بناء هذا النموذج الجديد، وهنا أستذكر جملة قالها المدير التنفيذي لشركة نوكيا، والتي كانت مسيطرة على سوق أجهزة الاتصال المحمولة عالمياً بنسبة 83%، ولكنها خرجت منه مع بداية غزو الهاتف الذكي، حيث قال: "نحن لم نخطئ، ولكننا تحركنا متأخرين".