نشر المارينز يفتح الباب لمرحلة جديدة في حرب إيران .. ما هي هذه الوحدة؟
الغد
مع اقتراب حرب إيران من أسبوعها الرابع، يثير إرسال وزارة الحرب (البنتاجون) نحو 2500 من مشاة البحرية الأميركية إلى الشرق الأوسط تساؤلات متزايدة بشأن ما إذا كان هذا الانتشار يمهّد لمرحلة جديدة في الصراع، قد تتجاوز الضربات الجوية إلى أشكال أخرى من التدخل.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حشد دعم الحلفاء لإعادة فتح مضيق هرمز، يمثل هذا التحرك العسكري تصعيداً لافتاً، حيث يمنح واشنطن خيارات أوسع على الأرض، في ظل حرب آخذة في الاتساع وتداعيات متزايدة على أمن المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية.
ويأتي هذا الانتشار في الوقت الذي قال فيه وزير الحرب بيت هيجسيث إن الضربات العسكرية نجحت في استهداف أكثر من 15 ألف هدف في إيران، على مدى أسبوعين تقريباً من القصف المتواصل، سقط خلالها 13 جندياً أميركياً.
ووسط تقارير عن أن واشنطن تدرس خططاً لاحتلال أو فرض حصار على جزيرة خرج الإيرانية، بهدف الضغط على طهران، لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما يعني أن القوات البرية ستكون ضرورية لخطوة كهذه.
إرسال المارينز ومفاجأة الإدارة الأميركية
في تصعيد جديد للحرب التي بدأت في 28 فبراير، أصدر البنتاجون أوامره، في 13 مارس، بإرسال نحو 2500 من مشاة البحرية على متن 3 سفن حربية إلى الشرق الأوسط، من منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن المتوقع وصول قوات المارينز خلال أسبوعين على أقرب تقدير.
ويأتي هذا في الوقت الذي بدا فيه أن رد إيران على ما يقرب من أسبوعين ونصف من القصف الجوي والضربات بعيدة المدى؛ أكثر تعقيداً مما توقعته الإدارة.
ويرى نائب وزير الدفاع السابق لشؤون الشرق الأوسط، وضابط وكالة الاستخبارات المركزية CIA المتقاعد، مايك مولوري، أن إرسال الوحدة، المعروفة رسمياً باسم وحدة مشاة البحرية الاستكشافية الـ31، ناتج عن عدم توقع البيت الأبيض لهذا المستوى من التعقيد في الحرب مع إيران والتحديات في مضيق هرمز.
وقال مولوري، في حديث مع "الشرق"، إن رد إيران قد فاجأ الإدارة الأميركية، "وإلا لكانت هذه الوحدة قد تم نشرها في منطقة العمليات قبل اندلاع الأزمة".
وسينضم جنود المارينز إلى نحو ما يقرب من 50 ألف جندي أميركي في المنطقة. ويأتي هذا الانتشار بعد أن أغلقت طهران مضيق هرمز ومنعت مرور أكثر من 1000 سفينة شحن، معظمها ناقلات نفط وغاز. وأدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع أسعار الغاز واضطراب الأسواق.
وحاول ترامب حث الحلفاء للعمل بشكل مشترك لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، لكن جهوده قوبلت بالرفض من الدول التي فضلت عدم الانخراط في الحرب.
ويعتقد كبير مستشاري السياسات الأمنية السابق في البنتاجون مايكل معلوف، أن الهدف من إرسال الوحدة 31، وهي قوة تدخل سريع، هو احتلال جزيرة خرج الإيرانية.
ونظراً لأهمية جزيرة خرج كمركز رئيسي لتصدير النفط الإيراني، يرى معلوف أنه بدلاً من تدمير مصافي النفط والبنية التحتية للتخزين، تهدف الإدارة الأميركية إلى السيطرة على الجزيرة.
