عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Nov-2026

"على ضفاف الياسمين والحنون.. قصائد تستحضر الذاكرة والوجدان

 الغد-عزيزة علي

 صدر للشاعرة ثريا إبراهيم ديوان شعري بعنوان: "على ضفاف الياسمين والحنون"، يضم مجموعة من القصائد التي تتناول موضوعات الحب والحنين والوفاء والانتماء، إلى جانب قضايا إنسانية ووطنية واجتماعية وتأملات روحية.
 
 
وتتنوع نصوص الديوان بين التجربة الذاتية واستحضار الذكريات والعلاقات الإنسانية، والتعبير عن الاعتزاز بالوطن والهوية واللغة العربية، في تجربة شعرية تستمد مضامينها من تفاصيل الحياة ومشاعر الإنسان.
وفي تقديمه للديوان أشار الناقد سمير اليوسف، إلى أن الشعر لا يقتصر على التعبير عما نشعر به، بل يتمثل في العثور على لغة تمنح المشاعر القدرة على البقاء، وتحويل التجارب الإنسانية، بما تنطوي عليه من فرح وألم وحنين وتأمل، إلى كلمات تعبر من الذات إلى الآخرين. فالشعر، وفق رؤيته، محاولة لاستبقاء ما يمضي واستعادة ما يغيب، والإصغاء إلى ذلك الصوت الخفي الذي يسكن الإنسان ويمنحه القدرة على رؤية الحياة بما فيها من جمال وانكسار وأمل وخيبة.
وقال اليوسف: "إن عنوان الديوان يستوقف القارئ بما يحمله من دلالات وجدانية؛ فالضفاف توحي بالعبور والالتقاء بين الحركة والسكون، وبين التجربة والذاكرة، فيما يستحضر الياسمين معاني الجمال والصفاء والمحبة، ويضفي الحنان أجواء من الألفة والرقة والعاطفة الإنسانية. ومن هنا، يبدو العنوان مدخلا إلى عالم شعري تتفتح فيه المشاعر، وتحتفظ الذكريات بعطرها، ويجد الحنين في القصيدة ملاذًا من قسوة الغياب والمسافات".
وتتعدد موضوعات الديوان، غير أن خيطًا وجدانيًا يجمع بينها، قوامه الحب والوفاء والانتماء، والتأمل في الحياة والإنسان والوطن. وتنطلق الشاعرة من تجاربها الخاصة لتلامس قضايا إنسانية أوسع، متخذة من الشعر وسيلة للتعبير عن الذات والانفتاح على الآخرين.
في قصائد الحب والحنين، يتجلى القلب بوصفه مستودعًا للذاكرة، ومكانًا تتجاور فيه لذة اللقاء ومرارة الانتظار. ففي قصيدة "الحبيب الغائب"، يتحول البعد إلى تجربة تستحوذ على الزمن، وتعيد ترتيب تفاصيل الحياة حول غياب المحبوب. وقالت الشاعرة: "تدور السنين وتمضي الحياة"، غير أن مرور الزمن لا ينتزع من القلب وفاءه لمن أحب، ولا يمحو أثر الغائب من الذاكرة.
ويتواصل هذا الإحساس في قصائد "ما لقلبي"، "هواجس"، "عتاب"، حيث تتأرجح الذات بين الشوق والحيرة، وبين استعادة الماضي ومحاولة فهم الحاضر. وتكشف هذه النصوص عن وجدان يواجه أسئلته الداخلية، ويتأمل الآثار النفسية التي يتركها الحب والغياب وتقلبات الزمن.
وتتسع الدائرة العاطفية لتشمل الأسرة والروابط الإنسانية. ففي قصيدة "ذكرى العمة الغالية خديجة أبو حمد"، تستعيد الشاعرة صورة إنسانة رحلت، لكن أثرها ظل حاضرًا في الوجدان، مستحضرة معاني المحبة والصدق والإخلاص. أما في قصيدة "إلى زيدون"، فتعبر عن ألم الأمومة أمام البعد، مستعينة بتفاصيل الحياة اليومية، من الغرفة والثياب إلى الدفاتر والكتب، لتجعل من الأشياء شواهد على حضور الابن الغائب. وهنا يتجاوز الحنين حدود التجربة الشخصية ليغدو إحساسًا إنسانيًا يلامس مشاعر كل أم يثقل قلبها الفراق.
