الغد
في إحدى الأمسيات الثقيلة، جلس عدد من الرجال حول مائدة عشاء طويلة؛ سياسي متقاعد، وأستاذ فلسفة، ورجل أعمال، وصحفي خبر المجتمع، وآخر عركته الحياة وعايش طبقات المجتمع كافة. وبين ضجيج الأحاديث ورائحة القهوة، طُرح سؤال أربك الجميع: لماذا تتراجع المجتمعات؟ ومَن الأخطر على مستقبل الدول، المسؤول الفاسد أم الجبان؟
ساد الصمت للحظة، ثم بدأ كل واحد يفتش في ذاكرته عن تفسير.
قال السياسي المتقاعد: المجتمعات لا تسقط بالفساد وحده، ولا بالجبن وحده، بل حين يتحالف الاثنان داخل مؤسسات الدولة. فالفساد يسرق المال والعدالة والفرص، لكن الجبن يسرق القدرة على المواجهة. وحين يعجز الناس عن تسمية الخلل باسمه، يتحول الخلل إلى قدر يُدار بصمت.
وأضاف رجل الأعمال: ليست كل الكوارث نتيجة الحروب أو الفقر، بل أحياناً تبدأ من داخل الإنسان نفسه؛ من اللحظة التي يبيع فيها مسؤول ضميره، أو يختار فيها مجتمع بأكمله الصمت خوفاً أو مصلحة. عندها تهرب الكفاءات، ويصبح النفوذ أهم من العمل، والعلاقات أقوى من الجدارة، وتصبح كلف المشاريع مضاعفة.
أما أستاذ الفلسفة فقال: المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل عندما تتحول النخب من حراس للمؤسسات إلى مالكين لها.
وهنا استعاد الصحفي تحذيرات أفلاطون وابن خلدون من تحول السلطة إلى أداة لحماية المصالح والامتيازات، لا لخدمة العدالة والمجتمع.
وأضاف: ظاهرياً، يبدو المسؤول الفاسد هو الأخطر؛ فهو ينهب المال العام، ويضعف المؤسسات، ويحول الوظيفة إلى نفوذ لا إلى خدمة. لكن الحقيقة الأعمق أن الفساد لا يعيش وحده، بل يحتاج دائماً إلى بيئة صامتة، وإلى خوف عام، وإلى أشخاص يرون الخلل ويفضلون النجاة الشخصية على قول الحقيقة.
فالفاسد لا يسرق المال فقط، بل يسرق ثقة الناس بمؤسسات الدولة. وحين يفقد المواطن إيمانه بأن القانون يطبق على الجميع، تبدأ أخطر مراحل التآكل الداخلي؛ تتحول المؤسسات إلى شبكات مصالح، والوظائف إلى غنائم، والقرارات إلى صفقات، والحقائق إلى روايات يتم تسويقها لا احترامها.
لكن الجبان قد يكون أخطر في لحظات كثيرة؛ لأن الفاسد معروف بطبيعته، أما الجبان فيختبئ خلف الحياد الزائف، أو الصمت الذي يُسوَّق بصفته عقلانية، أو الحكمة الباردة. كم من شخص رأى الخطر فتراجع، أو أدرك الخلل فاختار السلامة الشخصية؟ هنا يصبح الجبن شريكاً كاملاً في صناعة الانهيار.
قاطع أستاذ الفلسفة الحديث وقال: التاريخ مليء بالأمثلة. فالإمبراطورية الرومانية لم تسقط بالغزوات وحدها، بل بفساد نخبتها وخوف مسؤوليها وصمت مثقفيها. وهذا ما جاء في وصف المؤرخ الروماني تاكيتوس لسنوات الانحدار، فهو لم يتحدث أولاً عن قوة الأعداء، بل عن خوف المسؤولين، وصمت المثقفين، وشراء الولاءات. وفرنسا لم تنفجر بسبب الجوع فقط، بل لأن الناس شعرت أن العدالة اختفت. وحتى الاتحاد السوفييتي تفكك حين أصبحت البيروقراطية تخاف الحقيقة أكثر من خوفها من الانهيار.