وقال معلوف لـ"الشرق": "لهذا نرى الآن تمهيداً بالقنابل الثقيلة، مثل قنابل 5000 رطل والقنابل الخارقة للتحصينات".
"الإنزال البري هو السبب الوحيد لإرسالهم"
وقدم كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مارك كانسيان، الذي أمضى ثلاثة عقود في سلاح مشاة البحرية الأميركية تحليلاً يعتمد على مشاهدته المباشرة.
واعتبر كانسيان أن السبب الوحيد لإرسال قوات مشاة البحرية من منطقة المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط هو إنزالهم برياً في موقع ما خلال سياق الصراع الحالي، وهو ما يعكس رغبة إدارة ترامب في فتح مضيق هرمز، مستطرداً "وربما الإقدام على ما هو أبعد من ذلك".
وقال كانسيان لـ"الشرق" إن وحدة عسكرية بهذا الحجم تُعد ملائمة تماماً للاستيلاء على جزيرة صغيرة، وهي جزر يتوفر العديد منها في المضيق ومنطقة الخليج، مضيفاً "وبمجرد الاستيلاء على الجزيرة، يمكن للولايات المتحدة نشر صواريخ دفاع جوي وصواريخ مضادة للسفن عليها، للمساعدة في حماية القوافل البحرية العابرة لمضيق هرمز".
تابع كانسيان أن جزيرة خرج صغيرة الحجم، ونظراً لبُعدها مسافة تتراوح بين 20 و30 ميلاً عن البر الرئيسي، "فإنه من السهل نسبياً عزلها".
الخطر من البحر
ورغم أن عملية الاستيلاء على جزيرة خرج ملائمة تماماً لهذه الوحدة، بالنظر إلى تشكيلها وحجمها وطبيعة عملها، فإن العملية لا تخلو من تحديات كبيرة.
ويكمن التحدي في هذه العملية، بحسب كانسيان، في أن سفن البحرية سيتعين عليها عبور كل من مضيق هرمز والخليج العربي، بينما تتعرض لهجمات من الجانب الإيراني.
ولأن حجم هذه الوحدة العسكرية يُعد صغيراً للغاية، لفت كانسيان، إلى أنها لا تُستخدم في القيام بعمليات إنزال على البر الرئيسي، "إذ تمتلك إيران قوات برية يبلغ قوامها نحو مليون جندي، فضلاً عن قوات ميليشياوية يبلغ قوامها مليون جندي آخر".
التحديات التي طرحها كانسيان تثير مخاوف معلوف أيضاً. إذ يشير إلى نقطة فنية تتعلق بطبيعة التهديد في مضيق هرمز، وهي الألغام البحرية.
ويرى معلوف أن إرسال الوحدة 31 من مشاة البحرية الأميركية لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تسعى أو تملك القدرة على تأمين سلامة الملاحة في مضيق هرمز، مشيراً إلى أن هذه القوات بتدريبها وحجمها مهيأة لعمليات الإنزال والسيطرة على أهداف محددة في وقت قصير، مثل جزيرة أو منشأة استراتيجية، وليس إدارة ممر بحري معقد ومفتوح كالمضيق.
وقال معلوف إنه حتى لو تم نشر قوات على الشواطئ أو في جزر قريبة، فإن الخطر الأكبر في المضيق لا يأتي من البر، بل من البحر نفسه، حيث يمكن لإيران زرع ألغام بحرية تعيق أو تمنع مرور السفن، مؤكداً أن قوات مشاة البحرية لا تمتلك دوراً أو قدرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات، لأنها قوات إنزال بري وليست مجهزة بقدرات كشف أو إزالة الألغام البحرية، موضحاً أن التعامل مع الألغام يتطلب سفناً متخصصة، إضافة إلى تقنيات متقدمة وقدرات بحرية مستمرة لتأمين الممر الملاحي.
