عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Feb-2026

"الشوبك التاريخ والوجدان الشعبي": ماسة العهود القديمة وذاكرة المكان

 الغد-عزيزة علي

ضمن فعاليات برنامج مكتبة الأسرة - القراءة للجميع (دورية 19) الذي تنظمه وزارة الثقافة الأردنية، تمت إعادة طباعة كتاب "الشوبك: التاريخ والوجدان الشعبي - الجزء الأول"، للباحث والإعلامي والوزير الأسبق طه الهباهبة.
 
 
أهدى المؤلف هذا الكتاب إلى روح والده الحاج علي الهباهبة، ووالدته الحاجة فاطمة حمد الهباهبة، وإلى كل الأجيال التي خرجت من صلب الشوبك. والكتاب يتكون من أربعة فصول رئيسية هي: "الشوبك في العصر الصليبي، الشوبك في العهد الأيوبي، الشوبك في العصر المملوكي، الشوبك في الوجدان الشعبي".
في مقدمة الكتاب، يشير المؤلف إلى أن الشوبك، قديما وحديثا، تشبه الألماسة "أينما وجدتها فهي تشع وتلمع. تاريخها لا ينضب، وأبطالها لكل واحد منهم حكاية. في الشرق والغرب يمكن أن تجد لها بصمات مع شيء من البحث والتدقيق. ففي مصر ظهر علماء قد يبلغ عددهم ما يوازي سكان محافظة معان، بل وربما يزيدون قرية كاملة تحمل الاسم ذاته". كما برز رجال في مختلف التخصصات والعلوم، وعائلة كاملة باسم (لاجين) من أسرة السلطان حسام الدين لاجين، الذي جعل همه إعادة ترميم قلعة الشوبك كما سنرى.
يضيف الهباهبة أنه في العام 1984 بحث عن تاريخ منطقة الشوبك في بطون الكتب والمراجع، وهو غير مقتنع حينها بأنه سيجد ما يستحق التدوين، إذ لم نقرأ عنها شيئا في مناهجنا المدرسية أو الجامعية، كما هو الحال مع كثير من مواقع الأردن التي تحتاج إلى دراسات معمقة. لكنه فوجئ بكم هائل من المعلومات والوثائق والخرائط في المصادر العربية والأجنبية.
وبعد أن أصدر الجزء الأول من كتابه "الشوبك التاريخ والوجدان الشعبي"، شعر أنه انتقائي، وأن هناك ما يستحق الدراسة والنشر وتسليط الضوء عليه، فجاء الجزء الثاني "الشوبك في الوجدان الشعبي". ثم واصل البحث مرة ثالثة، فوجد مادة غزيرة، لكنه ركز هذه المرة على تاريخ رجال عاشوا في الشوبك وتركوا بصماتهم شاهدة على محبتهم لها أرضا وإنسانا وطبيعة.
يوضح المؤلف أن الشوبك ماسة برقت في عينيه ووجدانه، كما لمعت في أعين آخرين شاركوه الرؤية. فقد كتب الأستاذ محمد إسماعيل الرواشدة عن جغرافية الشوبك، وكتب الأستاذ محمد علي ذياب عن تاريخها وحضارتها قديما وحديثا، فسدوا ثغرات وأثروا المكتبة العربية بدراسات منهجية قيمة.
وينوه إلى أن باحثين آخرين قد يأتون من بعدنا فيرون في هذه الماسة جوانب جمالية جديدة، إذ إن الحسناء لا يمكن الإحاطة بجمالها مهما أوتي الإنسان من عبقرية شعرية أو إبداعية. وقد تتواصل هذه الأجيال مع إخوان لنا في جمهورية مصر العربية، حيث يشتركون معنا في العادات والتقاليد مع اختلاف اللهجة، ولهم بصمات واضحة في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية. ويكفي أن نذكر أن أول من ترأس الجامعة العربية كان شوبكيا، وهو عبد الرحمن عزام، وسيتحدث عنه المؤلف لاحقا، وكذلك عبد الوهاب عزام وغيرهما.
ويرى الهباهبة أن هناك مناطق محددة تحمل اسم الشوبك، مثل الشوبك الغربي والشوبك الشرقي، ورغم أنها تسمى "قرى" فإن عدد سكانها في تزايد مستمر. وتتبع جزيرة الشوبك محافظة الجيزة، وتضم 6 مراكز، و160 قرية، و645 كفرا، من بينها قرية الشوبك الشرقي وأخرى الشوبك الغربي التابعة لمركز النصف في محافظة الجيزة.
أما الشوبك الغربي فهي إحدى قرى مركز الدرشين بمحافظة الجيزة في مصر، وبلغ عدد سكانها العام 2006 نحو 21,112 نسمة، منهم 11,037 رجلا و10,075 امرأة. تطل القرية على نهر النيل وتقع على طريق مصر-أسيوط السريع، ويجاورها من الناحية القبلية قرية أبو رجوان القبلي وأبو رجوان البحري.
تعد هذه القرية معتمدة على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق، كما تعرف بتقدمها العلمي وارتفاع نسبة التعليم فيها، إذ يبرز بين أبنائها عدد كبير من الحاصلين على شهادات رفيعة المستوى. وقد ولد فيها عبد الرحمن عزام، أول أمين عام لجامعة الدول العربية العام 1945. ويتصف أهلها بالكرامة وحرارة الدماء التي تأبى الخضوع، حتى أنك لا تكاد تميز بين فقيرهم وغنيهم، ولذلك يسيطر عليها النظام العائلي.
