الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نولان دينارو* - (أنتاي-وور) 5/8/2026
لم تصمم معظم قواعدنا في الشرق الأوسط لخوض حرب مع دولة مثل إيران، تمتلك القدرة على إلحاق أضرار جسيمة تتجاوز حدودها. وليست هذه القواعد سوى بقايا عفا عليها الزمن لإستراتيجية إمبريالية آخذة في الأفول. وبإخفاقه في إدراك هذه الحقيقة، عرّض ترامب قواتنا وجنودنا لمخاطر لا ضرورة لها.
وفق كل المقاييس التقليدية، يبدو أن الولايات المتحدة تخسر الحرب مع إيران. فقد صمدت قوات "الحرس الثوري الإسلامي الإيراني" أمام المساعي الرامية إلى تغيير النظام التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبدو أن الفصائل المتشددة في إيران قد ازدادت قوة وتمكيناً. كما أن البلد ما يزال يحتفظ أيضاً بمخزوناته من الطائرات المسيّرة والصواريخ، في حين تنفد مخزونات الولايات المتحدة بشكل خطير من الذخائر الحاسمة.
ربما تتمثل المؤشرات الملموسة أكثر ما يكون على الهزيمة الإستراتيجية للولايات المتحدة في القواعد المدمَّرة. وقد تمكنت إيران على امتداد هذا الصراع من توجيه ضربات قاسية إلى القواعد الأميركية في مختلف أنحاء المنطقة، وأسفرت الهجمات عن مقتل 18 جندياً أميركياً وإصابة أكثر من 600 آخرين.
نتيجة متوقعة
لم تكن قدرة إيران على الوصول إلى القواعد الأميركية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط مفاجئة للكثير من أولئك الذين يعارضون هذه الحرب وينشطون في ذلك. وكانت هذه القدرة في واقع الأمر أحد أبرز أسباب الدعوات إلى ضبط النفس. وقد حذر الدكتور تريتا بارسي -نائب الرئيس التنفيذي لـ"معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول"- في آب (أغسطس) 2025 من أنه في حال تجدد الصراع مرة أخرى مع إيران، سيكون من المرجح أن تتصرف طهران بقدر أقل كثيراً من ضبط النفس الذي كانت قد أظهرته خلال حرب الأيام الاثني عشر.
وشرح الدكتور بارسي: "لن يكون الأمر كما كان في المرة السابقة. ربما يقوم الإيرانيون هذه المرة بضرب القواعد الأميركية بطريقة لم يفعلوها سابقاً. في تلك المرة الأخيرة، وكما قال أحد مسؤولي البنتاغون، كان الردّ الإيراني مهذباً لأن الأمر كله كان يتعلق بإنهاء الحرب. لكنّ الأمر يغلب أن يكون أسوأ بكثير هذه المرة".
كما أعرب الدكتور بارسي أيضاً عن قلقه بشأن أنظمة الدفاع الأميركية، فكتب: "إننا نعلم الآن أن الإيرانيين يمتلكون قدرات صاروخية قادرة على اختراق جميع طبقات أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية والأميركية، ويمكن أن تؤدي إلى مقتل أعداد كبيرة من الأميركيين. وبذلك، سنشاهد مرة أخرى عودة أميركيين من الشرق الأوسط في توابيت".
ثبت الآن، للأسف، أن هذه التوقعات كانت صحيحة بالكامل. وقد بدأ حجم الأضرار في الظهور منذ الأيام الأولى لهذه الحرب. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في أواخر آذار (مارس) أن العديد من القواعد الأميركية في المنطقة أصبحت "شبه غير صالحة للعمل". كما نجحت الهجمات الإيرانية في تعطيل بنية تحتية دفاعية رئيسية وبنية تحتية للاتصالات. وقد قررت إدارة ترامب عمداً عدم التطرق إلى كل هذه المعلومات ومناقشتها إلا في أدنى الحدود -على أمل أن يصدق الأميركيون روايتها عن تحقيق الولايات المتحدة نصراً سهلاً في الحرب.
ولكن، على الرغم من قرار الإدارة عدم إطلاع الرأي العام على هذه المعطيات المقلقة، تبقى المخاطر التي يواجهها الجنود الذين ما يزالون متمركزين في المنطقة حقيقية جداً. وقد قُتل منذ انهيار "مذكرة التفاهم" وحتى تاريخ كتابة هذه السطور أربعة جنود أميركيين، وأُصيب نحو 100 آخرين جراء الهجمات الإيرانية.