ويتفق كانسيان مع معلوف في أن وحدة مشاة البحرية والسفن الحربية التي تنقلها لا تستطيع التعامل مع الألغام البحرية. ومع ذلك يرى كانسيان أن تكوين وحدة المشاة البحرية يجعل القوات قادرة على التعامل مع الطائرات المسيرة بمجرد إنزالها.
ماذا ستفعل الفرقة 31 في إيران؟
تتشكل وحدة المشاة البحرية الاستكشافية الـ31 (31st MEU) على غرار باقي وحدات المشاة البحرية، وتعمل في غرب المحيط الهادئ وتتخذ من أوكيناوا باليابان مقراً لها.
وتضم الوحدة حوالي 2200–2500 من مشاة البحرية، وتتكون من أربعة عناصر رئيسية: عنصر القيادة، والعنصر البري "كتيبة مشاة ويضاف إليهم المدفعية والاستطلاع والمهندسون القتاليون"، وعنصر جوي يضم إما مروحيات أو طائرات F-35، وعنصر لوجستي.
ووفقاً لوثائق سلاح مشاة البحرية، تتركز مهام الوحدة 31، على الهجوم البرمائي، والغارات البرمائية وعمليات الاعتراض البحري والتفتيش والمداهمة والمصادرة، وعمليات إجلاء غير المقاتلين، والمساعدة الإنسانية، وعمليات الاستقرار، والاسترداد التكتيكي للطائرات والأفراد، والعمليات المشتركة مع قوات أخرى، والعمليات الجوية من قواعد برية استكشافية، وأنشطة التعاون الأمني في المسرح العملياتي، والسيطرة على المطارات والموانئ.
ويلفت نائب الأدميرال المتقاعد فووزي ميلر، الرئيس السابق في القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية، إلى القدرات التي تجلبها هذه الوحدة إلى المسرح العملياتي، وأبرزها إمكانية تنفيذ غارات محدودة.
وقال ميلر لـ"الشرق" إن مشاة البحرية الأميركيون بارعون في تنفيذ الغارات، ما يعني أنهم قادرون على النزول إلى موقع معين، وفرض السيطرة هناك لفترة محددة، وتحقيق التأثير العسكري المطلوب، "يمكنهم احتلال جزيرة لفترة محددة، مثل جزيرة خرج، أو أي جزيرة قرب مضيق هرمز، بهدف تعزيز سلامة مرور السفن من خلال السيطرة على هذه النقاط الاستراتيجية".
وأضاف ميلر "لا يمكنهم تأمين المضيق بمفردهم، بل سيكونون جزءاً من قوة أكبر"، مشيراً إلى أن هذه الوحدة مهيأة أساساً لتنفيذ الغارات المحدودة، وليست مخصصة لتدخل بري واسع في إيران، موضحاً "لا توجد خطة لإدخال قوة برية كبيرة أو احتلال أي جزء من البلاد، لكن يمكن استخدام هذه القوات السريعة والقابلة للنقل بسرعة للوصول إلى مناطق صغيرة، مثل جزيرة أو مناطق ساحلية قرب المضيق، لمنع الإيرانيين من إطلاق قوارب أو صواريخ كروز أو طائرات مسيرة".
غير أن نائب مساعد وزير الدفاع السابق لشؤون الشرق الأوسط، مايك مولوري، ورغم تأكيده على أن الوحدة تتميز بقدرات عالية تمكنها من السيطرة على جزيرة خرج، فإنه يلفت إلى أن العنصر البري فيها هو "كتيبة إنزال" تضم نحو 600 جندي فقط من مشاة البحرية، بالإضافة إلى بعض قوات العمليات الخاصة، "وبالتالي فهي ليست قوة كبيرة الحجم".
وحول طبيعة الدور المتوقع للوحدة 31 في الحرب مع إيران، يرى كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مارك كانسيان، أنه يمكن استخدام مشاة البحرية بعدة طرق. لكن مهمتهم الأكثر ترجيحاً، بحسب كانسيان، ستكون المساعدة في إعادة فتح المضيق، ربما عن طريق الاستيلاء على الجزر الصغيرة القريبة من الممرات الملاحية واستخدامها كقواعد للدفاع الجوي، "مما يساعد في حماية القوافل التي تعبر المضيق".