وفي التمهيد، يستعرض المؤلف تسمية الشوبك، فيقول "الشوبك بالفتح ثم السكون ثم الباء الموحدة المفتوحة، وآخرها كاف. وإن كان عربيا فهو مرتجل، وهي قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وأيلة والقلزم قرب الكرك".
والشوبك بلدة صغيرة تقع في الداخل أكثر من الكرك، وتتميز بعيون وجداول جارية وبساتين وأشجار مثمرة متنوعة. وتقوم على تل مرتفع من الحجر الأبيض، مطل على الغور من جهته الشرقية، وتحت قلعتها تنبع عينان: إحداهما عن يمينها والأخرى عن يسارها، كالعينين في الوجه، تمدان البلدة بالماء وتشرب منها بساتينها.
وتقع على يمين وادي عربة بين الطفيلة ومعان، وإلى الشمال الشرقي من البترا، وكان أغلب سكانها من النصارى. والشوبك كانت في فترات خربة، إما بفعل الحروب والغزوات بين القبائل، أو نتيجة لعوامل الطبيعة، كالزلازل والأمطار والرياح الشديدة. والثابت أنها كانت موطنا موسميا لبعض القبائل العربية، وخاصة قبائل ربيعة من طيء، لما تمتاز به من خصوبة التربة وغزارة الأمطار وتشابك الأشجار وكثرة الينابيع والعيون. وهذا ما جعلها مسرحا للصراع بين القبائل في فصل الربيع حيث الماء والكلأ، أما في الشتاء فتكاد تخلو من السكان بسبب برودة الطقس وغزارة الأمطار وتساقط الثلوج.
ويرى المؤلف أن الشوبك بقيت قلعة مضطربة، تزدهر حينا وتنكمش أحيانا، حتى تحول الصراع بين دولة بيزنطة ودولة الفرس إلى حرب مواقع وأهداف، فكانت مطمعا للطرفين. وقد أدرك الملك الفارسي "بقدور" أو "بغدور" مكانتها الاستراتيجية، فنزل على حصنها سنة 509 ميلادية، وكان حينها خربا، فعمره ورتب فيه جنده وزوده بالرجال والعتاد.
ويذكر الهباهبة أن هذه أول إشارة تاريخية لوجود حصن الشوبك. أما من بناه أول مرة، ومن خربه قبل قدوم الملك الفارسي، فأسئلة لا تسعفنا كتب التاريخ بأجوبة شافية عنها. المهم أن هذا الحصن ظل قائما، رغم أن المنطقة شهدت هجرات متتالية للقبائل العربية، وكانت الشوبك مركزا لانطلاقها وعبورها.
يشير المؤلف إلى أن القبائل القادمة من مصر أو الشام أو الحجاز أو بغداد، وكذلك القبائل الراحلة، كانت لا بد أن تلتقي في هذه المنطقة الحيوية، وخاصة قبائل ربيعة من طيء التي اتخذت الشوبك موطنا لها. ويبدو أن غزوات القبائل ومشاكلها لم تنته، بل امتد نشاطها حتى فلسطين وقراها، فأصبحت مصدر تهديد للحكومات المتعاقبة.
وقد أدرك الفرنج الذين احتلوا فلسطين أن المنطقة معرضة باستمرار للغزو والتسلل من الجنوب الشرقي عبر النقب، فكان لا بد لهم من السيطرة على الإقليم الممتد بين البحر الميت وخليج العقبة.
وفي سنة 495هـ/1101م، شن بلدوين الأول، ملك القدس، هجوما على القبائل العربية الضاربة في هذا الإقليم بعد مهاجمتها أطراف مملكته، فاحتل ديارها ووصل إلى إحدى البقاع الخصبة المتناثرة في ذلك الإقليم الموحش، وهي الشوبك.
تقع هذه البقعة في منطقة غابات بين المنخفض وبلاد العرب، وتبعد نحو مائة ميل عن أقرب موقع للفرنج. هناك شيد قلعة ضخمة، أنزل فيها حامية عسكرية، وزودها بالذخائر، وأطلق عليها اسم "جبل الملوك".
ويشير المؤلف إلى أن الفرس والقبائل العربية والفرنج أدركوا أهمية الشوبك وموقعها الاستراتيجي وسيطرتها على شبكة الطرق التي تربط البلاد الإسلامية. وهذا ما دفع بلدوين الأول إلى التوجه نحوها وبناء قلعة ضخمة فيها، على خلاف الملك الفارسي "بغدور" الذي لم يطل بقاؤه. ورغم ما تعرضت له القلعة من احتلال وهدم ونسف، بقيت شاهدة على قصة بلدوين وتصميمه على الاحتفاظ بهذه المنطقة الحيوية.
وبعد أن شيد بلدوين الأول قلعة الشوبك سنة 1115م، أصبحت هذه القلعة الحصينة مصدر إزعاج لتجارة المسلمين، إذ كانت تحرس المدخل الرئيس بين القاهرة وسورية وتتحكم بطرق القوافل بين البلدين.
ويخلص المؤلف إلى أن كلمة "الشوبك" آرامية الأصل، وتعني "تارك" أو "ساكب"، وقد أطلق عليها اسم مونتريال (Montroyal) الذي حُرف سماعيا إلى مونت ريال (Mont Real)، أي "جبل الملوك". أما كلمة "الكرك" فهي آرامية أيضا، وتعني القلعة أو المدينة المحصنة القائمة على تل مرتفع. وقد أطلق مؤرخو الحركة الصليبية اللاتينية اسم "مونتريال" أو "كرك مونتريال" أو "كرك الشوبك" على هذا الموضع الحصين، تشبيها له بالكرك في حصانته وموقعه.