لم تكن العديد من القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، ببساطة، مهيأة لمواجهة ردٍّ إيراني بالحجم الذي شهدناه. كانت المعارك التي خيضت خلال حربي العراق وأفغانستان تدور في غالبيتها العظمى داخل حدود البلدين المعنيين، ولذلك لم يتم تصميم العديد من المنشآت العسكرية الأميركية لتحمّل نيران كثيفة من العدو.
لكن إيران تحكي قصة مختلفة تماماً. كما حذّر الدكتور بارسي، في آب (أغسطس)، من أن إيران تمتلك كلاً من الإرادة والقدرة معاً على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية العسكرية الأميركية في مختلف أنحاء المنطقة. ومنذ بداية تموز (يوليو)، وبعد انهيار "مذكرة التفاهم"، استخدمت طهران ترسانتها من الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى لتوجيه ضربات كبيرة للقواعد الأميركية في أربعة بلدان في المنطقة.
في ضوء هذه الحقائق التي لا يمكن إنكارها، أصبحت ادعاءات ترامب التي أطلقها في وقت مبكر من الحرب بأننا "دمّرنا 100 في المائة من القدرة العسكرية الإيرانية" تبدو أقل معقولية باطراد. وقد شكّلت هذه الفكرة الوهمية عن "انتصار" الولايات المتحدة عاطفة غالبة لدى الرئيس. وقد أصبح يعيش في عالمه الخاص من الأوهام عندما يتعلق الأمر بهذه الحرب، في حين يدفع الجنود الثمن الأكبر لقراراته المتهورة.
بينما يفشل ترامب مراراً في إدراك خطورة الوضع، تصبح القواعد الأميركية أكثر هشاشة وتعرضاً للخطر. وقد أفادت محطة (إن. بي. سي. نيوز) مؤخراً بأن القادة العسكريين الأميركيين بدأوا -في محاولة للحفاظ على مخزون أنظمة الدفاع الذي يتناقص بسرعة- بالسماح لإيران بضرب أهداف أميركية معينة يرونها أقل أهمية.
ولم يكتف التقرير بأن يثبت مجدداً أن مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية الرئيسية تتقلص بسرعة فحسب، بل تحدث أيضاً عن تزايد المخاطر التي يتعرض لها الجنود الأميركيون. وبعبارة بسيطة، لا تمتلك القواعد الأميركية الأسلحة أو البنية التحتية اللازمة للدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات كثيفة وواسعة النطاق خلال صراع طويل الأمد مع إيران.
تجاهل التحذيرات
على مدى سنوات طويلة حذّر البنتاغون الرؤساء الأميركيين من هذه الدينامية. في العام 2007، سعى نائب الرئيس في ذلك الحين، ديك تشيني، إلى إقناع الرئيس جورج بوش الابن بقصف إيران. لكن البنتاغون حذّر من مقترح تشيني، وقال إن إيران ستكون لها اليد العليا في "تفوق التصعيد" على الولايات المتحدة في حال اندلاع صراع عسكري. وكان المقصود بذلك أن إيران تمتلك من الوسائل لتهديد المصالح الأميركية في المنطقة ما يفوق الوسائل التي تمتلكها الولايات المتحدة لتهديد المصالح الإيرانية، في ما يتيح لإيران التحكم في حدة الصراع والوتيرة التي يتصاعد بها.
وقد رأينا هذا التقييم وهو يتجسد بدقة على امتداد هذه الحرب. في حين انخرطت الولايات المتحدة في هذه الضربات العبثية المتقطعة التي لم تفعل الكثير لتحقيق أهدافنا أو لإضعاف إرادة الإيرانيين في القتال، ألحقت إيران الضرر بالولايات المتحدة بمجموعة من الطرق المتنوعة.
على المستوى الاقتصادي، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى الضغط على إمدادات النفط العالمية بطريقة ألحقت أضراراً مالية بالأميركيين. كما يصنع ذلك مشكلة سياسية لترامب والجمهوريين الذين أصبحوا مضطرين الآن إلى مواجهة مسؤوليتهم عن ارتفاع أسعار البنزين في مختلف أنحاء البلاد. وقد وصل الاحتياطي النفطي الإستراتيجي للولايات المتحدة إلى أدنى مستوى له منذ ثمانينيات القرن الماضي، مما يثير قلق خبراء قطاع الطاقة.
