عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jul-2026

مغترب مناهض للرأسمالية يشاهد كأس العالم

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ستيفن ف. آيزنمان* - (كاونتربنش) 10/7/2026 
"فاول" ترامب
ثمة أسباب تدعو إلى حب كأس العالم الحالية، وأخرى تدعو إلى كرهها؛ وهي البطولة التي تستمر ستة أسابيع، وتُقام كل أربع سنوات، وينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). وسأبدأ بأحد أسباب الكره: الفساد، على مقياس ترامبي. فإلى جانب المغالاة في أسعار التذاكر، واستنزاف المدن المضيفة، واستغلال العمالة المهاجرة (وسأعود إلى هذه القضايا لاحقًا)، أضاف ترامب لمسته الخاصة التي يصعب وصفها، عندما قدم إلى عرّاب الفيفا، جياني إنفانتينو، عرضًا لا يستطيع رفضه: ألغِ إيقاف النجم الأميركي فولارين بالوغون إثر البطاقة الحمراء، كي يتمكن من خوض مباراة الدور ثمن النهائي الحاسمة أمام بلجيكا، وإلا... وقد شملت التهديدات دعاوى قضائية أثناء المباراة، وادعاءات زائفة بتلاعب في نتيجتها، واحتمال فتح وزارة العدل تحقيقات في الأمر. ولم يحتج إنفانتينو، الذي سبق أن منح الرئيس المحب للحروب "جائزة الفيفا للسلام"، إلى أن يُطلب منه ذلك مرتين. فقد ألزم لجنة الانضباط التابعة للفيفا بتأجيل تنفيذ الإيقاف لمدة عام، معترفًا ضمنيًا بصحة البطاقة الحمراء، لكنه أرجأ العقوبة إلى وقت أكثر ملاءمة.
 
 
لكن بلجيكا أنزلت بالأميركيين عدالة قاسية عندما سحقتهم بأربعة أهداف مقابل هدف واحد. وبعد المباراة، احتفل اللاعبون في غرفة تبديل الملابس بأداء "رقصة ترامب" على أنغام أغنية "واي. إم. سي. إيه" (التي اشتهر ترامب خلال حملاته الانتخابية وفي المناسبات العامة بأداء حركات رقص بسيطة على هذه الأغنية تحديدًا، حتى أصبحت مرتبطة بصورته العامة)؛ وهي سخرية كانت أبلغ بكثير مما استطاع مستشارو الحزب الديمقراطي ابتكاره طوال عقد كامل من المحاولات. وليس ثمة شك يُذكر في أن "’فاول‘ ترامب"، كما سيُعرف إلى الأبد، ألحق ضررًا بالغًا بالمنتخب الأميركي، ومنح المنتخب البلجيكي دافعًا إضافيًا. ومن الإنصاف أن نضيف أن بالوغون نفسه تقبل قرار الإيقاف الأصلي بروح رياضية. لكنه، هو ومدربه ماوريسيو بوتشيتينو، كان ينبغي أن يرفضا هذا العفو، وأن يشحذا همم الفريق ببث مباشر لهما وهما يتناولان البطاطا المقلية مع المايونيز، المقدمة في أقماع ورقية، على الطريقة البلجيكية.
إيست رذرفورد و"اللعبة الجميلة"
سوف تُقام المباراة النهائية لكأس العالم يوم الأحد، 19 تموز (يوليو)، على ملعب "ميتلايف" في مدينة إيست رذرفورد بولاية نيوجيرسي (التي يبلغ عدد سكانها 10.522 نسمة). وتشتهر "شركة ميتلايف للتأمين"، التي يحمل الملعب اسمها، بممارساتها المضللة، وبحزمة التعويضات السنوية التي يتقاضاها رئيسها التنفيذي، مايكل خليفة، والبالغة 21 مليون دولار. في حين أن متوسط الراتب السنوي لسكان إيست رذرفورد، الذين يمكن القول بأمان إن قلة قليلة منهم شاهدت مباراة كرة قدم، فضلًا عن أن تكون قد مارست اللعبة، يبلغ 48 ألف دولار. ومن المصادفة أن هذا هو أيضًا السعر الرسمي لأربع من أفضل التذاكر لحضور المباراة النهائية لكأس العالم.
