عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Jun-2026

مخاض الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي*د. يحيى أحمد القبالي

 الغد

عند الحديث عن الكتابة نستحضر الإنتاج الكتابي من شعر ونثر ومقالة ورواية وقصة وخاطرة.. وما تنتجه هذه الألوان الأدبية من معنى من خلال القلم والورقة لم يكن قائما من قبل، ولا يعد تكرارا لما سبقه، فالكاتب يعيش كل حرف وكلمة كمخاض لمولود جديد يمثل قطعة منه يرى جماله الفتان بعيون متابعيه وعشاق إنتاجه الكتابي، وإن تشابه الإنتاج فقد اختلفت طقوس الكتابة من كاتب وآخر بين العزلة والتأمل، فبمجرد أن يأتي الإلهام للكاتب يبدأ دون تحضير مسبق نحو هدفه الكتابي في فترات يتخللها الإجهاد الذهني والحبسة أو ما يطلق عليه (قفلة الكاتب) وهي حالة من العجز عن الإنتاج أو إكمال العمل الكتابي، ولربما كان غارقا في عمله، أو نومه، أو لعبه، أو تناول طعامه، أو سائرا في طريقه، تهمس الأفكار في أذنيه أو تتراءى له كخيالات يشعر بدفئها حين تتدفق الأفكار تباعا وبسلاسة كالماء من في السقاء، تبشر بانفراجه عما كان يحتبس في أعماق الكاتب وسبب له توترا اعتاد عليه كطقس يومي لا انفكاك عنه، ولعل هناك من يتربص بزلاته، وكما قال الأديب العربي (عثمان بن بحر) الملقب بالجاحظ :» ينبغي لمن كتب كتابا ألا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء» يقول الروائي الأميركي (ستيفن كينغ) والذي تم بيع (350) مليون نسخة من كتبه: « يبدو أن الغاية التراكمية من ممارسة هذه الطقوس كل يوم، هي بمثابة قول موجه للعقل: استعد ستحلم قريبا» 
 