كما ساعدت شبكة وكلاء إيران أيضاً النظام الإيراني على توسيع نطاق الصراع –وخاصة في اليمن. فقد بدأت جماعة "أنصار الله" -المعروفة أيضاً باسم الحوثيين- بتهديد حركة الملاحة في مضيق باب المندب. وأدى ذلك إلى قطع طريق رئيسي أمام المملكة العربية السعودية كانت تستخدمه لإعادة توجيه صادرات النفط التي تعذر عليها تصديرها عبر مضيق هرمز. وبسبب هذا التصعيد، أصبح الاقتصاد العالمي يعاني من ضغط إضافي بطريقة تضاعف الضغوط على ترامب.
وعلى الصعيد العسكري، وكما ذكرت سابقاً، تعرضت القواعد الأميركية في مختلف أنحاء المنطقة لأضرار بالغة، حتى أن الجيش قد لا يعود إليها. وفي الوقت نفسه، تعمل إيران على توسيع نفوذها الإقليمي من خلال إنشاء هيئات حكومية تتولى إدارة السيطرة على مضيق هرمز. وهكذا، تزداد قوة إيران بينما يتراجع الوجود الأميركي في المنطقة باطراد.
كما كشفت هذه الهجمات أيضاً عن خلل في الطريقة القديمة للتفكير في القواعد الأميركية. كان يُعتقد سابقاً أن وجود قوات أميركية في بلدكَ سيكون من شأنه أن يردع الهجمات التي قد تُشن على أراضيك. لكنّ هذا المفهوم أثبت عدم صلاحيته. من ناحية، جعل الوجود العسكري الأميركي غير المُنتهي في العديد من هذه البلدان من الأسهل، من الناحية اللوجستية، شن الحملات العسكرية انطلاقاً منها بقرار مفاجئ من الرؤساء الأميركيين في استجابة لنزوة. وكانت النتيجة عدم الاستقرار وانعدام اليقين.
وفوق ذلك، بدلاً من أن تشكل استضافة الجنود الأميركيين على أراضيها رادعاً للأعمال العدائية التي قد تهددها، جعلت هذه الاستضافة دول الخليج في الواقع أكثر عرضة للهجمات -وبذلك أقل أمناً. وقد أثر ذلك بصورة خطيرة في مساعي هذه الدول لتطوير قطاعات مهمة لاستقرار اقتصادها، مثل السياحة والقطاع المالي، حيث يغلب ألا تختار نخب العالم الإقامة في دول تتعرض للقصف بصورة متكررة عندما تمتلك الوسائل والقدرة للعيش في أماكن أخرى. وقد دفعت كل هذه التداعيات السلبية غير المباشرة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة إلى إعادة النظر في علاقاتهم بواشنطن.
الخطوة الصحيحة للمضي قدماً
لم يتم إنشاء معظم قواعدنا في الشرق الأوسط لخوض حرب مع دولة مثل إيران، تمتلك القدرة على إلحاق أضرار جسيمة تتجاوز حدودها. وأصبحت هذه القواعد الآن مجرد بقايا عفا عليها الزمن لإستراتيجية إمبريالية آخذة في الأفول. وبإخفاقه في إدراك هذه الحقيقة، عرّض ترامب قواتنا وجنودنا لمخاطر لا ضرورة لها.
ثمة كثيرون ممن يقولون الآن إنه لتكريم الجنود، علينا أن "نُنهي المهمة". وبالإضافة إلى أن هذه الفكرة غامضة بطريقة لا تُصدق، فإنها غير صحيحة على الإطلاق أيضاً. إن أفضل طريقة لتكريم جنودنا هي ضمان ألا يموت جندي أميركي آخر بلا ضرورة. وهذا يعني وضع نهاية لهذه الحرب والانسحاب من الشرق الأوسط.
وكما قال رون بول بحكمة: "لقد دخلنا إلى هناك للتو، ويمكننا أن نعود إلى ديارنا، ببساطة".
*نولان دينارو Nolan Denaro: معلّق سياسي وكاتب أميركي ذو توجه ليبرتاري، ومقدم بودكاست "البحث عن الوضوح" The Quest for Clarity على "يوتيوب" و"سبوتيفاي". يكتب في قضايا السياسة الخارجية الأميركية والحروب والاقتصاد، مع اهتمام خاص بالتدخلات العسكرية الأميركية والنزعة الإمبريالية والسياسة الدولية من منظور ليبرتاري. تُنشر كتاباته في موقع مناهضة الحرب Antiwar.com. ويكتب مقالات رأي في نشرته على منصة "سبستاك" Substack. وتصفه بعض مقالاته المنشورة حديثاً بأنه "ليبرتاري باليو" (Paleolibertarian)، نسبة إلى اتجاه يجمع بين الليبرتارية والتمسك الصارم بمبدأ عدم التدخل في السياسة الخارجية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America’s Middle East Bases: An Imperial Burden