الدستور
سأقولها بصراحة: كان ينبغي لنا أن نمارس ضغطًا أكبر على إسرائيل كي تتبع نهجًا مختلفًا في غزة- جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس جو بايدن.
تتكرر في السياسة الأمريكية ظاهرة لافتة؛ إذ يصبح بعض الرؤساء والوزراء وكبار المسؤولين أكثر صراحة في مواقفهم تجاه الكيان الغاصب بعد مغادرتهم مناصبهم، ويبدون ندمهم على قرارات أسهمت في ظلم الشعب الفلسطيني. وقد يعود ذلك إلى تحررهم من القيود الدبلوماسية والحزبية، ومن ضغوط اللوبيات الصهيونية وسطوة المال الملوّث، أو لعل ضمائرهم تستيقظ متأخرة حين يشعرون بأنهم باتوا أقرب إلى الموت، فيدركون فداحة الظلم الذي شاركوا فيه أو تغاضوا عنه.
والأمثلة على ذلك كثيرة؛ من أبرزها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، الذي انتقل، بعد انتهاء ولايته، من الخطاب التقليدي الداعم للصهاينة إلى انتقاد الاحتلال وسياساته. ثم يأتي تشاك هيغل، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، الذي حمّل الولايات المتحدة مسؤولية تمادي الصهاينة في البلطجة، ووصف ممارساتهم بالإرهابية، ولكن بعد تقاعده بالطبع. وكذلك روبرت غيتس، وزير الدفاع الأسبق، الذي انتقد مجرم الحرب نتن ياهو، ووصفه بناكر الجميل.
وانضم مؤخرًا إلى «نادي النادمين» كلٌّ من جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي، وأنتوني بلينكن، وزير خارجية بايدن الباهت؛ وهما ممن تلطخت أيديهما بدماء أطفال فلسطين، وكان لهما دور مخزٍ في دعم الكيان خلال واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث. وقد كشف عن ذلك تحقيق مطوّل أجرته مجلة «نيويوركر» في عددها الصادر في السابع والعشرين من الشهر الماضي، وحمل عنوان: «كيف مكّن بايدن عدوان إسرائيل على غزة وإيران؟»، فيما جاء عنوانه الفرعي: كبار المسؤولين في الإدارة السابقة يعبّرون الآن عن ندمهم على فشلهم في كبح جماح نتن ياهو.
غير أن هذا الندم لن يشفع لهم؛ فقد كانوا يعلمون علم اليقين أن الصهاينة يرتكبون إبادة جماعية في غزة. ففي الخامس من آذار عام 2024، وبعد خمسة أشهر من بدء الإبادة، أرسلت ميريانا سبولياريتش، رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، رسالة سرية إلى الرئيس بايدن. فاللجنة، إلى جانب مهامها الإنسانية، تضطلع، بموجب اتفاقيات جنيف، بمسؤولية تزويد الدول بالمعلومات والمشورة اللازمة لمساعدتها على تجنّب ارتكاب جرائم الحرب.
وفي رسالتها، ذكّرت سبولياريتش الرئيس بايدن بأن المنظمة أدانت المجزرة «المروّعة» التي ارتكبتها حركة حماس بحق «الإسرائيليين» في السابع من أكتوبر، وأنها واصلت الضغط على الحركة «بلا كلل» لإطلاق سراح «الرهائن» الذين احتجزتهم. غير أنها ناشدت بايدن هذه المرة «بقلق بالغ»، محذّرة من أن «إسرائيل»، التي واصلت قصف غزة بالذخائر الثقيلة منذ أكتوبر، باتت تتجاهل اللجنة الدولية للصليب الأحمر على نحو غير مسبوق.
وكتبت في رسالتها: إن الطريقة التي تدير بها «إسرائيل» الأعمال العدائية لا تتوافق مع قوانين النزاعات المسلحة، ولا سيما الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف العسكرية من جهة، والمدنيين والبنية التحتية المدنية من جهة أخرى، وضمان المعاملة الكريمة للمحتجزين والموتى، وحماية المنشآت والطواقم الطبية، وتوفير المساعدات الإنسانية وتسهيل وصولها.
ومع وضوح هذه التحذيرات، ظلّت الولايات المتحدة شريكًا أصيلًا في الإبادة الجماعية؛ فوفّرت السلاح والمال والغطاء السياسي والدولي، ثم يأتي بعض مسؤوليها اليوم ليذرفوا دموع التماسيح على أطفال غزة!
أقول لهم: لا يحق لكم الآن التوبة، بعد كل هذا العدد من الشهداء، وبعد كل هذه المآسي، أن تقولوا: «نحن آسفون، لقد ارتكبنا خطأ». لقد كنتم تعلمون، وكنتم تملكون القدرة على الضغط والمنع، لكنكم اخترتم الدعم والتسليح والتغطية. وأنتم تتحمّلون وزر ما حدث، وستظل دماء أطفال غزة تطاردكم، وتلاحق أسماءكم حتى مزبلة التاريخ.