ولا تُعرب مدينة إيست رذرفورد، في ولاية نيوجيرسي، بشيء يمكن التحدث عنه سوى أنها تجاور مدينة رذرفورد، مسقط رأس الشاعر التصويري الكبير ويليام كارلوس ويليامز، الذي كتب قصيدة بعنوان "الحشد في مباراة الكرة" The Crowd at the Ballgame في العام 1923، وفيها يقول:
الحشد في مباراة الكرة
تحركهم، كوحدةٍ واحدةٍ
روحٌ من العبث
تبعث فيهم البهجة-
كل التفاصيل المثيرة
للمطاردة
وللهروب، وللخطأ،
ولومضة العبقرية-
كل ذلك لا لغاية سوى الجمال
الأبدي...
مباراة الكرة عند ويليامز (وكان يقصد البيسبول) "لا غاية لها سوى الجمال". وكان أسطورة كرة القدم البرازيلي بيليه، الذي يعتبره كثيرون أعظم لاعب في تاريخ اللعبة، قد وصف كرة القدم بأنها "اللعبة الجميلة". لكن غاية كرة القدم، من وجهة نظر الـ"فيفا"، هي المال.
من المتوقع أن تبلغ إيرادات كأس العالم الحالية -من مبيعات التذاكر، وحقوق البث، ورعاية الشركات، ورسوم التراخيص- نحو 13 مليار دولار. وبما أن الـ"فيفا" منظمة غير ربحية مسجلة في سويسرا، فإن عليها أن تنفق كل هذه الأموال -باستثناء احتياطي نقدي قدره مليار دولار. وهي تفعل ذلك من خلال توزيع مبالغ ضخمة على اتحادات كرة القدم الوطنية لكسب ولائها، وتقديم الجوائز المالية للمنتخبات (والتي يذهب جزء منها إلى اللاعبين)، فضلًا عن صرف رواتب ومكافآت كبيرة لكبار المسؤولين التنفيذيين. ويتقاضى إنفانتينو ستة ملايين دولار، بينما يحصل مساعدوه على رواتب تبلغ ملايين عدة من الدولارات.
(...)
بالإضافة إلى جشع الـ"فيفا"، أفسد الولع بالمال اللاعبين أيضًا، وقوّض أي شعور بالتضامن الطبقي قد يكون لديهم. وفي حين يتقاضى اللاعبون المنتمون إلى نخبة اللعبة، مثل لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز، ما بين ثلاثة وأربعة ملايين جنيه إسترليني سنويًا (ويحصل بعضهم على أكثر من ذلك بكثير، مثل إيرلينغ هالاند الذي يتقاضى 27 مليون جنيه إسترليني)، فإن معظم لاعبي كرة القدم حول العالم يجنون مبالغ أقل بكثير. وقد لا يتجاوز دخل اللاعب في البلدان النامية ألف دولار شهريًا. وعلى الرغم من أن "الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين" (FIFPRO) لا يمتلك سلطة التفاوض الجماعي على المستوى العالمي، فإنه يستطيع بلا شك أن يطالب الاتحادات الوطنية الأكثر ثراءً بتقاسم قدر أكبر من أرباحها مع الاتحادات الأفقر. ويتقاضى الأرجنتيني ليونيل ميسي (الذي يلعب مع إنتر ميامي الأميركي) نحو 80 مليون دولار سنويًا، بينما يحصل البرتغالي كريستيانو رونالدو (الذي يلعب لنادي النصر السعودي) على 300 مليون دولار. ويأتي بعض أفضل لاعبي العالم، مثل أماد ديالو (من ساحل العاج، ويلعب حاليًا مع مانشستر يونايتد) وأديمولا لوكمان (من نيجيريا، ويلعب مع أتلتيكو مدريد)، من غرب أفريقيا، حيث نادرًا ما يتجاوز دخل اللاعب السنوي ما بين 10 آلاف و15 ألف دولار.
وهكذا، تشهد كرة القدم نزيفًا هائلًا للمواهب الرياضية من البلدان منخفضة الدخل إلى البلدان مرتفعة الدخل. وبينما نجح "الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين" في انتزاع بعض التنازلات من الـ"فيفا" فيما يتعلق بسلامة اللاعبين أثناء كأس العالم، فإنه لم يفعل شيئًا لمعالجة التفاوت العالمي في الدخول بين المنتخبات الوطنية المختلفة. ويقتضي تحقيق ذلك منه الاعتراف بطبيعة استغلال العمالة في النظام الرأسمالي و"الاستعمار الجديد لكرة القدم". وتستغل الدول الغنية انخفاض تكاليف الإنتاج في الدول الفقيرة لاستخراج المواهب الخام، وصقلها، والاستحواذ على ما يقارب 100 في المائة من القيمة التي تولدها. ويُترك الجزء الضئيل المتبقي من هذه القيمة للمجتمعات المحلية لتقتات عليه.