أما الإسهام الثاني لهذه الوحدة وفق كانسيان، أنه في حال تمكنت الوحدة من الاستيلاء على جزيرة خرج، فإن الولايات المتحدة ستتمكن حينها من إحكام قبضتها وخنق صادرات النفط الإيرانية، "مما سيضعها في موقف تفاوضي بالغ القوة".
إجلاء سايجون
في السابق، انخرطت وحدة المشاة البحرية الاستكشافية الـ31، في عمليات الاستجابة للأزمات، وأنشطة المساعدات في منطقة غرب المحيط الهادئ. وفي عام 1975، حين كان مارك كانسيان جندياً في سلاح مشاة البحرية ضمن صفوف هذه الوحدة، شارك في عملية إجلاء سايجون في فيتنام.
وقبل سقوط سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية في أيدي جيش فيتنام الشمالية في 30 أبريل 1975، قادت الوحدة 31 عملية إجلاء في الفترة من 29 إلى 30 أبريل، حيث هبطت المروحيات في السفارة الأميركية على فترات زمنية مدتها 10 دقائق، بما في ذلك الهبوط على سطح السفارة، وعلى مدار 19 ساعة متواصلة، تم إجلاء أكثر من 7000 شخص، من بينهم 5500 فيتنامي.
"الفراغ" في المحيط الهادئ
يخلق سحب وحدة المشاة البحرية الـ31 من اليابان فجوة عسكرية في المنطقة، حيث يؤدي إلى إزالة أحد العناصر القتالية البرية الرئيسية في المحيط الهادئ، والتي يُمكنها الاستجابة لأي أزمة مع الصين أو كوريا الشمالية.
لكن العميد المتقاعد نائب مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية مارك كيميت، لا يعتقد أن سحب تلك الوحدة من اليابان قد يُحدث فراغاً عسكرياً في نطاق القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقال كيميت لـ"الشرق" إنه على الرغم من أنها قوة قوية وذات كفاءة عالية، فإنها ليست كبيرة بما يكفي لإحداث تغيير في ميزان القوى الإقليمي "سواء بوجودها أو بغيابها".
من جانبه، يرى قائد القوات البحرية الأميركية في القيادة المركزية فووزي ميلر، أن تغيراً قصير المدى في الوجود الأميركي في غرب المحيط الهادئ لا يعد المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، "فقد حدث عدة مرات بين 2003 و2011 عند نقل قوات من غرب المحيط الهادئ إلى العراق".
وقال ميلر إن أي نقل لقوات من مسرح إلى آخر قد يقلل بعض القدرات في المسرح الأصلي، "ويُجرى تقييم دائم للمخاطر من قبل رئيس الأركان وطاقمه، لتقديم توصيات للوزير، الذي يمكنه بدوره إحالتها للرئيس".
غير أن كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مارك كانسيان، يؤكد أنه قد نشأ بالفعل فراغ مؤقت في تمركز القوات الأميركية بمنطقة غرب المحيط الهادئ، موضحاً أن الأمر لم يقتصر على مغادرة قوات مشاة البحرية وسفن الإنزال البرمائية فحسب، "بل غادرت أيضاً المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات أبراهام لينكولن الشهر الماضي. كما تم سحب جزء من وحدة منظومة الدفاع الصاروخي - ثاد - من كوريا".
وأشار كانسيان إلى أن التقارير تفيد بأن بعض صواريخ "باتريوت" قد نُقلت خارج منطقة المحيط الهادئ، "وعندما تنتهي الحرب، سيتم سد هذا الفراغ.. إلا أن هذا الوضع يمنح الصين فرصة سانحة في الوقت الراهن"، نقلا عن بلومبرغ