حتى الحضارات العربية والإسلامية عرفت هذه الدورة القاسية؛ إذ بدأت كثير من الدول قوية بالكفاءة والعدالة، ثم أضعفها ترف النخب وتحول المناصب إلى غنائم. ففقد نظام الإدارة التوازن بين السلطة والمسؤولية، وبين القوة والأخلاق.
وأضاف: المشكلة أن تغول النخب لا يبدأ دائماً بسرقة المال، بل حين يشعر بعض المتنفذين أن المؤسسات وُجدت لحمايتهم لا لخدمة المجتمع. عندها تصبح الكفاءة تهديداً، والحقيقة عبئاً، والنقد تهمة.
وهذا ما عبر عنه نيتشه، إذ رأى أن أخطر ما يصيب الأمم ليس ضعفها المادي، بل اعتيادها على الضعف؛ أي اللحظة التي يصبح فيها الخلل طبيعياً، والاعتراض عليه مغامرة.
هنا تدخل الرجل الذي عركته الحياة وقال بصوت مثقل بالتجربة، رغم أنه لم يكن راغباً بالحديث، وقال بصوت بدا وكأنه قادم من تعب الناس اليومي لا من الكتب: التاريخ يعلمنا أن الأزمات تتعمق، بسبب، أولئك الذين أقنعوا أنفسهم أن الصمت أقل كلفة من الاعتراض. كم من دولة دخلت أزماتها لأن النخب خافت؟ وكم من مؤسسة تآكلت لأن أصحاب الكفاءة انسحبوا وتركوا المساحة للانتهازيين؟
وأضاف، أن من عاش التجربة، وعايش طبقات المجتمع، يعرف الفرق بين دولة تتخلى عن مجتمعها تحت الضغط، ودولة تحاول حماية تماسكه رغم الأعباء. انظروا إلى الأردن بقيادة الملك؛ ففي وقت تلجأ فيه دول كثيرة إلى تحميل شعوبها كلفة الأزمات وحدها، تعمل الدولة الأردنية على حماية الاستقرار الاجتماعي ومنع الانكسار الداخلي.
وتابع، انظروا إلى القرارات الحكومية الأخيرة، فالقضية ليست مجرد زيادة رواتب أو حزم دعم، بل الرسالة التي تقف خلفها؛ أن المواطن ليس رقماً في الموازنة، وأن الحفاظ على كرامة الناس جزء من حماية الدولة نفسها. ولهذا جاءت القرارات الأخيرة لدعم أصحاب الدخل المتدني، والقطاع الصحي والسياحي والزراعي، كمؤشر على أن الدولة تدرك خطورة المرحلة وتسعى إلى تخفيف آثارها الاجتماعية والاقتصادية.
ثم صمت قليلاً، وأكمل وكأنه يستحضر وجوه الناس الذين عرفهم في القرى والمدن والمخيمات، وقال بصوت هادئ لكنه مثقل بالتجربة: صدقوني، من عاش بين الناس يعرف شعور الناس، بأن الدولة لن تتركهم للمعاناة وحدهم، فهي تعمل على حماية تماسك المجتمع، ومنع الانكسار الاجتماعي رغم الأزمات الاقتصادية.
ثم أضاف: التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس الفقر وحده، بل شعور الناس بأنهم متروكون. وحين يشعر المواطن أن تعبه يقدّر، والحكومة تحاول تخفيف الأعباء عنه، حتى وسط العواصف، فإن ذلك يحمي الاستقرار النفسي والاجتماعي أكثر مما تفعله أحياناً الجيوش والأسوار. ولهذا بقي الأردن، رغم قلة الموارد وشدة الضغوط، متماسكاً؛ لأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تُبنَ فقط على الإدارة، بل على إدراك عميق أن الإنسان هو أساس الصمود الوطني، وأن الحفاظ على كرامته ليس ترفاً اقتصادياً، بل ضرورة إستراتيجية لاستقرار الدولة وحماية الأمن الوطني.