لكن لا تتوقعوا من رونالدو أو ميسي أن يطالبا بتحسين أوضاع اللاعبين الأفارقة. فالأول صديق لترامب. وخلال مأدبة عشاء جمعته مع الرئيس الأميركي ومحمد بن سلمان العام الماضي، قال عن ترامب: "إنه شخص أحبه كثيرًا، لأنني أعلم أنه قادر على المساعدة في تغيير العالم وإحلال السلام!". ودأب ميسي دائمًا على إعلان ابتعاده عن السياسة، لكنه حضر في آذار (مارس) احتفالًا أقامه البيت الأبيض لفريقه، وصفق بأدب بعد أن تفاخر ترامب بمدى النجاح الذي حققته قاذفاته في تدمير إيران. وكان الجيش الأميركي قد قتل، قبل ذلك بأيام قليلة، 165 تلميذة في مدرسة ميناب الابتدائية. وبعد ذلك، قدم ميسي للرئيس كرة قدم وردية اللون تحمل شعار نادي "إنتر ميامي".
كرة القدم في زومباغوا، الإكوادور
كنتُ قد أقلعتُ عن متابعة الرياضة منذ نحو أربعين عامًا، في الوقت نفسه تقريبًا الذي توقفتُ فيه عن ممارستها. كانت مباريات الغولف والتنس التي أخوضها قد أصبحت مصدرًا للإحباط أكثر منها وسيلة للاسترخاء. كما أنني، بوصفي أستاذًا شابًا في كلية أوكسيدنتال في لوس أنجلوس، لم أعد أملك متسعًا من الوقت لممارستها. ولعل آخر انخراط جاد لي في متابعة الرياضة كان خلال بطولة الـ"وورلد سيريز" في العام 1986. وهي البطولة التي اشتهرت عندما سمح بيل باكنر، لاعب القاعدة الأولى في لعبة "البيسبول"  لفريق بوسطن ريد سوكس، لكرة أرضية بطيئة سددها موكي ويلسون بأن تمر بين ساقيه في الشوط العاشر من المباراة السادسة، مانحًا فريق "نيويورك ميتس" نقطة التقدم. وبعد يومين، فاز فريق ميتس (فريقي المفضل وجار حيّنا في كوينز) بالمباراة السابعة وببطولة الـ"وورلد سيريز".
وخلال العقود التي تلت ذلك، شاهدت أحيانًا أجزاءً من مباريات البيسبول أو كرة القدم أو كرة السلة بصحبة أفراد من العائلة أو الأصدقاء، أو في بعض الحانات. ومع ذلك، تعود أكثر ذكرياتي الرياضية حيوية في تلك الفترة إلى متابعتي، عبر التلفاز، بطولة "كوبا أميركا" في صيف العام 1993 في كيتو، عاصمة الإكوادور. كنت هناك مع زوجتي آنذاك، ماري، بين زياراتها لأصدقائها (أو "مخبريها"، إذا صح التعبير) في مجتمع السكان الأصليين في زومباغوا، التابعة لمقاطعة كوتوباكسي، والتي تبعد نحو ثلاث ساعات بالسيارة عن العاصمة. وكنا نشاهد المباريات المنقولة تلفزيونيًا في عدد من الحانات والمطاعم في كيتو، ونهتف بحماسة للمنتخب الوطني. (فازت الأرجنتين بالمباراة النهائية، كما هو متوقع، على المكسيك بنتيجة 2-1).
أما في زومباغوا (الواقعة على ارتفاع 11.500 قدم فوق سطح البحر)، حيث كانت الكهرباء محدودة ولا وجود للتلفاز، فكانت كرة القدم الخماسية تُمارس أكثر مما تُشاهَد. وأثناء الصعود بالسيارة عبر البارامو -السهل العشبي الألبي المرتفع في جبال الأنديز الشمالية- كنت ترى أحيانًا سُحبًا من الغبار تتصاعد من زومباغوا في الأفق، وكان ذلك يعني عادة أن ثمة مباراة لكرة القدم تُقام على ملعب ترابي جاف. وكان اللاعبون يرتدون السراويل القصيرة والقمصان الرياضية، بينما يرتدي المتفرجون الملابس التقليدية، بما في ذلك قبعات الفيدورا المصنوعة من اللباد، التي كانت تكاد تكون جزءًا من الزي اليومي. ونادرًا ما كنت أتوقف لمشاهدة المباريات إلا عابرًا؛ فقد كانت مناسبات خاصة بالسكان الأصليين، ولم يكن حضوري مرحبًا به إلا إذا كنت بصحبة مضيفينا. ولا شك في أن ماري، التي كانت تتحدث الإسبانية والكيتشوا بطلاقة، كانت تشعر براحة أكبر مني، لكنها لم تكن تبدي اهتمامًا يُذكر بالمباريات.