 
هل للكتابة وقت معين؟
إن أكثر الكتاب يفضلون أوقاتا معينة للكتابة بعيدا عن الضوضاء والأضواء الساطعة، 
وكان الوقت الأكثر تفضيلا ساعات الليل أو ما يقارب الصباح الباكر، وقد كان الكاتب الفرنسي (مارسيل بروست ،1913م) صاحب رواية «بحثا عن الزمن المفقود» يكتب في غرفة معزولة بستائر معتمة لحجْب الضوء، وجدرانها مبطنة بلوحات الفلين للتقليل من الضجيج، فالضوضاء والضوء ولو كانا خافتين، في رأيه، يشتتان انتباهه عن التأليف.
وهذا الروائي الياباني(هاروكي مراكمي،1987م) والذي ترجمت أعماله لأكثر من (50) لغة، يستيقظ في الرابعة صباحا، وينكب على الكتابة خمس ساعات، ثم يركض مسافة عشرة كيلومترات، أو يسبح ألفًا وخمسمائة متر، ويُنهي يومه بقراءة كتاب والإنصات إلى الموسيقا، ومن ثم  يخلد إلى النوم في التاسعة ليلًا.
كان الروائي الأميركي (أرنست ميلر همنغواي) يكتب على الآلة الكاتبة من بزوغ الفجر حتى وقت الظهيرة واقفا على قدميه ما بين خمسمائة إلى ألف كلمة يشعر فيها بالدفء ولو كان البرد قارسا، ثم يتجه إلى الحانة ويقضي وقته جالسا، ويقول: لا أشعر بالفراغ أبدا، بل أشعر بالامتلاء كما لو كنت قضيت الوقت مع من أحب.
أما الشاعر اللبناني (علي أسبر) الملقب بأدونيس، فكان يحمل قلما وورقة ولا تخضع كتابته لزمان أو مكان فمتى نزل الإلهام يبدأ بالكتابة.
وكان حال الشاعر السوري (نزار قباني، 1998م) كحال أدونيس يكتب في أي زمان ومكان، وكان يطلق عليه (شاعر المرأة) حيث كان يعتبر القصيدة أنثى جميلة لا يبدأ بنظم القصيدة إلا إذا تأنق وتعطر، وتجمل، وأحضر الأوراق باللون الأصفر والزهري، فهو يرى القصيدة عروسا فاتنة ترتدي أجمل الثياب تمثل فيها الزخرفة الكلمات والتشبيهات اللائقة بالمرأة، وكذا كل قصائده.
أما الأديب المصري (نجيب محفوظ) فكان يصحو باكرا ويكتب بضع صفحات ثم ينصرف إلى المقهى، ليجلس مع قرائه يتحاورون حول الكتابة الروائية.
وكان الصحفي المصري (محمد حسنين هيكل) يضع نفسه في عزلة تامة عن الناس في بيته، ويغلق على نفسه باب مكتبه ويرفع سماعة الهاتف.
وكانت الروائية الجزائرية (أحلام مستغانمي) تغير أرقام هواتفها وتنعزل عن الناس أو تقرر السفر إلى بلد لا يعرفها فيه أحد، وتتفرغ للكتابة.
وكان أمير الشعراء المصري (أحمد شوقي) يكتب على أي شيء يجده، حتى لو كان علبة فارغة، وكتب إحدى المرات قصيدة على قطعة قماش وجدها أمامه، أما الكاتب الفرنسي (فرانسوا أوروويه) المعروف بـ (فولتير) فكان لا يستطيع الكتابة إلا إذا كان أمامه مجموعة من أقلام الرصاص وبعد أن ينتهي من الكتابة يحطمها ويلفها في الورقة التي كتب فيها ثم يضعها تحت وسادته وينام، وكانت الكاتبة الإنجليزية البوليسية (أجاثا كريستي) تجلس ساعات في بانيو الحمام حتى تهتدي إلى موضوع قصة مناسبة، وكانت تقول: لا أستطيع وضع تصاميم رواياتي إلا في الرياح الممطرة.
وهناك الكثير الكثير من أشكال المعاناة التي كان يتكبدها الكاتب من أجل أن يقدم للمجتمع ما يفيده ويمتعه، وفي الوقت نفسه يحقق نفسه من خلاله.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي نجد الكاتب المتوتر أصلا يقف حائرا فقد أصبح هناك من يكتب ويؤلف بمجرد ضغطة زر، حيث أصبح التحول جذريا في صناعة المحتوى وطغت الكتابة الهجينة والتي لا مفر منها على السطح، مما أدى إلى كتابة سطحية خالية من المشاعر الإنسانية الحقيقية والعمق، وباتت الضوضاء الرقمية هي السائدة تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي وصعبت من وصول القارئ إلى المحتوى الحقيقي الذي يلامس مشاعره، وأصبح لزاما على الكاتب التعرف على التحديات وأخلاقيات المهنة، وتطويع الذكاء الاصطناعي لمصلحة كتاباته وليس العكس.
ولعل مهنة الخطاط مرت بهذه التجربة منذ ظهور آلة الطباعة حتى وقتنا الحاضر، ومع تلك التحديات فرضت هذه المهنة نفسها وما زال الخطاط يحتفظ باحترام وتقدير المجتمع. 
فالكاتب هو مهندس الكلمات جاعلاً منها بناء يبهر الناظرين، وهو طبيب الكتابة يعرف مكان الألم ويعالجه، وهو الفارس الممتطي صهوة اللغة يطوعها ببيان وبلاغة تلامس عنان السماء، وأن يكتب الكاتب يعني ذلك أنه ما يزال على قيد الحياة، وستبقى عبارة «سلمت اليد وسلم اليراع» تدغدغ مشاعره كلما خط قلمه وجرى مداده، ولن تخون ذاكرة عشاق كتاباته بصمته المميزة في مجال الكتابة  فهي ما تزال تميز الغث من السمين.