وفي سياق آخر، يتجلى الوفاء في قصيدتي "الدكتورة شادن"، "شكر وعرفان إلى الطبيب الدكتور يعقوب الحمادي"، حيث تحتفي الشاعرة بالعلم والخلق الكريم، وتعبر عن امتنانها لأشخاص تركوا أثرًا طيبًا في حياة الآخرين. فالشعر هنا لا يقتصر على البوح الذاتي، بل يتحول إلى وسيلة للاعتراف بالجميل وتخليد المواقف النبيلة.
ومن الدائرة الشخصية تنتقل الشاعرة إلى فضاء الوطن والكرامة والحرية. ففي قصيدة "إليك يا قدس"، تخاطب المدينة بما تمثله من تاريخ وهوية وذاكرة دينية وإنسانية، وتمزج مشاعر الألم والأسى بمساءلة الضمير إزاء ما تتعرض له. فالقدس، في هذا النص، ليست مكانًا بعيدًا، بل قضية تختبر صدق الانتماء والشعور بالمسؤولية.
وفي قصيدة "قصة شهيد"، تستحضر الشاعرة الألم الوطني، وتمنح التضحية دلالة ترتبط بالكرامة ورفض الهزيمة، فيما تتجه في قصيدة "عزيمة أطفال"، نحو المستقبل، مستحضرة قيم العلم والعمل والتعاون في بناء الغد. وهكذا يتجاور الألم مع الأمل، ويبقى الإنسان وإرادته محورًا لهذه الرؤية.
أما قصيدة "وحدة الخير"، فتقدم المحبة باعتبارها قوة اجتماعية تجمع الناس وتدفعهم إلى التعاون والبناء. وتتحول صور الورد والألوان والنسيم إلى رموز للتفاؤل والتضامن، في تأكيد أن الخير ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل ممارسة ينعكس أثرها في المجتمع. ويكتسب النص دلالة إضافية لعودته، بحسب تاريخ القصيدة، إلى العام 1992، بما يشير إلى حضور الاهتمام بالقضايا الاجتماعية في تجربة الشاعرة منذ وقت مبكر.
ويكتمل هذا الأفق بقصيدة "اللغة العربية"، التي تحتفي باللغة بوصفها وعاءً للهوية والثقافة والتراث، لا مجرد وسيلة للتواصل. وتعبر الشاعرة من خلالها عن اعتزازها بلغتها، داعية إلى صونها وتعزيز مكانتها.
ولا تغيب التأملات الروحية عن الديوان، كما في قصيدة "حديث النفس"، التي يتحول فيها النص إلى حوار داخلي بين الرغبات وصوت العقل والضمير. وتظهر الذات في حالة من المراجعة والمجاهدة، سعيًا إلى الهداية والطمأنينة، وإدراكًا لمسؤوليتها عن اختياراتها.
ومن خلال هذه الموضوعات، تبدو الشاعرة وثيقة الصلة بتفاصيل الحياة ومناسباتها؛ فهي تستمد مادتها الشعرية من شخص عزيز، أو ذكرى باقية، أو موقف يستحق الشكر، أو قضية وطنية تؤرق الضمير. وهذه الصلة بالتجربة تمنح نصوصها طابعًا وجدانيًا، وتجعلها أشبه بصفحات من سيرة إنسانية تصوغها الشاعرة بلغة العاطفة والوفاء.
ولا يبدو ديوان "على ضفاف الياسمين والحنون"، مجرد مجموعة من القصائد المتفرقة، بل مساحة تتجاور فيها الرقة والألم، ويلتقي فيها الحنين بالأمل، وتتداخل التجربة الشخصية مع الانشغال الإنساني والوطني. وعلى الرغم من تنوع موضوعاته، تظل المحبة والوفاء والكرامة والخير خيطًا وجدانيًا ناظمًا لنصوصه.
ولأن هذا الديوان يمثل الإصدار الشعري الأول والوحيد للشاعرة ثريا إبراهيم، فإنه يشكل محطة في مسيرتها الأدبية، أتاحت من خلالها لعالمها الداخلي أن يتجاوز حدود الذات إلى فضاء القراءة والتلقي. فالقيمة الأدبية للتجربة لا تقاس بالانتشار وحده، بل بصدقها وقدرتها على ملامسة وجدان القراء وترك أثر لديهم.
وخلص اليوسف إلى أن الحكاية على ضفاف هذا الديوان لا تنتهي عند القصيدة الأخيرة، بل تظل مفتوحة على أمل تجربة شعرية مقبلة تحمل مزيدًا من النضج والتجدد، وتواصل زرع عطر الياسمين في الذاكرة ودفء الحنان في القلوب.