قبل أن نصعد لزيارة صديق ماري المحلي، ألفونسو، وعائلته، أو للإقامة عندهم، كنا نشتري عادة هدايا للأطفال. وكانت هذه الهدايا تتكون غالبًا من أطعمة يصعب الحصول عليها في المرتفعات، مثل البرتقال والأناناس والموز، بالإضافة إلى الألعاب وكتب التلوين وكميات كبيرة جدًا من أقلام التلوين الشمعية. وفي تلك المرة، وقد أوحت إليّ أجواء بطولة "كوبا أميركا" بالفكرة، قررت أن أشتري للأطفال كرة قدم جيدة. كنت أتذكر من زيارة سابقة أنهم كانوا يلعبون عادة بكرة مطاطية حمراء ترتد أكثر مما ينبغي، أو بعلبة معدنية فارغة أو أي شيء مشابه. وعلى الرغم من أن ماري رأت أن أي كرة قدم ستكون كافية، جررتها معي من متجر إلى آخر للمستلزمات الرياضية في كيتو بحثًا عن أفضل كرة ممكنة. وأخيرًا، في متجر فاخر يقع في شارع أفينيدا ناسيونيس أونيداس، وجدت ما كنت أبحث عنه: كرة من نوع "أديداس إتروسكو أونيكو"، مخيطة يدويًا، بالمواصفات الاحترافية، ويبلغ ثمنها نحو خمسين دولارًا. وأخبرتني ماري أن هذا المبلغ يزيد على ما كان ألفونسو يتقاضاه خلال شهر كامل من عمله في البناء في كيتو، لكنني أصررت على أن الأطفال لا يستحقون إلا الأفضل.
وبعد بضعة أيام، كنا في زومباغوا نوزع هدايانا. وأُعطيت حبات البرتقال للابنة الكبرى التي تولت بدورها توزيعها على جميع الأطفال. وفُتِحت علب أقلام التلوين، ثم قامت الابنة الكبرى مرة أخرى بتوزيع الأقلام على إخوتها، مع الحرص على أن يحصل كل واحد منهم على نصيب عادل من أفضل الألوان: الأحمر، والأصفر، والأزرق، والوردي، والأخضر. وأخيرًا، رميتُ كرة القدم إلى أحد الصبية، فتلقفها بسعادة وخرج بها ليلعب مع من كان في الخارج من الأولاد. وشعرت بالرضا.
وبعد نحو عام، عدنا مرة أخرى إلى زومباغوا، وكعادتنا كنا نحمل الهدايا معنا. ولم أشترِ كرة قدم جديدة لأنني افترضت أن الكرة الاحترافية التي جلبتها في العام السابق ما تزال قيد الاستخدام. لكنني عندما وصلنا رأيت الأطفال يلعبون بكرة مطاطية حمراء مهترئة. وسألت أحد الأطفال (بمساعدة ماري) -وكان اسمه لينين (وهو اسم شائع بين أجيال من الفلاحين الواعين طبقيًا)- عمّا حلّ بكرة "إتروسكو أونيكو"، فأخذني إلى زاوية مظلمة في أحد أكواخهم التقليدية المبنية من الطين والقش، وأراني شيئًا ذابلًا ومنكمشًا كان في يوم من الأيام كرة قدم. واتضح أن الكرات الاحترافية تَفرغ من الهواء بسرعة مع كثرة الاستعمال، وتحتاج إلى مضخة وإبرة خاصة لإعادة نفخها. ولم تكن مثل هذه المضخات متوافرة في زومباغوا، كما أن ثمنها كان يفوق قدرة أي فرد من أفراد الأسرة على شرائها. وهكذا، كان اعتزازي الشخصي بشراء هدية باهظة الثمن هو الذي حرم الأطفال من متعة اللعب بكرة رخيصة، لكنها متينة وتدوم طويلًا.