ثم عاد النقاش إلى الفكرة الأساسية؛ فالفساد يمكن مواجهته بالقانون والرقابة، أما الجبن حين يتحول إلى ثقافة عامة فهو أخطر، لأنه يجعل الناس تخاف من قول الحقيقة أكثر من خوفها من انتشار النفوذ والخلل. وعندما تنتشر هذه العقلية، وتفضيل السلامة الشخصية حتى لو تأذت المصلحة العامة، تخسر الدول أهم ما تملك؛ "شجاعة العقل وشجاعة الضمير".
ومع ذلك، فإن الحديث عن الفساد يحتاج دائماً إلى عدالة ووعي؛ فالفساد موجود في كل دول العالم، لكن الفرق الحقيقي يكمن في قوة المؤسسات وقدرتها على المحاسبة دون تصفية أو اغتيال معنوي.
ففي كثير من الأحيان، لا يُستخدم الاتهام بالفساد لمحاربة الفساد فعلاً، بل لتصفية الحسابات أو إقصاء شخصيات رفضت تمرير قرارات مخالفة للتشريعات أو اصطدمت بمراكز نفوذ نافذة. وعندها تتحول بعض المنابر الإعلامية أو حملات الرأي إلى أدوات لاغتيال السمعة وتشويه الصورة وإبعاد الكفاءات عن المشهد.
فبعض الاتهامات قد تُستخدم أحياناً لإقصاء شخصيات مهنية أو تصفية حسابات، وعندها تخسر الدولة مرتين: مرة حين يُترك الفساد الحقيقي، ومرة حين تُستهدف الكفاءات والنخب النزيهه، فيصبح الصمت أكثر أماناً من النزاهة نفسها.
وفي الأردن، لم تكن هذه التحذيرات غائبة عن الدولة؛ فقد تحدث الملك مراراً عن الترهل الإداري، وضعف الكفاءة، وثقافة الخوف من القرار، والأيدي المرتجفة، ومحاولات بعض مراكز القوى حماية مصالحها على حساب المصلحة الوطنية، وتحذيره المبكر من أن الفساد لا يتمدد إلا في بيئة مترددة وصامتة.
فحين يخاف المسؤول من القرار، ويخاف أصحاب الكفاءة والنخب والمثقفون من المواجهة، تتشكل طبقة رمادية تستنزف مؤسسات الدولة ببطء. ولهذا لم يكن الحديث عن الإصلاح مجرد نقد إداري، بل تحذيراً من تآكل الشجاعة المؤسسية وتحول الصمت إلى أسلوب حياة.
ولهذا لم تكن المشكلة الكبرى في تاريخ الأمم وجود الفاسدين وحدهم، بل اللحظة التي يصبح فيها الصمت أكثر راحة، والخوف ثقافة، والحقيقة عبئاً يخشاه الجميع.
وفي نهاية الجلسة، لم يصل الرجال إلى إجابة حاسمة، مَن الأخطر، الفاسد أم الجبان؟ لكنهم اتفقوا على حقيقة واحدة؛ أن أخطر ما تواجهه الأمم هو اللحظة التي يعتاد فيها المجتمع وجود الاثنين معاً حتى يبدوا وكأنهما جزء طبيعي من الحياة.
ومع ذلك، بقيت القناعة الأعمق أن الدول القوية ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي تمتلك شجاعة التصحيح وعدالة المحاسبة، وتضع حماية الإنسان واستقرار المجتمع في صميم قراراتها. ولهذا يرى الأردنيون أن ما تتخذه الحكومة اليوم من إجراءات اقتصادية واجتماعية، بقيادة الملك وولي العهد، ليس مجرد استجابة ظرفية، بل محاولة واعية لحماية التماسك الوطني ومنع الضغوط الاقتصادية من التحول إلى أزمات اجتماعية أعمق. فالدول تُقاس في الأوقات الصعبة بقدرتها على الوقوف إلى جانب مجتمعها، والأردن، رغم قلة الموارد وشدة التحديات، يعمل لكي يبقي الإنسان المحور الاستراتيجي في المعادلة الوطنية، وأساس قوة الدولة، وحماية صمودها واستقرارها، ولن يقوى أي عدو على هزيمتها.