مشاهدة اللعبة الجميلة
الآن، بعد أن تقاعدت، أظن أنني سأعود إلى متابعة كرة القدم. كانت مباريات كأس العالم للأندية التي أشاهدها مع زوجتي العزيزة، هارييت، في معظمها مثيرة بحق. وكنا نتابعها على حاسوبي المحمول أثناء تناول العشاء أو ونحن في السرير، ونصرخ، ونتذمر، ونهتف، تمامًا مثل أشخاص اعتادوا مشاهدة اللعبة منذ عقود. وصرت أعرف الكثير من أفضل اللاعبين، وتعلمت معنى التسلل -مع أنني لا أظن أنني أستطيع شرحه لأي شخص- كما فهمت دلالة البطاقتين الصفراء والحمراء. واستمتعت بالتمريرات الدقيقة التي يقدمها لاعبو المنتخبين الفرنسي والإسباني، وبالصلابة الدفاعية لمنتخب الرأس الأخضر.
في البداية، كنت أكره إيرلينغ هالاند؛ وظننته مجرد لاعب ضخم، متغطرس، وثقيل الحركة. لكنّ الهدفين اللذين سجلهما في مرمى البرازيل كانا رائعين بحق: الأول برأسه في الدقيقة التاسعة والسبعين، والثاني بعد دقائق قليلة بتسديدة صاروخية منخفضة استقرت في الزاوية اليمنى للشباك. وأعترف، على مضض، بأن ميسي لاعب مدهش. وهو لا يجيد المراوغة إطلاقًا، لكن امنحه الكرة بالقرب من المرمى، وسيودعها الشباك. أما لامين يامال، من إسبانيا، وفينيسيوس جونيور، من البرازيل، فهما يجيدان المراوغة بحق؛ وكما هو الحال في كرة السلة، فإن السر يكمن في ألا تنظر إلى الكرة أبدًا.
لا أطيق كل هذه المخالفات في كرة القدم؛ فهي تبطئ إيقاع المباراة. لكن ما هو أسوأ من ذلك هم اللاعبون الذين يتظاهرون بالتعرض للعرقلة -أولئك الذين يسقطون عمدًا. واللاعب الذي يُفترض أنه تعرض لمخالفة يصرخ من الألم، ويسقط على الأرض، ويمسك بقدمه أو كاحله أو ركبته أو ظهره. ثم، بعد زيارة من المعالج، وقبل أن يتمكن الحكم من إجباره على مغادرة الملعب، يقفز فجأة وكأن شيئًا لم يحدث. والأسوأ من ذلك هو اللاعب الذي ينهار على الأرض بعد تعرضه لضربة (مزعومة) على جانب وجهه أو مؤخرة رأسه. ما لم تكن الضربة قد تسببَت لك فعلًا في ارتجاج خطير، لماذا تبقى على الأرض أصلًا؟ "انهض يا أيها المحتال!"، كنت سأقولها بأسلوب نيويوركي حقيقي. "انظر، إنه مصاب، يا له من مسكين!"، كانت هارييت تقول بقلق صادق. وهذه هي المسألة الوحيدة التي نختلف حولها على الإطلاق.
حين تُلعب بطريقة جيدة، فإن كرة القدم هي لعبة جميلة -لعبة تستحق الحب. لكنها ستكون أكثر جمالًا بكثير لو رحل إنفانتينو، وأخضع الـ"فيفا نفسها لنظام غذائي"، واستخدم اللاعبون من النخبة نفوذهم لدعم اللاعبين ضعيفي الأجور في الجنوب العالمي، وانتهى استعمار كرة القدم الجديد. وبما أننا نتحدث عن ذلك، فلنُسقط ترامب، ونخفض ميزانية الدفاع الأميركية (وكذلك البريطانية)، ونلغي الأسلحة النووية، ونوقف الاحتباس الحراري العالمي. وهي أمور متساوية جميعًا تقريبًا في احتمال حدوثها قريبًا.
 
*ستيفن ف. آيزنمان Stephen F. Eisenman: أستاذ فخري في جامعة نورث وسترن، وزميل باحث فخري في جامعة إيست أنغليا. وهو مؤلف اثني عشر كتابًا، أحدثها (بالاشتراك مع سو كو) بعنوان "الدليل المصوّر للشباب إلى الفاشية الأميركية" (The Young Person’s Illustrated Guide to American Fascism)، الصادر عن "دار أور للكتب" في العام 2014. وهو أيضًا أحد المؤسسين المشاركين لتحالف الأنثروبوسين، وهو منظمة غير ربحية تضم مئات المجتمعات المحلية في الولايات المتحدة، وتدافع عن المتضررين من الكوارث البيئية وتغير المناخ، وتسعى إلى تحقيق العدالة البيئية ودعم المجتمعات الأكثر هشاشة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: An Ex-Pat Anti-Capitalist Watches the World Cup